مجلة الرسالة/العدد 294/أعلام الأدب

مجلة الرسالة/العدد 294/أعلام الأدب

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 02 - 1939



هوميروس

للأستاذ دريني خشبة

(إلى أستاذي الجليل أحمد حسن الزيات أهدي هذه الفصول)

(تابع)

ومن ألمع شخصيات الإلياذة شخصية أجاممنون. . . تلك الشخصية العجيبة التي رفعها هوميروس فوق شخصياته جميعاً، وخصها بالقيادة العامة للأسطول في البحر وللجيوش في البر

وأجاممنون هو شقيق منالوس زوج هيلين التي بسببها شبت الحرب بين اليونان وطروادة. وهو الذي ضحى بابنته إفجنيا كي تتحرك الريح وتتأذن الآلهة للأسطول أن يقلع من أو ليس بعد إذ لبث هناك زماناً طويلاً لا يقوى على حركة لسكون البحر وجمود الرياح. . . قد اتخذ إسخيلوس من مأساة الفتاة إفجنيا موضوعاً لمأساته الرائعة التي دبرت فيها كليتمنسترا زوجة أجاممنون غيلة زوجها بعد أوبته من طروادة وذلك بمعاونة عشيقها إيجيستوس ثم تتسلسل ثلاثية إسخيلوس المشجية (الأورستية) التي ترجمناها لقراء الرسالة منذ ثلاثة أعوام

ومن المشاهد المؤلمة التي ينقم فيها القارئ على أجاممنون ذلك المشهد الذي يقص علينا فيه هوميروس ما شجر من الخلاف بينه وبين البطل أخيل. . . وذلك أن الجيوش اليونانية كانت قد ظفرت في إحدى المعارك بسبي عظيم كان في جملته الفتاة خريسيز ابنة كاهن أبولو والفتاة الحسناء بريسيز. وقد كانت خريسيز من نصيب أجاممنون وبريسيز من نصيب أخيل. . . ولما علم والد خريسيز بما آل إليه أمر ابنته كمد كمداً شديداً وذهب إلى خيمة أجاممنون يتوسل إليه أن يرد إليه ابنته، لكن القائد العام أغلظ للوالد المنكوب ورده رداً شديداً. فدعا الكاهن آلهة أبولو أن يصيب سوط عذابه على اليونانيين ما داموا لا يردون عليه فلذة كبده وقطعة قلبه. . . واستجاب له إله الشمس فسلط عليهم طاعوناً راح يبيدهم ويفتك بأجنادهم. . . ثم جاءتهم النبوءة بوجوب رد الفتاة إلى أهلها إذا أرادوا رف البلاء عنهم، فوافق أخيل كما وافق كل رؤساء الجيش، لكن أجاممنون أبى أن يرد الفتاة إلا إذا قبل أخيل أن ينزل له عن بريسيز التي ملكت عليه فؤاده وامتزج حبها بدمه. . . ولما رأى أخيل ما يحل باليونانيين من بلاء قبل مكرهاً أن يهب أجاممنون معبودته، لكنه اشترط ألا يخوض المعركة مع بني جلدته بعد ذاك

هذا مشهد يثير السخط على أجاممنون، كما أثاره تسليم رأس ابنته للجلاد قرباناً للآلهة حتى تثير الرياح كي يقلع الأسطول. . . وبمثل هذه المشاهد التي سنضع بين يدي القارئ صوراً رائعة منها وضع هوميروس أساس المأساة اليونانية ومهد السبيل لمن جاء بعده من الشعراء فخلقوا الدرامة وخلقوا المسرح وتركوا للذهن البشري ثروة ما يزال يستغلها وما يزال يروي ظمأه منها

وقد ورد ذكر أجاممنون في الأوديسة كما أسلفنا وذلك عندما لقي أودسيوس الكاهن تيريزياس في العالم الثاني واخذ يقص عليه ما آل إليه أمر أبطال الإلياذة بعد أوبتهم إلى أوطانهم، وقد ذكر له من أمر أجاممنون ما دبرته له زوجه

وللبطل ديوميد منزلة رفيعة في الإلياذة، ويكاد بشجاعته النادرة يتفرد بالإعجاب بعد إذ هجر المعركة أخيل. ففي الكتاب الخامس الذي قصره هوميروس على هذا البطل لا تقتصر شجاعته على التفوق على الآدميين الذين خاضوا الحلبة بل تتعداها إلى الآلهة، وحسبه فخراً أنه جرح فينوس ربة الجمال التي كانت تتفانى في مساعدة جيوش طروادة، ثم مارس إله الحرب الجبار، المدله بهوى فينوس. . . وكلما حاق بأحد اليونانيين كرب في المعمعة كان ديوميد أسرع الفرسان إلى نجدته بل إنقاذه. . . وقد ذهب في الكتاب العاشر في صحبة أودسيوس إلى معسكر الطرواديين في حلك الليل حيث اغتالا ريسوس بعد أن اجتازا ساحة تعج بالمنايا وتضطرب بألوان المهلكات

