مجلة الرسالة/العدد 301/أعلام الأدب

مجلة الرسالة/العدد 301/أعلام الأدب

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 04 - 1939



سُوفُوكْلِيس

للأستاذ دريني خشبة

ظل سوفوكليس يمد المسرح اليوناني بروائع دراماته نيفاً وستين سنة، فكان عمراً ممدوداً مباركاً متصل الجهاد، وكانت حياته كلها كالحديقة الجميلة الغناء باسمة بالزهر يانعة بالثمر حافلة بالطير مزدهرةً بالألوان

وُلد سوفوكليس سنة 496 قبل الميلاد، في كولونوس؛ وكان أبوه سوفيللوس تاجر أسلحة ذا ثروة واسعة فنشأ ولده تنشئة راقية وضمن له حياةً مترفة مليئةً بالمناعم، وثقافة أثينيةً هي إلى الأدب والفن، أقرب منها إلى العلم والفلسفة، ويبدو ذلك واضحاً جلياً في جميع ما تركت لنا يد العفاء من دراماته التي بلغت ثلاثاً وعشرين ومائة فلم يصلنا منها غير سبع

ويبالغ التاريخ في وصف جمال سوفوكلس إذ هو صبيٌّ وإذ هو فَتىً؛ ويقال إنه لم يكن في أثينا كلها من كان يفوقه رشاقةً وتناسقاً وجمال تركيب، حتى إنهم اختاروه في الاحتفال بالنصر في سلاميس ليقود فريق المنشدين، فكان يتقدمهم عارياً مُجَلّل الرأس بالغار والأزهار، عازفاً على قيثاره أشجى النغم، فكان فتنة الاحتفال كله

وكان يجمع إلى جمال الجسم ورشاقة اللفتات محاسن النفس الخَّيرة وفضائل القلب التقي، فكان يحب الناس جميعاً ويقسرهم جميعاً على محبته والشغف بمواهب روحه

ولقد شدا الموسيقى - وربما الشعر - عن الفنان الكبير لمبروس، الذي كان له أكبر الأثر في توجيه سوفوكليس والذي حبب إليه الإنشاد وموسيقى المسرح فجذبه إلى الفن وأقصاه عن الفلسفة، وضمن له الظفر على أقطاب الأدب وفحول الشعر في عصره، وهو لما يزال شاْباً حدثَ السن

ويذكرون أنه نال أولى جوائزه، وكان منافسه إذ ذاك إسخيلوس الشيخ، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، بدرامة وطنية مفقودة تدعى (تربتوليموس). ويختلف المؤرخون في السبب الذي أظفر الشاعر الشاب بالشاعر الشيخ، واشهر الروايات أن إسخيلوس كان قد سخر بالآلهة سخرية واضحة لاذعة في درامته التي تقدم بها للمباراة مما أهاج الرعاع عليه وأثارهم ضده حتى كادوا يفتكون به وهو يمثل لولا أن حال أخوه بينه وبينهم، كاشفاً له عن ذراعه التي جرحت في سلاميس دفاعاً عنهم، وذياداً عن بيضة الوطن. . . ويقولون إن سوفوكليس كان قد أغرى القضاة بماله الكثير، وإنه نحَّاهم، وكانوا خمسة، حينما حان وقت فرز الأصوات وتقدم القادة العشرة المعجبون بدرامة سوفوكليس الوطنية فزخرفوا الحكيم ودلّسوا النتيجة وقضوا بالجائزة الأولى للشاعر الشاب. وأيَّاً كان السبب فقد ترك الحادث في نفس سوفوكليس أثراً عظيماً من الزهو ليس يعدله إلا أثر الحسرة والمرارة في نفس إسخيلوس. . . ولم يضار المسرح ولا الأدب بما حكم للأول على الآخر، فقد نظم إسخيلوس أسمى روائعه بعد ذلك، كما أن سوفوكليس صمد لخصمه، وراح يعزز فوزه بعشرات ثم عشرات من أرفع ما شهد المسرح من المآسي في جميع عصوره.

