مجلة الرسالة/العدد 300/الجامعيون يحتربون

مجلة الرسالة/العدد 300/الجامعيون يحتربون

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 04 - 1939


للدكتور زكي مبارك

كان الأسبوع الماضي من الأسابيع الدامية في حياة الجامعة المصرية، وكان رجعة إلى معارك الصعايدة والبحاروة في الأزهر الشريف، فما هي الصلات بين القديم والجديد من هذه المناوشات التي تقع في المعاهد العلمية؟

إن النضال بين الصعايدة والبحاروة من الأزهريين كان رجعة لأحقاد عرفتها مصر منذ عهد الفراعين بين سكان الشمال وسكان الجنوب، وكان لهذا النضال مواسم يذكرها من شهد الحياة الأزهرية قبل أن تخضع للنظام الحديث

فما هو سبب النضال بين كلية الآداب وسائر الكليات؟

وما الذي قضى بأن يكون للجامعيين تاريخ في العداوة والبغضاء؟

لقد كانت كلية الآداب منذ نشأتها محفوفة بالرعاية والعطف من جميع المعاهد العالية، فما الذي جد من الشؤون حتى تصبح هذه الكلية المحبوبة هدفاً للعداوات، وحتى تشن عليها الغارة بلا ترفق ولا استبقاء؟

ما الذي جد في دنيا القلوب حتى تثور الحرب الدموية بين طلبة الآداب وطلبة الحقوق؟

وكيف جاز أن يصبح الحرم الجامعي مجروح الهيبة والجلال وفيه تمثال الشهداء في سبيل الوطنية لا في سبيل المنافع الشخصية؟

كيف جاز أن يحترب الرفاق في بقعة مسَّورة بالأزهار والرياحين في مطلع الربيع؟

وكيف نسى أولئك الشبان أن من الجريمة أن يدنسوا الحرم الجامعي بالأحقاد الشخصية، وهو بفضل العلم لا يقل قدسية عن المحاريب؟

كيف نسى أولئك الشبان نعمة الله عليهم وهم يغدون ويروحون في رياض تذكّر بأرواح الفراديس؟

إن الجامعة لها موقع قليل الأمثال في الشرق، وهي تنتظر من أبنائها أن يكونوا جذوة روحية تضيء أقطار الشرق، فبأي وجه تلقى الناس إذا صح لأبنائها أن يحتربوا ويقتتلوا بأسلحة ينكرها العلماء؟

إن أولئك الشبان لا يعرفون أن هناك مسامع تستريح لأن تسمع فيهم قالة السوء، يدركون أن هذا النوع من المناوشات يغض من هيبتهم العلمية، ولا يذكرون أن سيرتهم قد تصبح قدوة لطلبة المعاهد العالية في الشرق

ولكن ما هي أسباب المعركة بين كلية الآداب وكلية الحقوق؟

السبب في جملته يرجع إلى كتابين يدرسان في كلية الآداب وفيهما فقرات تمس العقيدة الإسلامية

ولكن فات خصوم كلية الآداب أن من المستحيل أن يقع ذلك عن عمد: فعميد الكلية يعرف أن في مصر تيارات دينية وسياسية؛ وليس من مصلحته أن يتعرض لمكاره من جانب رجال السياسة أو رجال الدين. ومتى صح أن سوء النية غير موجود فمن التعسف أن يقال أن كلية الآداب تحارب العقيدة الإسلامية

أتريدون الحق أيها الجامعيون؟

لقد ضيعتم على أنفسكم فرصة عقلية لا تتاح في كل يوم، وهذه الفرصة بدت طلائعها بحديث عميد كلية الآداب وحديث شيخ الأزهر وشيخ كلية أصول الدين

وكان يجب اغتنام هذه الفرصة: كان يجب أن نرى المصاولات العقلية بين الأزهر والجامعة المصرية. كان يجب على الأقل أن يكون الحكم في هذه القضية إلى مناظرة علنية تقوم في قاعة الحفلات تحت رئاسة مدير الجامعة المصرية

ولكنكم أسرعتم ففصلتم في القضية بالأيدي لا بالعقول.

ثقوا أيها الجامعيون بأن الحركة الفكرية في حاجة إلى وقود، وهذه المحرجات التي تثور من حين إلى حين هي أعظم باعث ليقظة العقول، وأعداء هذه البدوات الفكرية هم من جيش الموت، لو تعلمون.

أقول هذا وأنا أعرف أن المشكلة فُضَّتْ ولم يبقَ إلا حكم التاريخ.

ولكن يؤذيني أن يكون للجامعة في حياة العقل تاريخ يشبه تاريخ العنف في أيام الظلمات.

إن كلية الآداب لها مهمة أعظم مما تظنون.

لا يراد من كلية الآداب أن تقف عند المحكيّات في الشؤون الأدبية والفلسفية، وإنما يراد من كلية الآداب أن توقظ غافيات العقول، وأن تخلق الفرص لوثبات الأخيلة والأحاسيس. فمن كان يظن إنه انتصر على كلية الآداب حين رجمها بالحجارة والطوب فلينم قرير العين.

أما كلية الآداب فمن حقها أن تعتز وتستطيل بأن يكون لها في حياة العقل تاريخ.

(مصر الجديدة)

زكي مبارك