أما أودسيوس فله شخصية فذة. . . أنه بطل مخاطر لا يبالي الردى ولا يرهب المنايا، إلا أنه يمتاز بناحية أخرى أظرف وألطف. . . ناحية تثير المرح وتبعث على الضحك، ضحك الجد الصارم لا ضحك المشعبذين، ورجال المساخر. . . أنه كان من عشاق هيلين قبل أن تنشب مدة الحرب، فلما فاز منالوس بهيلين، حزن وتولاه الكمد، لكنه تزوج من إحدى قريباتها (بنلوب التي لم تكن تقل عنها جمالاً ونضرة وطلاوة، والتي استطاعت أن تحتل من قلبه فراغ هيلين كله. . . فلما نشبت الحرب بسبب هيلين وعلم أودسيوس أنه مدعو إلى خوض غمارها فيمن دعي من ملوك هيلاس وأمرائها أثر السلامة، فادعى العته، وذهب إلى شاطئ البحر بمحراث عظيم يجره ثور وجواد، وجعل يحرث الأرض ويبذر فيها الملح كما يفعل المجانين. . . ولم تنطل هذه الحيلة على بالاميد رسول منالوس فقد عمد إلى تزييفها بوضعه الطفل تليماك بن أودسيوس في طريق المحراث. فكان أودسيوس يتفادى ولده في مهارة اشد الناس وعياً وأكثرهم إدراكاً. . . وفي الإلياذة كثير من المشاهد التي تدل على براعة أودسيوس وجمال حيلته وعمده إلى الخدعة في الحرب أكثر من الاتكال على الشجاعة المجردة. كما كان يصنع ديوميد أو أجاكس أو أخيل. . . وخدعة الحصان الخشبي التي فتحت طروادة هي من تدبير أودسيوس. . . أما الأوديسة فإنها غاصة بحيل هذا الرجل العجيب، وكل حيل خلابة لا يمكن استيعابها في هذه الفصول المقتضبة عن هوميروس. وتنتهز هذه المناسبة فنشير إلى ما تسرب إلى قصص ألف ليلة وليلة من خدع أودسيوس. فأكثرنا قد قرأ رحلات السندباد البحري، وأكثرنا يذكر المارد الذي حبس السندباد ورجاله في كهفه، وراح يسمنهم ويغتذي بهم واحدا بعد واحد حتى دبر السندباد حيلة سمل عيني المارد بالسيخ (السفود) المحمى وما تم بعد ذلك من هرب السندباد ورجاله إلى زورقهم ونجاتهم بأنفسهم في البحر. . . هذه صورة كاملة من صور الأوديسة اقتبسها الراوية العربي وكساها هذا الرواء القشيب مباعدا بينها وبين الأصل غير مشير إلى مصدرها. ونحسب نحن أن قصة السندباد كلها لم تكتب إلا بعد العصر الذي فشت فيه الترجمة عن اليونانية واشتدت فيه أواصر الصداقة بين هارون عاهل بغداد، وشرلمان عاهل بيزنطة، وما تبع ذلك من وفود تجار القسطنطينية إلى بغداد ووفود تجار بغداد إلى العاصمة الرومية، وما كان يصحب هذه الرحلات من تبادل القصص وسرد الأخبار. . . وليس يبعد كذلك أن يكون لاختلاط العرب بأهل الإسكندرية من مصريين ويونانيين أثر فيما نلحظه من تلقيح القصص العربي بطرائف القصص اليوناني.

