مجلة الرسالة/العدد 315/رسالة الشعر

مجلة الرسالة/العدد 315/رسالة الشعر

ملاحظات: بتاريخ: 17 - 07 - 1939



الشاطئ الخالي

للأستاذ خليل شيبوب

الشاطئ اليوم خال لا قطين به ... إلا بقايا من الأشباح ترتفق

أما الألي مرحوا فيه فإنهم ... سرعان ما اجتمعوا فيه وما افترقوا

كانوا جماعات لهو جد جدهم ... حيناً ولكنهم في العيش ما اتفقوا

لم يمنحوه هواهم مثلما فعلت ... نفسي التي برشاش الماء تعتلق

أخليته لهمُ حتى إذا ارتحلوا ... عنه إذا بي إليه الآن أنطلق

تبسط الرمل فيه اليوم وانتعشت ... فيه الصخور عليها الموج يندفق

وعاد ما كان من أمن ومن دعة ... إليه مذ زال عنه الطيش والنزق

العين آخذة في سمته رَتَلاً ... من التعاريج تبدو ثم تنغلق

والصخر يصغي إلى الأمواج تنشده ... لحن الطبيعة فيه الحب متسق

حلته مسترسلات العشب مسبلة ... غدائراً تلتقي فيه وتفترق

والأفق غشته أستار وأعمدة ... حمراء ماج عليها غيمه اليقق

قصر من الفتن الكبرى تيممه ... شمس الأصيل بها الأكوان تأتلق

كأنما الريح لما رف ناسمها ... سالت حنينا بها أرواح من عشقوا

حملت حبي إليه واعتزلت به ... عن كل سامعة تصغي وتسترق

وفي فؤاديَ رسم ليس يبصره ... سواي والكون حولي صامت فَرق

كأنني عابد حانٍ على صنم ... أخفاه بين الضلوع الحب والفرق

إني تحدثني عن مقلتيك هنا ... هذى البحار وهذى الشمس والأفق

وعن جبينك مرفوعاً تضئ به ... طهارة الحسن مزهواً بها الخلق

أراك في قسمات الغيب سابحة ... يفج حولك فجر الحب والشفق

في واهج من هيولى النور منعكس ... منى بها شهداء الحب قد صعقوا

مجلوة بنشيد السعد لحنه ... معنى الرجاء الذي في الغيب يصطفق

يا جنة فقدت عيني مباهجها ... وفي يدي لم يزل من نشرها عبق هل ساعة ومضت بالسعد راجعة ... أم انقضت وتقاضي نورها الغسق

صبرت لكن هذا الصمت أقلقني ... حتى تناهب عمري الصبر والقلق

إن الأماني في صدري قد انتحرت ... فأين أدفنها والصدر مختنق

لم يبق من مهجتي الحرى سوى رمق ... ينحل فيها ولن يستمسك الرمق

فليتني لم أكن حياً وتأكلني ... نار لعينيك فيها بت أحترق

يا أيها الشاطئ الخالي رحبت مدى ... ولا أطاف به التكدير والرنق

أراك منى أدنى من عرفت لذا ... عمري عليك بما لاقيت ينطبق

كم اجتنبت الورى ما لي ومالهم ... وكم تمنيت أن الناس ما خلقوا

إني قطعت مسافات وصلت بها ... إلى مساء حياتي وهي تستبق

أرى الظلام بما فيه يهددني ... وفي الظلام يطول الهم والأرق

وشاطئ النفس مهجور قد انطمست ... معالم الأنس فيه وأمحى الأفق

والحب بحر صفا لي برهة فإذا ... وراء ذاك الصفا التيه والغرق

يا أيها الشاطئ الخالي هنا وقفت ... بي الحياة على آثار من سبقوا

ما عاد غيرك لي من أستريح له ... وليس غيري قطين فيك يلتحق

مخضتك الود صرفاً فاجزني مقة ... فإنني بك قلبي مولع ومق

(الإسكندرية)

خليل شيبوب