مجلة الرسالة/العدد 320/التاريخ في سير أبطاله

مجلة الرسالة/العدد 320/التاريخ في سير أبطاله

مجلة الرسالة - العدد 320
التاريخ في سير أبطاله
ملاحظات: بتاريخ: 21 - 08 - 1939



أحمد عرابي

أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح وأن يحدد له

مكانه بين قواد حركتنا القومية؟

للأستاذ محمود الخفيف

وسئل رئيس الوزراء عن وجهة نظره في دعوة المجلس دون الرجوع إلى الخديو، فكان جوابه أن الخديو قد نشأ الخلاف بينه وبين وزرائه بحيث لا يمكن الاتفاق بينه وبينهم، ولذلك فقد دعي المجلس دون مراعاة سلطته في هذا، ثم قال: (إن شكوانا من سموه هي أنه سلك مسلكاً يقضي على استقلال مصر وكثيراً ما فعل ذلك دون مشاورة وزرائه)

والحق أن توفيقاً كان يود التخلص من هذه الوزارة بأي ثمن وفيها البارودي الطامع في عرشه، وعرابي زعيم الحركة القومية الذي يسير بطبيعة حركته في طريق تعتبر عند الخديو طريق الضلال والعصيان وتعد كل خطوة فيها ثورة وتكبر، وأي شيء آلم في نفسه من أن يرى فلاحاً من أبناء هؤلاء الذين ما خلقوا إلا للفأس والطاعة العمياء يتربع في كرسي الوزارة ويتكلم إذ يتكلم باسم الأمة ويقبل ما يقبل أو يرفض ما يرفض باسم الأمة؟

ولقد عاب كثير من الناس على البارودي وعرابي مسلكهما تجاه الخديو في تلك الأزمة، وحجتهم أن الواجب كان يقضي على البارودي أن يترك الحكم ما دام قد استحكم الخلاف بينه وبين الخديو، ولقد يبدو هذا الكلام وجيهاً لمن ينظرون في النتائج دون تمحيص المقدمات، أما الذين لا يصدرون حكماً إلا عن تقص وفهم فلا يذهبون مذهب هؤلاء، ولا يقيسون قياسهم

وليست المسألة دقيقة على الأفهام حتى تتشعب فيها وجوه الرأي، فحسب هؤلاء العائبين على الوزارة مسلكها أن يذكروا أن الخديو كان يعمل بوحي من الإنجليز وعلى ذلك فلإجابته إلى مبتغاه لن تكون إلا تسليماً لأعداد البلاد، الأمر الذي لن يقبله وطني؛ ولو أن الأمر كان خلافاً بين الخديو ووزرائه، وكان الخديو يريد وجه الوطن لكان من السهل جداً أن يحتكم إلى الأمة ممثلة في مجلسها النيابي ويجعل له، عن طيب خاطر، القول الفص في الخلاف

وهل كان يحمد من الوزارة أن يكون قصارى جهدها الاستقالة من الحكم وإنها لفي موقف جهاد ومقاومة لدسائس الدساسين ومطامع الطامعين؟ كلا. بل أنا لنرى استقالتها في تلك الظروف ضرباً من الفرار ومثلاً من أبلغ أمثله الضعف، وعلى الأخص إذا سلمنا بموقف الخديو من القضية كلها على النحو الذي نذكره، والذي لن نجد دليلاً على صحته أبلغ مما ذكره لورد كرومر في كتابه حيث يقول: (إنه بين للسير أدوارد ماليت في يوم 6 مايو أنه يؤثر أن تفقد مصر بعض امتيازاتها على يد الباب العالي وتعود إليها السلطة المنظمة على أن تبقى في مثل تلك الفوضى) ومعنى هذا أنه كان يريد أن تطلق يده في مصر فيحكمها كما يشاء ولا عبرة في سبيل الوصول إلى هذا الغرض بمبلغ ما تفقد مصر مما حصلت عليه من امتيازات خطت بها خطوات واسعة نحو الاستقلال

وإن الذي يرى هذا الرأي لن يكون احتكامه إلى قواعد الدستور إلا ضرباً من المغالطة، فإذا كان الدستور يقضي باستقالة الوزارة إذا تعذر التفاهم بينها وبين الخديو فلن يكون ذلك إلا على أساس احترام الخديو لذلك الدستور في جملته وتفصيله. . . وما أخطر أن يتخذ الدستور أداة لطرف منهما بالتحايل عليه بما ليس فيه. . .