هذه بعض الشخصيات اليونانية من المذكور في إلياذة هوميروس، تقابلها شخصيات أخرى في معسكر طروادة. . . ولسنا ندري بأيها نبدأ؟ أن باريس الذي كان سبب هذه الحرب الضروس شخصية هزيلة مريضة شاحبة، وليس يستطيع الإنسان أن يفهم كيف جاز أن تنشب هذه المجزرة الشنيعة المروعة بين هذين الحلفين الكبيرين من أجل هذا الفتى باريس ينزل ضيفاً على منالوس فيكرمه ويحتفي به ثم ما يلبث الضيف أن يغازل زوج مضيفه. ثم ما هو إلا أن يفر بها بعد تدبير هو اسفل ما عرف في تاريخ الهمجية والقحة!! حقاً، لقد وعدته فينوس قبل أن يقضي لها بالتفاحة المشؤومة أن تمنحه اجمل زوجة وأفتن امرأة. أفلم يكن هذا النذر الإلهي يقضي إلا على هذا النحو؟ والغامض الذي لم يفسره علم الأساطير هو كيف أنه قد ساغ صنع باريس في ذهن أبيه ملك طروادة؟ وكيف رضى بطل عظيم مثل هكتور عن هذه الدعارة التي أثار بها أخوه الحرب بين هذين العالمين؟ قد نلتمس العصبية الجنسية عذراً واهياً لهذا الرضى، بيد أنه يكون عذراً متهدماً على كل حال

يدرس الإنسان شخصية بريام الملك فيعجب لنبالة الرجل وفطرته التي فطره الله عليها من محبة للعدل وميل إلى الإنصاف وإشفاق على الرعية، فكيف وزن عمل ولده حين أبى أن يأمره برد هيلين إلى زوجها حقناً لكل تلك الدماء؟! أين المرض إذن؟ أفي رأس بريام وملثه؟ أم هو في رأس هوميروس؟! هنا موضع الضعف في عقدة الإلياذة، وهو ضعف يشبه الضعف في عقدة الأوديسة، حين يجتمع عشاق بنلوب في قصر أودسيوس، وحين تمر عليهم السنون الطوال منتظرين أن تختار منهم رب الدار بعلاً لها، فهم بذلك يشبهون القطط ويحاكون الديكة حين تقتتل على الأنثى. . . هذا ضرب حيواني من تفكير هوميروس يشوه جمال ملحمتيه، ولعل للوثنية نصيباً كبيراً في توجيه شاعر الخلود هذه الوجهة. . . ولعل المصريين القدماء لم يكونوا متجنين حين قالوا عن ملاحم اليونانيين أنها نتاج صبياني، ولذا لم يأبهوا لها ولم يعنوا بها برغم ما مدحها لهم صولون

والعجيب في هوميروس أنه لم يبال أن ينحط بالمرأة اليونانية إلى مستوى دون مستوى المرأة الطروادية بمراحل هائلة. . . لقد جعل المرأة اليونانية متاعاً شائعاً وغرضاً تتحيفه لبانات الرجال؛ فهيلين زوجة منالوس ملك أسبرطة تفر مع باريس إلى طروادة دون أن تتأبى أو تتمنع. ثم تشب الحرب بسببها فلا تحاول مرة أن تفر إلى معسكر اليونانيين. بل تظل طوال السنوات العشر متعة حلالاً لباريس، وتنتهي الحرب، وتضطرم النار في كروادة، وتعود هيلين إلى أسبرطا، فلا تثور نخوة منالوس، ولا يضطرب قلبه بقليل من غيرة الرجال أما بنلوب فقد ضربت المثل الأعلى لحفاظ المرأة ووفاء الزوجة، لكنها مع ذلك عوملت من أمراء هيلاس معاملة عجيبة مضحكة تدعو إلى السخرية التي فاجأ بها المصريون القدماء المشترع صولون. . . وإلا فما هذه العصبة من العشاق المعاميد تحتل منزل أودسيوس فتزيغ خيره وتأكل زاده وترتع في شرفه وتستبيح عرضه؟! أكانت منزلة المرأة عند اليونانيين - ولو في عصر هوميروس - بهذه الدرجة من الهوان! زوجة ملك إيثاكا تكون بطلة هذه المأساة الغرامية الوضيعة، وقد قدم هوميروس من خيوس لينشد ملحمته في المدائن اليونانية ليسمع أهلوها كيف كان أسلافهم يعاملون زوجة بطل أبطالهم؟!

وكليتمنسترا زوجة أجأممنون. . . لقد عشقت هي أيضاً إيجستوس المتآمر على عرش مولاه والذي دبر له تلك القتلة الهائلة الشنيعة بعد عودته ظافراً من طروادة. . . فما هذا الذي صنعه هوميروس بنساء اليونانيين؟ لقد عبث بهم وهو يرفع أبطالهم إلى ذروة المجد، ولها بعقولهم حين عرض عليها بضاعة البطولة المزجاة ملفوفة في أكفان تلك الأعراض الممزقة. . . حتى آلهتهم. . . لقد تناولها كما يتناول الطفل دماه ولعبه يعبث بها ويلهو. . . حتى كبير الآلهة وسيد الأولب. . . انظر إليه كيف احتالت عليه زوجه جونو (حيرا) - الكتاب الرابع عشر - فجعلته يغفى ثم يغط في نوم عميق كيما يذهب نبتيون لنصرة الإغريق، فإذا استيقظ في الكتاب الخامس عشر وعلم ما كان من أمر نبتيون أرسل إليه ينذره في المعركة، فيعود رب البحار وينبري أبولو لمشاكسة اليونانيين فترتد جموعهم إلى قواعدها عند الأساطيل. . .