ذاك، وقد ظفر سوفوكليس بالجائزة الأولى عشرين مرة، وبالجائزة الثانية أكثر من ثلاثين، وقلما هبط إلى الجائزة الثالثة. ومهما يكن لأمواله من اثر في هذه النتائج الباهرة فمما لا ريب فيه أن أدبه وفنه ودقته كانت العوامل الأولى الأساسية في تعدد مرات انتصاره. . . أما إسخيلوس فقد فاز بالجائزة الأولى خمس عشرة مرة، على قلة منافسيه وهوان شأنهم، كما فاز بها يورببيدز - سيد شعراء الدرام - خمس مرات فقط

ولما كان سوفوكليس جميلاً بارع الجمال، فقد كان يقوم بنفسه بتمثيل أدوار النساء في صدر شبابه، كما ذكرنا أنه أدى دور نوزبكا في درامته (نسوة غاسلات). وكانت ظلال جماله تنعكس على فنه، فكان يؤثر البساطة في التعبير والتفكير، ويفضّل العاطفة الجياشة الثائرة على العقل الخامد الرزين، ولذلك لم يفكر في أن يرتفع إلى أفق إسخيلوس في برومثيوث مثلاً، لأنه كان يتجنب عمق الفكرة التي تجهد قرائح النظارة وتكمدها، ويؤثر أن يشب في قلوبهم حرائق من الألم والتأثر في روعة من الشعر العالي وجمال من الفن الدقيق.

وقد عاش سوفوكلس حياته الطويلة هادئاً لا يعكر صفوه شيء، حتى ثار في أعماقه شيطانه الفنان فوصل أسبابه بأسباب عادة سيئة السيرة فاسدة الخلق تسمى تيوريس - اضطره فنه على ما يبدو لنا من تحليل حياته إلى أن يتخذها خليلة تذكي مشاعره، وتصل إلهامه، وتحيي من قلبه موات الشيخوخة، وتدفئه من ريح العمر الباردة. . . لكن صلته بها قد افتضحت آخر الأمر، وكان ينفق عليها بسخاء غريب فثار ولده يوفون وشكاه أمام القضاء طالباً الحجر عليه وإقامته وصياً ليحول بين أبيه وبين تسرب ثروته وبعثرتها تحت قدمي تلك (المحظية) العابثة الهلوك!. . .

وهنا تكتسح عظمة سوفوكليس تدبير أعدائه، فإن ولده برميه أمام القضاة بتهمة العَتَه والسفه، فما يكاد يقولها حتى يقف الشاعر العظيم، ثم ينسخ التهمة بإلقائه وتمثيله إحدى قطعه الخالدة من درامته (أوديبوس في كولونوس) التي كان ينظمها خلال تلك المحنة، وسرعان ما يصفق له القضاة الذين خلبهم بشعره الرفيع الرصين، وفنه الجميل العالي، وتمثيله القوي الخلاب، ثم يحكمون بسلامة تفكيره وحريته المطلقة في تصريف شئونه. . . وهكذا اعتبر القضاة غرام سوفوكلس من شئونه الخاصة فلم يدمغوه بحكم يذهب بشرفه وربما كان يقضى على تلك العبقرية الرائعة التي عكست سناها على جميع العبقريات في جميع عصور المسرح.

. . . فغرام سوفوكلس بالغيد الأماليد لم يكن إلا إيحاءً فَنّياً تستلزمه حياة الفنان وتقسره عليه ميوله. ويكاد كل فنان يكون خاضعاً لمثل هذا الإيحاء، وقد خضع له إسخيلوس من قبل، فقد روُى أنه لم يكن يستطيع أن يحسن شيئاً من الشعر الرفيع إلا حين تلعب بلبّه حُميّا الخمر. وقد قال فيه سوفوكلس إنه نظم أبدع روائعه وهو لا يدري ماذا يقول ولا ماذا ينظم. . . على أن هذه المغامرة الغرامية قد ذهبت جُفاءً في حياة سوفوكلس، فلم تترك فيها وصمة، ولم تلطخها بالعار، بل على الضد من ذلك فقد زاد شغف الناس بشاعرهم العظيم حتى قيل إن طائفةً منهم عبدوه بعد موته عام 406 باسم الإله البطل دكسيون الذي يؤثر أنه ضاف في منزله الإله أسكلبيوس واعتبروا قبره طريق دكليا دار حج لهم