وقفت وزارة البارودي لا تتحول ولا تلين فكان موقفها هذا ثورة لا شبهة فيها، ثورة قومية كأروع وأجمل ما تكون الثورات القومية، وهو موقف نراه جديراً بالإعجاب والتقدير، وما نحسبه لو كان في بلد غير بلدنا إلا كان يعد من المواقف المشهودة التي تذكر في مواطن الفخر والمباهاة

وكانت الوزارة قوية بادئ الأمر لأنها كانت معتزة بالنواب وإجماعهم على الأخذ بناصرها، ولكنها نظرت فإذا بينهم تهامس وفي صفوفهم إسرار وإعلان، وإذا كبيرهم سلطان يدعوهم إلى الحكمة والروية. . . وكم تحمل على الحكمة والروية أعمال ليست منها بسبب من الأسباب. . . قال سلطان باشا يومئذ للسير أدوارد ماليت: (لقد أسقط المجلس شريفاً تحت ضغط عرابي، وإن نفس الأعضاء الذين ألحوا في ذلك أكثر من غيرهم - وقد استبان لهم أنهم خدعوا - يتوقون اليوم إلى إسقاط الوزارة). . . ولو اطلع عرابي على الغيب يومذاك لرأى أن هذه أخف ضربة من ضربات سلطان هذا، تلك الضربات التي سوف يسددها إلى قلب الحركة الوطنية في ضجيج الجهاد وسكرات الاستشهاد

وانحاز فريق كبير من النواب إلى جانب الخديو، وإن كانوا ليتظاهرون أنهم يظاهرون الوزارة. . . كتب في ذلك ماليت إلى حكومته في اليوم الثالث عشر من شهر مايو يصف الحال في مصر أو على الأصح يصف مبلغ ما أصابته من نجاح دسائسه الإجرامية، قال: يظهر أن رئيس المجلس والنواب يميلون إلى جانب الخديو، ولقد سألوا سموه أن يأخذ بالعفو فيصالح وزراءه، ولكن الخديو رفض ذلك. . . ويصر سموه على رأيه، فلن يصالح وزارة تحدته صراحة، وتهددته هو وأسرته، واعتدت على القانون بدعوة المجلس إلى الانعقاد دون الرجوع اليه، وفي القاهرة قدر غير قليل من القلق، وكثير من الناس يغادرونها. . .

إزاء ذلك انخلع عن رئيس الوزارة عزمه، وتزايل إصراره شيئاً فشيئاً، حتى رأت البلاد البارودي يرفع إلى الخديو استقالته فيرتكب بذلك إثماً نعيبه عليه أشد العيب. فقد كان عليه أن يستطلع رأي النواب صراحة في جلسة يعقدونها. فإذا ناصروه كان عليه أن يبقى في مكانه حتى يقال، فيحظى بشرف الإقالة، أو ينتصر، فيكون له فخر الانتصار. . .

لقد رفض النواب أن يجتمعوا في مجلسهم - أي أنهم رفضوا أن يشايعوا الوزارة في تحديها الخديو، واجتمعوا في منزل رئيسهم وهذه حقائق نسلم بها، ولكنها أمور شكلية لا تمس جوهر الموضوع. فالأمر الذي كان يهم الوزارة، هو معرفة رأي ممثلي البلاد، وسواء لديها اجتمعوا في مجلسهم أو في أي مكان.

فليس ثمة من فرق بين الاجتماعين، إلا أن هذا رسمي وذاك غير رسمي؛ ولم يكن المجال يومئذ مجال شكليات، وقد جرى الخديو في مضماره الذي اختاره رغم إرادة البلاد. وهل كان نواب الشعب الفرنسي الذين التقوا في ملعب التنس في مستهل ثورتهم الكبرى لا يعبرون عن رأي الشعب لأنهم لم يجتمعوا في قاعة مجلسهم؟

الحق أن البارودي قد هدم جميعاً باستقالته هذه، ولو أنه نال شرف الإقالة، لكان منطقه متسقاً، ولأضاف بذلك إلى نفسه وإلى وزارته معنى من معاني البطولة وحمل الخديو والموحين إليه وزراً جديداً يضاف إلى سابق أوزارهم!

وعجز الخديو أن يقيم في الحكم وزارة، فقد أشفق منها الرجال يومئذ، وأشفق منها مصطفى فهمي باشا حين عرضت عليه رياستها عملاً باقتراح ممثلي إنجلترا وفرنسا اللذين صار لهما الآن حق إسناد الوزارة إلى من يرضيان عنهم في مصر.