أما المرأة الطروادية فقد سما بها هوميروس سمواً بلغ الغاية وأوفى على المأمول. . . أنظر إلى الأزواج والعذارى والأمهات يجتمعن حول هيكتور في الكتاب السادس في عودته من المعركة يسألنه عن ذويهن؛ وانظر إلى أمه تبرز إليه من حريم بريان عابسة مقطبة ترجوه لأنه عاد من المعركة وهي على أشدها، ثم تحضنه على اللحاق بإخوانه ينصرهم ويشد أزرهم ويرد عادية الإغريق. . . ثم أنظر إلى هذه المرأة المرزأة - هيكوبا - تجمع المتضرعات من بنات طروادة وتذهب فيهن إلى هيكل مينزفا تصلي وتعقر القرابين كيما تشمل جيش طروادة بحسن رعايتها وجميل حمايتها. . . ثم استمع إليها تحنو على هيكتور في الكتاب الثاني والعشرين بعد إذ وعظه والده خوفاً عليه من أخيل (الجني!) وقد أفزعها منظره يصول في الحلبة ويجول، فتذرى دمعها وتساقط نفسها بعد إذا أرسلت إلى المجزرة بأكثر أبنائها. . . أو أنظر إليها تمزق نياط القلوب في الكتاب الرابع والعشرين إذ هي تبكي هكتور بعد إذ عاد أبوه بجسمانه من لدن أخيل. . . أو أنظر إليها تتعلق ببريام وقد انقض بيروس (ولد أخيل) على آخر أبنائها يخترمه برمحه، ثم ينقض على بريام الشيخ الفاني المسكين فيجهز عليه، ثم يقتاد هيكوبا. . . هكيوبا المحزونة المفجعة فتكون في جملة السبي الذي يعود به اليونانيون من طروادة، ويكون سبباً يجر عليهم النحس فيقتل من يقتل ويردي من يردي

وأندروماك! لشد ما يدوي في فؤاد القارئ هذا المشهد الرائع بينها وقد حملت طفلها وبين زوجها هكتور في الكتاب السادس من الإلياذة! إن هوميروس يرتفع في هذا المشهد إلى ذروة فنه في ملحمته الخالدة! لشد ما يحرق القلب وداع أندروماك الزوجة لهكتور الزوج

أنظر إليها واقفة فوق برج من أبراج طروادة وقد قتل أخيل زوجها وراح يجره وراء عربته في الساحة حول اليوم. والرأس الكريم العظيم يثير التراب المنضوج بالدم، وأخيل يلهو بكل ذلك ويشتفي!

بل أنظر إليها وقد وقفت تضرب صدرها وتسكب دمعها على جثة هكتور بعد إذ عاد بها أبوه بريام من عند أخيل، ثم تقول:

(زوجي! أهكذا تمضي في عنفوان الصبا وشرخ الشباب، وتتركني وحيدة فريدة كاسفة! هذا ابنك ما يزال في المهد، وهذان أبواك الشقيان! لن يشب ابنك يا هكتور عن طوقه، لأن من دون هذا دك تلك الحصون، وتقويض طروادة التي كنت حاميها وحامي نسائها والذاب عن بنيها! يا لشقاء الحرائر اليوم يا طروادة! إن هي إلا لحظات ثم يحملهن البجر إماء للغزاة، وأنا وولدي في جملة السبي يا هيكتور. . . ولدي! ولدي البائس الشقي! إلى أين المسير؟! إلى بلاد العدو الظالم لنكون من جملة الخدم والخول. . . ليراك من يحسب أباك قد قتل أباه أو أخاه فيبطش بك، وينتقم منك، ويقذف بك من فوق برج أو حصن. . .

(لشد ما كنت حزنا لأبويك يا هكتور! بيد أنك كنت حزناً ممضا لمخلوق تعيس آخر هو أنا. . .!)

وهكذا بكت هذه الزوجة المخلصة الوفية زوجها، وهكذا كانت دموعها الغوالي مداداً لا ينفذ لمآسي يوريبيدز

ما أجمل هوميروس!!

وما أضيق هذه الفصول بأدبه الخالد الذي لا يبيد!!

دريني خشبة