ولد سوفوكلس سنة 496 وتوفي سنة 406 ق. م وفاز على إسيخيلوس وهو في الثامنة والعشرين ثم لبث يمد المسرح نيفاً وستين عاماً درامتين كل سنة، فهو بذلك قد ملأ القرن الخامس العظيم من تاريخ أثينا بأدبه وروائعه، وشهد جلائل الأعمال التي تمت في هذا العصر وعادت بالخير الجزيل على اليونان خاصة وعلى الإنسانية عامة. . . لقد كان سوفوكلس أنضر زهرة في حديقة بركليس العظيم. . . لقد شهد نهضة الفن وساهم في نهضة الدرام، ووقف من شرفة برجه الرفيع يطلع على ذاك الصراع العنيف بين أثينا وأسبرطة، ويرى إلى الديمقراطية تصارع عسكرية الأسيرطيين فتساجلها مرة، وتواثقها مرة، ثم يموت بركليس فتسقط أثينا في الميدان وتغزوها أسبرطة بعد موت سوفوكليس بعامين (404). . . عاصر سوفوكليس هذه الأحداث الجسام لكنه لم يندغم فيها، لأنه كان يشهدها بطبع الفنان الذي يؤثر الراحة ويخلد إلى الأدب ويطلب السلامة، لا سيما إذا كان في مثل ثروة سوفوكليس وجاهه اللذين رشحاه لعضوية أعظم مجالس الأمة بالرغم من قلة درايته بالأمور الإدارية وعدم بصره بشئونها. . . حتى قيل إنه كان إمّعة بين زملائه يوافق إذا وافقوا ولا يدري على أي شيء يوافق، ويرفض إذا رفضوا ولا علم عنده بما يرفضون. . لكنه مع ذاك أديب أثينا وفنّانها وبلبلها الغرّيد الذي يهذب ويوحي ويلهم ويواسي ويُسلي ويبكي ويغني وينفذ إلى سُوَيْداءات القلوب

لقد كان إسخيلوس صارماً متجهماً يرمي بشرر كالقصر حينما يرتطم بالقضاء والقدر، وكان يؤثر الأسلوب الفخم في الأداء والعبارة الفصيحة والمجاز العميق، وكان ينقصه كثير من روعة الفن. . . أما سوفوكلس فقد خلص من كل القيود التي تحول بينه وبين قلوب الناس. . . إنه لم يرتبط بنظام الثلاثيات الذي أخذ به إسخيلوس نفسَه، بل كان يعمد إلى الموضوع الذي كان إسخيلوس ينظمه في ثلاث درامات فيجعله هو درامة واحد في ثلاثة مشاهد مستعيناً على ذلك بسرعة الأداء وتقصير الحوار وتركيز الغرض والمحافظة على الوحدة في العبارة السهلة والبيان الهيّن

وليس هذا هو كل ما أدخله سوفوكلس على الدرامة اليونانية بل لقد أدخل عليها ألواناً من التجديد لم يلبث الجمهور أن شغف بها وأجاد تذوقها، فمن ذلك اتخاذه المناظر المنقوشة ثم اقتصاده في التهويل في كل من الصوت والملابس التنكرية وإيثاره النشاط ومقته للحركة البطيئة التي تشل الممثل وتربكه وتذهب بروعة الأداء وتشوه جمال التمثيل. . .

لقد كان سوفوكلس وسطاً ما بين إسخيلوس ويوريبيدز، لأنه وإن يكن قد حافظ على العنصر الديني في معظم درامته فجرى بذلك في غبار إسخيلوس إلا أنه اقترب إلى الناس وابتعد عن الآلهة ولم يرفرف دائماً فوق شعاف الأولمب كما كان يصنع إسخيلوس. . . لقد عرف القلب الإنساني واكتشف ما فيه من الكنوز التي لا تقوم بدونها دولات الدرام. . . لقد لمح القبس المقدس الذي يعمر قلوب البشر. . . القبس الإلهيّ!. . . الحب!. . . لقد أشركه في دراماته ولم ينأ به كما صنع إسخيلوس. . . لقد جعل له نصيباً أوفى في توجيه كثير من درامته وحل عُقَدها. واستطاع أن يصوغ له اللغة البراقة الدفاقة والأسلوب المصطخب الملتهب فجاء كلامه عنه كلام المجرب ذي الصبوات

اسمع إليه ينظم للخورس هذه الأنشودة العالية في درامته أنتيجوني:

لله أنت يا حُب! أيها الظافر بنا في كل حَلْبة!

أيها المحارب الذي حطامنا أسلابه!