وصرح الوزراء على الرغم من استقالة رئيسهم أنهم هم لا يستقيلون إلا إذا كان ذلك بأمر من مجلس النواب، وهنا يعود عرابي فيثب إلى الطليعة، وقد ضاق البارودي بالأمر ذرعاً؛ فهو الذي أوحى إلى الوزراء بما فعلوا، وقد عز عليه أن يبعد الوزراء عن مناصبهم بمشيئة غير مشيئة الأمة، وتلك خطوة أخرى نضيفها في غبطة وفخر إلى سالف خطواته.

ووقف عرابي في مكانه لا يتزعزع وما كان أصلبه وأشد مراسه إذا وقف في أمر في أمر يرى أنه الحق؛ ولقد صور المبطلون وقفته هذه أنها عودة إلى الثورة المسلحة وأنه يوشك أن يفاجئ البلاد بيوم آخر كيوم عابدين، فما حفل كلامهم ولا خشي تهديدهم؛ وكتبت الحكومات إلى ممثليها في مصر أن (يرسلوا إلى عرابي فيبلغوه أنه إذا أصاب النظام خلل فسوف يجد أوربا وتركيا كما يجد إنجلترا وفرنسا ضده، وأنهم يحملونه تبعة ذلك)

وأصر ذلك الفلاح الذي لولا ما هيأته الأقدار لكان يومئذ يجيل فأسه في حقل من حقول هرية رزنة ولا يدري من أمر الحكم والسلطان شيئاً؛ وظل على عناده يكشف عن طيب عنصره وكرم معدنه فيفهم من يريد أن يفهم أن ذلك الفلاح الذي يجيل الفأس في صبر وصمت في أنحاء هذا الوادي لا ينقصه إلا العلم والحرية ليبهر العالم بعبقريته وبطولته. . .

وصرح سلطان وقد أخذ يكيد للبارودي وعرابي معاً (أنه ليس من الممكن تغيير الوزارة ما دامت القوة الحربية مجتمعة في عرابي باشا) ولم يك يبدر سلطان أن وراء تلك القوة الحربية قوة أخرى لولاها ما قام غيرها. لم يك يدري سلطان باشا أن هذه القوة الحربية التي يشير إليها كانت قائمة في مصر من قبل فما ظهر أثرها إلا في يد عرابي وأنه بذلك يمتاز عن غيره من الرجال

وانتهت الأزمة بأن أشار ممثلاً إنجلترا وفرنسا على الخديو بأن يطرح المسائل الشخصية جانباً، وبما أن سموه لم يستطع أن يقيم وزارة جديدة فإنهم يطلبون إليه أن يجدد علاقته بالوزارة القائمة)

وبقيت الوزارة في كراسيها وانتصرت كلمة الأمة من جديد على يد ذلك الذي خرج من هرية رزنة وتلقى قسطاً من من العلم في الأزهر، ثم درج بعد مدارج الرقي فكان في نموه كالشجرة الطيبة في سموقها لا كالعليق الذي لا ينمو إلا على غيره من النبات

ولولا ذوو الأطماع من المتربصين بمصر وحرية مصر لجنت البلاد من هذا الانتصار أطيب الثمرات ولعزت بذلك كلمة الأمة حتى ما تذل بعدها؛ ولكن مصر وا أسفاه جنت من انتصارها هذا العلقم والحنظل

وكيف كان يتسنى لمصر السلامة ووراء الخديو الإنجليز يتربصون ويكيدون؟ لقد حق لماليت الآن أن يدعو حكومته إلى التدخل المسلح فقد حانت الساعة وواتت الحجة، ولن يهم إنجلترا أن تكون هي المدبرة لكل ما حدث فلن يكون احتجاج الضعفاء إلا صرخة ضائعة، ولن يكون منطقهم إلا ثرثرة وشكواهم إلا تبجحاً

لم تكن في البلاد ثورة ولا خاف فيها أجنبي على حياته أو متاعه ولكن أعوان السوء صورها يومئذ صورة منكرة انزعجت منها أوربا أشد الانزعاج، مع أن هؤلاء الكاذبين كانوا يعلمون حقيقة الأمر ويوقنون أن المسألة لا تعدو خلافاً بين الوزارة والخديو ما كان ليبلغ ما بلغه من الشدة لولا تدخلهم على ذلك النحو الأثيم

