مجلة الرسالة/العدد 307/المدرسة الابتدائية وتعليم اللغة الأجنبية

مجلة الرسالة/العدد 307/المدرسة الابتدائية وتعليم اللغة الأجنبية

مجلة الرسالة - العدد 307
المدرسة الابتدائية وتعليم اللغة الأجنبية
ملاحظات: بتاريخ: 22 - 05 - 1939



للأستاذ عبد الحميد فهمي مطر

ورد في تقرير اللجنة التي شكلت بوزارة المعارف برياسة سعادة الوكيل المساعد لدراسة هذا الموضوع ما يأتي:

(تكاد تجمع نظم التعليم بالبلاد الأجنبية على أن ليس من المصلحة أن يبدأ الطفل تعلم لغة أجنبية قبل أن يلم إلماماً كافياً بلغته القومية وقبل أن تتسع مداركه لاستيعاب تلك اللغة الأجنبية

ويرجع هذا الإجماع إلى أن المسؤولين عن تربية الطفل يرون أن في التبكير بتعليمه لغة أجنبية إرهاقاً له وإضعافاً للغته الأصلية، وأن تعليمه اللغتين في وقت واحد يؤدي إلى عدم تمكنه من إحداهما. وهذا أن وافق دولة ما فالأحرى به أن يكون أكثر موافقة لمصر التي يختلف فيها تعلم اللغة الأصلية عن غيرها من الدول، وذلك لأن لغة الكتابة هنا غير لغة الكلام مما يجعل العبء أثقل على كاهل التلميذ المصري)

وورد في تقرير المستر مان الخبير الفني الذي رفعه إلى وزارة المعارف منذ أكثر من عشر سنوات بصفحة 94 ما يأتي:

(ان العبء الثقيل الذي تضعه هذه المحاولة اللغوية الغريبة على كاهل الصبي المصري تتجلى لنا شدة وطأته بوجه خاص إذا راعينا ما بين نشوء الفكر في الذهن والتعبير عنه بالكلام من الاتصال الوثيق، لأن من الصعب كما لا يخفى إدراك ما إذا كان في الإمكان أن يوجد أحد هذين الأمرين مستقلاً عن الآخر. وعلى أية حال فإن من المؤكد أن توقيف تيار الفكر في الصبي بتكليفه التعبير عنه بوساطة لغة أجنبية لا بد من أن يعوق نمو ملكة التفكير فيه. وهناك ما يجعلني أعتقد أن الوسط الذي تنشر فيه لغتان من شانه أن يؤخر نمو القوى المدركة في الأفراد الذين يعيشون فيها حتى ولو كانت هاتان اللغتان حيتين وشائعتي الاستعمال، وعلى ذلك فإن بيئة الصبي المصري الدراسية التي تتغالب فيها لغتان إحداهما ميتة لا بد من أن يكون أكثر تعويقاً لنمو مداركه من الوسط انف الذكر. فبدلاً من أن تكون المراحل الأولى من تعليمه أطوار نمو طبيعية يكاد لا يشعر بها فأنه يراها شاقة إذ أنه لا يقضيها أحياناً إلا في الكدح في تحصيل قواعد كلامية) وقال هنري سويت في كتابه: (دراسة اللغات العملية) ما يأتي:

بما أن اللغات ليست عقلية إلا في بعض عناصرها فإن تحصيلها لا بد أن يكون إلى حد كبير بطريقة آلية، والدراسة الآلية لا تحتاج إلى عقل مبتكر ولا إلى ملكة ممحصة ناقدة)

ومنذ سنوات طويلة نبهنا الخبيران الفنيّان: مان وكلاباريد إلى النقص المخيف في تكوين شبابنا وتنمية عقولهم في نواح متعددة أهمها في ملكات الابتكار والنقد والتفكير. وجاء في هذا العام مكتب تخديم الشبان بوزارة المالية فأثبت لنا ذلك النقص عن طريق الشركات التجارية والصناعية التي أقدمت على استخدام بعضهم فظهر لها عجزهم في كثير من الأمور. ولست أشك لحظة في أن سبباً هامّاً من أسباب هذا النقص يرجع إلى دراسة اللغات الآلية التي نركز فيها همنا وهم الطفل منذ أول اتصاله بالمدرسة من غير أن نفسح مجالاً ما لظهور تلك الملكات الضرورية وإنمائها! ويكفي أن ندلل على ذلك بأن الطفل بمجرد التحاقه بالمدرسة الابتدائية يصطدم بتخصيص 21 درساً من 38 درساً أسبوعيّاً لدراسة اللغتين العربية والإنجليزية أي بمعدل 46 في المائة تقريباً من وقته الدراسي، وهذا الوقت موزع بمعدل 9 دروس للغة الإنجليزية و 12 للغة العربية؛ أي بنسبة 24 في المائة للغة الإنجليزية و 32 في المائة للغة العربية. فأين تجد المدرسة وقتاً (بعد صرف هذا الوقت كله) للبحث عن ملكات التلميذ الضرورية وتشجيعها وإنمائها والعمل على تكوينه التكوين الصحيح الملائم؟