لله أنت إذ تكمن في خدود العذارى الناعمة كالمخمّل

تترصد فرائسك في غيهب الليل، طاوياً الموج

رفّافاً في الحراج والغاب، والهضاب والتلاع

وأكواخ الرَّعاء

لا يتعرض سبيلَك أحد.

الكل يخضعون لك

الناس والآلهة. . . سواسية جميعاً

كلهم مهزومون في ميدانك

يستولي عليهم جنونك

صناع يا حب! لشد ما تضل الهداة!

فيتردّون في التهلكة بأيديهم؟!

وكما أجاد سوفوكلس في كل ما كتب عن الحب الغرامي، فكذلك قد أتى في سائر ألوان الحب بما لم يستطعه غيره، ففي درامته إلكترا يصور لنا الحب الأخوي تصويراً رائعاً شائقاً ويعبر عن أحاسيس الطفولة تعبيراً هيّناً ليناً، فيه من ضَعْف الصغر وسذاجته وأحلامه ما يجعله أقرب إلى الطبيعة مما صنع إسخيلوس في أورست

كذلك كان سوفوكلس بارعاً إلى آخر حدود البراعة في تصوير شخصيات النساء. وقد عنى فيهن بناحية الضعف ولم يعن بناحية القوة والصرامة كما صنع إسخيلوس في كليتمنسترا. . . عنى بناحية المحبة والعطف والحدب والتألم والبكاء والخوف ولم يؤثر أن تكون بطلاته جبارات عاتيات كبنات لانوس اللائي قتلن أزواجهن ليلة الزفاف إلا واحدة، أو كزوجة ممنون التي تقتل زوجها وتؤثر عليه عشيقاً لم تحبه ولكن ربطه بها التدبير السيئ والمشاركة في الغرض الوضيع وقد ثار سوفوكلس على أحد الأوضاع الهامة التي أخذ إسخيلوس بها نفسه؛ فقد أجاز حوادث القتل وسفك الدماء على المسرح وكان بذلك يثير شجون ويمزق أحشاءهم من الألم، ففي درامته (أجاكس) ينتحر البطل وتتصبب دماؤه أمام المتفرجين، وفي أوديب يسمل الملك عينيه فينبجس الدم منهما ويصيح من الألم مستنجداً أن يقوده أحد. . . هذا إلى المشاهد التي كان يتجنبها إسخيلوس ويجنب نظارته شهودها. . . فقد أوقف سوفوكلس كليتمنسترا تبكي تحت سكين ولدها قائلة له: (حنانيك يا بني لهذا الثدي الذي غذاك بلبانه!) وتكون ابنتها إلكترا واقفة عن كثب فما تكاد استغاثة أمها تصك أذنيها حتى تقول محرضة أخاها على قتل أمه: (وهل استشعرت حناناً لك أو لأبيك من قبل؟). . . أو ذلك المشهد الرائع الفاجع من مشاهد (فيلوكتييس) حينما يظهر البطل في غمرة من الذهول فيملأ المسرح أنيناً ويثير في قلوب النظارة زوابع هائلة من الألم والوجد

يعد المسرحيون هذه الظاهرة عيباً في فن سوفوكلس، بيد أنه كان يوجه دراماته وجهات تحتم أن يعرض تلك المشاهد على نظارته، وكان له من روعة الفن وعبقرية الأداء ما يحيل هذه المجازر إلى ضرب من الاستمتاع غير المستكره، ليس مرجعه إلى ما فطر عليه الإنسان من ميول سادية، لكنه يستمتع بما فيها من جمال الحق وروعة الإيمان، ويزيد في استمتاعه أغاني سوفوكلس العذاب ولغته السهلة، وذلك الترابط الوثيق بين أجزاء المأساة، والتوازن بين حوادثها، وإحكام المؤامرة، والقدرة البارعة في حل العقدة، ثم ذاك (التكتيك) المنتظم المتزن الذي كان يعرض به مآسيه. . . هذا إلى سرعة الأداء بإظهار أكثر من ممثلين مرة واحدة في المسرح

أما المعين الذي كان يستقي منه موضوعات دراماته فلم يكن يعدو الشعر الغنائي الشائع وشعر ملاحم العصريين ثم هذا البحر الزاخر من الأساطير التي حشدها أركتنوس ولسبوس وغيرهما من الشعراء الأسطوريين في منظوماتهم، وقل أن كان يعتمد سوفوكلس على هوميروس أو على أحد من شعراء الدرام من معاصريه

دريني خشبه