ولم تكن البلاد مثل تلك الحال من الفوضى التي ذكرها المبطلون. وحسبنا أن نورد هنا بعض ما جاء في خطابين كتبهما عرابي باشا إلى مستر بلنت وكان ذلك في أوائل شهر أبريل أي قبل الأزمة التي نحن بصددها بنحو شهر. قال عرابي: (ونحن نرجو لإنجلترا أن تكون أقوى الأصدقاء لمساعدتنا في إيجاد نظام حسن على أساس الحرية فنسير عندئذ على غرار الأمم المتمدنة الحرة. ونحمد الله فإننا سنرى قريباً نجاحك في جهودك ولهذا نعتبر وصولك سالماً لبلادك فألاً حسناً للنجاح المنتظر. . . أما بخصوص النصيحة التي زودتنا بها فنحن نشكرك ونخبرك بأننا لا نقصر في حفظ النظام والهدوء لأننا نعتبر هذا من أهم واجباتنا ونؤكد لك أن كل شيء هنا هادئ؛ فالهدوء والسلام يسودان البلاد ونحن وإخواننا الوطنيون ندافع بأقصى ما يمكننا عن حقوق جميع السكان بصرف النظر عن الأمة التي ينتمون إليها؛ ونحن نحترم جميع المعاهدات والاتفاقات الدولية ولن نسمح لأحد بمساسها ما دامت أوربا تحفظ وترعى علاقتها الودية معنا. أما عن تهديدات الماليين وأصحاب المصارف في أوربا فإننا نتقبلها بالحكمة والثبات واعتقادنا أن هذه التهديدات تعود عليهم وحدهم بالأذى وتغر الدول التي تنخدع بأقاويلهم. وغايتنا الوحيدة هي تخليص البلاد من العبودية والظلم والجهل وأن نرفع السكان إلى مركز لا يمكن فيه الاستبداد أن يعود كما كان في الأزمنة الماضية ينشر الخراب والدمار في مصر. وإن هذا الذي أكتبه إليك هو ما يفكر فيه كل مصري عاقل يحب حرية بلاده)

هذا ما يقوله عرابي وهذا ما كان يرجوه المصريون من إنجلترا من عهد يرجع إلى قبيل الاحتلال. وكم تكرر في مصر من أشباه ونظائر لهذا الموقف! وكم جاء مثل هذا الكلام على ألسن غير لسان عرابي ولكنا نحجز القلم عن الاتجاه إلى غير ما نحن فيه فالسياسة الإنجليزية في مصر هي هي وإن تغير الزمن واختلفت في موضع زعامة الرجال

وقد أكد عرابي هذه النيات في كتابه الثاني، ومما جاء فيه: (ونحن ميالون أشد الميل إلى التفاهم عن المصالح المتبادلة بيننا وبين الدولة المرتبطة بنا. وليس للدول ذوات المصالح في بلادنا من سبيل للانتفاع بعقودهم ومعاهداتهم إلا إذا كانت الصداقة التي بيننا وبينهم وثيقة. فإذا قطعت هذه الصداقة فالضرر لن يعود علينا وحدنا بل يعود على الدول أيضاً وبخاصة إنجلترا. وليس هناك سياسي كبير الإدراك إلا ويفهم قيمة المنافع التي تعود على إنجلترا من صداقتها لنا ومعاونتها إيانا في كفاحنا). . . وقال: (إننا قد نوينا نية صادقة على أن يكون لأمتنا مركز بين الأمم المتمدنة بنشر المعارف في البلاد والمحافظة على الاتحاد والنظام والقضاء بالعدل بين الناس أجمعين. ولا يمكن لشيء في العالم أن يردنا عن قصدنا قيد شعرة فلن نخشى الوعيد أو التهديد ولن نخضع إلا لحكم الصداقة التي نقدرها ونكبرها - أما عن الهدوء في مصر فنخبرك أنه ليس هناك أي قلق، ونحن الآن نحاول أن نمحو الآثار السيئة التي تركتها لنا الحكومة السالفة)

ويذكر مستر بلنت أن الشيخ محمد عبدة كتب إليه في ذلك الوقت مثل ما كتب عرابي يؤكد له قيام النظام والسلام في مصر يقول: (وإن الخلق العظيم الذي يمتاز به الشيخ محمد عبدة ثم هذا المركز السامي الذي يملأه الآن في مصر وهو منصب الإفتاء الشرعي، كل هذا يجعل لشهادته قيمة تاريخية لا يبلغ الإنسان مهما قال في مدحها، وهذه الشهادة يصح وضعها بجانب الكتب الزرق لإدحاض أكاذيبها المختلفة، وكان في ذلك الوقت رئيساً لتحرير الجريدة الرسمية ومديراً لقلم المراقبة الصحفية فكان مركزه هذا يجعله على علم بما يدور في الوزارة الوطنية بحيث لم يكن ماليت أو كلفن أو أي أوربي آخر ليدعي مثل معرفته بهذه الشؤون)

(يتبع)

الخفيف