فإلغاء اللغة الأجنبية من المدرسة الابتدائية إذن يرفع عن كاهل الطفل المصري المبتدئ في التعليم عبئاً ثقيلاً ينوء به، شهد بوجوده العلماء والخبراء وأحس بثقله الكثيرون من رجال التربية والتعليم في مصر، وأقرت بقيامه اللجنة الرسمية التي درست هذا الموضوع. وإلغاء اللغة الأجنبية من المدرسة الابتدائية يمكن المدرسة من إصلاح حالها في مواطن متعددة لأنه يعطيها فرصة واسعة للعمل مع زيادة تثقيف أبنائها في شتى النواحي القومية والخلقية، كما أنه يساعدها على اتباع أصول التربية وقواعدها المهملة إلى اليوم بين جدرانها. إذ المدرسة في جميع بلاد العالم لا تقف عند واجب التعليم فقط كما هو الحال عندنا، ولكنها تتعدى ذلك إلى أمور تتصل بحياة الطفل وبمستقبله اتصالاً وثيقاً وتؤثر في نفسيته وتكوينه تأثيراً عميقاً يجعل المدرسة الحديثة تنكر نفسها إذا هي أهملتها أو أنقصت من أهميتها. فلقد أصبحت دراسة ميول كل تلميذ على حدة وتوجيهه وتشجيع مختلف الملكات فيه بمجرد ظهورها والعمل الدائم على إنمائها - أموراً لا يمكن للمدرسة الحديثة أن تحيا بغيرها! والمدرسة المصرية الحالية مع الأسف العميق لا تعني بشيء منها! ولا يمكن أن تعنى بشيء منها ما دام 56 في المائة من وقتها ضائعاً في الدراسة النظرية استعداداً للامتحانات!

هذا ولا يذهبن الظن ببعضنا إلى أن إلغاء اللغة الأجنبية من المدرسة الابتدائية يضعف حالة هذه اللغة في المدارس الثانوية أو يقلل من أهميتها، فالأدلة المحسوسة كثيرة على أن هذا العمل يرفع من قيمة هذه اللغة ويقوي مركزها في التعليم الثانوي والمتوسط التجاري بصفة خاصة ويجعل الاهتمام بها أكبر وأعظم لأن التلميذ الذي انتهى من التعليم الابتدائي حيث تكون تكويناً ملائماً يأتي إلى المرحلة التالية مليئاً بالحيوية والنشاط متجها اتجاهاً جديداً تدفعه جدته إلى الحماس في الأخذ به. ثم أن القوة في دراسة لغة من اللغات لا تتوقف فقط على طول المدة التي يقضيها الطالب في دراستها لأن هذه المدة عامل ثانوي بجانب الطريقة نفسها التي تتبع في تدريسها وبجانب حماس المعلم وقدرته. وهي أمور إذا أحسنت واستكملت أسبابها دفعت بالطالب دفعاً إلى الاطلاع والقراءة وهي الغاية القصوى التي يجب أن يسعى إليها المعلم والمدرسة معاً. ولا نستدل على ذلك بأكثر ما نراه رأى العين في مدارسنا اليوم إذ نرى مستوى طلاب البكالوريا في اللغة الفرنسية لا يقل كثيراً عن مستواهم في اللغة الإنجليزية بل قد يزيد أحياناً مع انهم أنفقوا طوال أربع سنوات بالمدارس الابتدائية في دراسة اللغة الإنجليزية من غير أن يدرسوا كلمة واحدة في اللغة الفرنسية، ثم أخذوا يدرسون اللغة الإنجليزية طوال مدة التعليم الثانوي بمعدل تسعة أو ثمانية دروس في الأسبوع في نفس الوقت الذي لا يدرسون اللغة الفرنسية إلا بمعدل أربعة دروس في الأسبوع فقط في مرحلة التعليم الثانوي وحدها، فماذا يقول أنصار إعطاء مدد طويل لتعليم اللغات بعد هذا الدليل المادي القوي؟ فإذا رجعنا ببصرنا بعد ذلك إلى الماضي وجدنا عجباً، وجدنا أن معظم وزرائنا ومستشارينا وقضاتنا الذين تعلموا على النظم القديم ولم يدرسوا اللغة الفرنسية إلا في السنتين الأخيرتين من التعليم الثانوي استطاعوا بعدها أن يدرسوا مواد العلوم المختلفة في مدرسة الحقوق باللغة الفرنسية وأن ينبغ الكثيرون منهم فيها

فهل يصح بعد كل هذا أن نخشى على اللغة الإنجليزية إذا نحن أخرنا البدء بدراستها إلى ما بعد مرحلة التعليم الابتدائي؟ لا شك في أنه لا خوف عليها مطلقاً إذا ألغيناها من التعليم الابتدائي كم أنه لا خوف على اللغة الفرنسية إذا أجلنا البدء بتعليمها إلى ما بعد سنتين من مرحلة التعليم الثانوي

وفوق هذا وذاك فإنا نعلم أن الطريقة المتبعة في تعليم اللغة الإنجليزية بالمدرسة الابتدائية الآن هي نفس الطريقة المتبعة في تعليمها بالمدرسة الثانوية وهي يقف الأمر عند ذلك بل نجد أن الكتب التي يدرسها التلميذ في المدرسة الابتدائية يعيد دراستها هي نفسها في المراحل الأولى من المدرسة الثانوية، وفي هذا اعتراف رسمي عملي بعدم أهمية دراسة اللغة الإنجليزية بالمرحلة الأولى وبان الطالب إنما يبدأ بتعلمها فعلاً بمرحلة التعليم الثانوي

أما ما نستفيده عملياً من تعليم اللغة الأجنبية في المدرسة الابتدائية فيتبين بصفحة 238، من مؤلفي (التعليم والمتعطلون في مصر) إذ قد ورد فيه (أما النتيجة العملية التي يستفيدها الطلاب، وتستفيدها البلاد من تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية فتبين من الإحصائية التي تنتقل بناجحي الشهادة الابتدائية إلى البكالوريا حيث ينتظر أن يفيدوا أو يستفيدوا من تعلم اللغة الأجنبية. وهنا أوردنا إحصائية يتبين منها النسبة المئوية لناجحي البكالوريا إلى ناجحي الابتدائية في عدة سنين تقع بين 17 و 26 في المائة. ثم قلنا: (فإذا علمنا أن نحو ثلثي الناجحين في الابتدائية يقفون عند هذا الحد من التعليم وأن ناجحي البكالوريا لا يتمكنون جميعاً من الالتحاق بالجامعة، وأن الكثيرين منهم يرسبون بعد ذلك خلال مرحلة التعليم الجامعي، وإذا علمنا أن الطالب كان يتعلم اللغة الإنجليزية إما للوصول إلى التعليم العالي أو التفاهم بها مع الموظفين الإنجليز العديدين الذين كانوا يملئون دواوين الحكومة عند توظفه. وقد زال هذا السبب الآن واقتصر في تعلم اللغة على الغرض الأول وهو البحث العلمي والاتصال بالآراء الحديثة، عرفنا مقدار التضحيات الجسام التي تضحي بها مصر الآن من مجهودات أبنائها ومن أموالها علاوة على إرهاق الطلبة في سبيل توصيل عدد ضئيل من أولئك الأبناء إلى التعليم الجامعي للانتفاع بتلك اللغة)

بعد هذا كله لا نرى أمامنا غير طريق واحد للسير بالتعليم قدماً نحو الديمقراطية الحقة ونحو النظم التعليمية والاجتماعية السليمة ونحو مصلحة مصر وشعبها وذلك بإلغاء اللغة الأجنبية من المدرسة الابتدائية إلغاء تاماً وإدماجها مع غيرها من مدارس الأطفال في مدارس شعبية موحدة

عبد الحميد فهمي مطر