مجلة الرسالة/العدد 320/كتاب الأغاني

مجلة الرسالة/العدد 320/كتاب الأغاني

ملاحظات: بتاريخ: 21 - 08 - 1939



لأبي الفرج الأسكندراني

رواية الأستاذ عبد اللطيف النشار

صوت

أصلحتُ ما قال سيبويه ... بما رآه (أوبر كرومبي)

قد أصبحت مصر في لغاها ... مصباح شرق وزيت غرب

وصرت في أمتي زعيماً ... كأنني طلعت بن حرب

الشعر للأستاذ أحمد الشايب، وفيه لحن لما يضربْ لصغر سنه

حدثنا الأستاذ أحمد الشايب قال: لما وضعت كتابي (الأسلوب) عمدت فيه إلى تهذيب المنهج في تعليم البلاغة. فراجعت كتاب المستر أوبر كرومبي، ومزجت ما يسميه الإنكليز بالـ (روتاريك) بما يسميه العرب (البلاغة)، وأخرجت من ذلك كتاباً في الأسلوب على طريقة

قال أبو الفرج: ولقد طالعت هذا الكتاب فوجدته بديعاً ولا عيب فيه غير أسلوبه

قال: واعتذر الأستاذ الشايب عن ذلك بالقاعدة الإنكليزية في أجرومية تلك اللغة قال وهذه القاعدة عند علماء البلاغة في كل اللغات أن يكون الحد اللفظي لها مخالفاً للمعنى الذي تضمنته كما يقال في البلاغة العربية: (قبيح أن تبدأ الجملة بلفظ قبيح). قال وهذه القاعدة تصلح ترجمة للقاعدة الإنكليزية التي ذكرتها

قال أبو الفرج: والحق أن المركَّب الذي استحدثه الأستاذ الشايب للبلاغة مركب بديع، وقد خرج فيه عن الطريقة العربية للمركب المزجي وقارب الطريقة التي ذكرها الأستاذ فرويد لمركباته المختلفة.

حدثنا الأستاذ سلامة موسى قال: إن مركب النقص ومشتقاته ليست هي كل المركبات وإنما ذكرت منها ما ذكرت في المجلة الجديدة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر؛ فهناك مركب مثلاً اسمه مركب الدعاية العملية وهو يتعلق بالدعاية دون غيرها ومرده بالطبع إلى أشياء أخرى غير الغريزة. ومن أمثلة هذا المركب أن في الإسكندرية شاعراً جهيراً اسمه الدكتور زكي أبو شادي وناقداً كبيراً اسمه الأستاذ إسماعيل أدهم، وهما يشتركان في تأليف كتب باللغة الإنكليزية ويوقعانها معاً بأسماء مستعارة، ولكن الدكتور زكي أبو شادي يوقع بلقبه العلمي فقط: (الدكتور) ويوقع الأستاذ أدهم باسم (ليونارد هاركر) ويرى الناس التوقيع هكذا: (الدكتور ليونارد هاركر) ويحسبونهما رجلاً واحداً بهذا الاسم والواقع أنهما اثنان أحدهما دكتور شاعر والثاني ناقد

قال الأستاذ سلامة موسى: (ولما عرفت هذه الحقيقة، وجدتني أنطق الشعر على الرغم من كراهيتي له، وقلت أهجوهما:

كم ناقد أبسط مِن شاعر ... وشاعر أمكر من ناقد

فكيف بالله ترى خلة ... قد ضمت الوصفين في واحد

قال: وواحد هنا لا تشير إلى فرد منهما وإنما تشير إلى المركب الذي مزجهما معاً.

حدثنا الأستاذ إسماعيل مظهر قال: إن نظرية فرويد مردها إلى النسيان. ولقد بوب كتابه عن الحياة اليومية على أساس من ألوان المنسات، فباب عن نسيان الأرقام، وآخر عن نسيان الوجوه، وثالث عن نسيان الأخبار وهكذا. وفي الحق أن الأستاذين إسماعيل أدهم أو الدكتور زكي أبو شادي لم يتجها قط إلى المزج، وإنما أرادا التوقيع بكامل اسميهما ولقبيهما، ولكن أحدهما نسى اسمه بعد أن كتب كلمة الدكتور، والثاني نسى لقبه قبل أن يكتب اسمه ليونارد هاركر، ولقبه هو البروفسور

حدثنا الأستاذ أحمد الشايب قال: أما المركب الذي استحدثه بمزج البلاغتين العربية والإنكليزية فليس من هذا النوع وليس منشؤة النسيان، وإنما وقع لي هذا الخاطر المبارك أيام كنت موظفاً في حكومة السودان وكان الحكم فيها ثنائياً فأنشأت كتابي (الأنجلو اجبشيان أسلوب) لمدارس الأنجلو اجبشيان سودان. أليس كذلك؟ أوريت! وفي رواية أخرى أنه لم يقل: أوريت، وإنما قال: أوكيه

حدثنا الدكتور زكي مبارك قال: هذه والله بدعة قبيحة من المثقفين بالثقافة الإنكليزية. ولقد سمعت منذ أسابيع محاضرة أذاعها الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني من محطة لندن فنعى علينا نحن الفرنسيين المصريين أننا أدخلنا على الأدب المصري عنصر المغالاة وأننا بعد أن بشرنا بالرومانيكية سكتنا. سامحه الله! ومن الذي يزعم أني سكت أو أني سأسكت! على أن الأستاذ المازني قد فاته أن يتحدث عن بدعة الأستاذ الشايب

وحدثنا الأستاذ المازني قال: لقد أذعت محاضرتي قبل أن يصدر كتاب الأسلوب وأنا الآن أتحدث قبل أن أقرأ الأسلوب فما للدكتور زكي يتعجلني قبل الأوان؟ أيحسب أنه يطيق مهاجمتي كما هاجم غيري من قبل؟

حدثنا الدكتور زكي مبارك قال: ما لهؤلاء يتهموني جميعاً بالشغب؟ أتراني أفعل كما فعل قرقوش فأصدقهم وأكذب عيني! وحقهم جميعاً لا أشاغب ولا أحب من يشاغب ولولا أن الرهبنة ليست في الإسلام لو دعت الناس جميعاً وقضيت بقية العمر راهباً في مسجد نوتردام دي سنتريس!

ليت الصبايا يترهبن ويدخلن معي الدير! إذن لكنت أشهر من أحدب فكتور هيجو صاحب كنيسة نوتردام دي باريس! آه لو ترهبت الصبايا!

قال أبو الفرج: والحق أن أصدقاء الثقافة الفرنسية كانوا أقدر على الاختراع والابتكار حتى ظهر كتاب الأسلوب مازجاً بين البلاغتين فتم الانتصار في الابتكار لأصدقاء الثقافة الإنكليزية

حدثنا الأستاذ أحمد الشايب قال: وهل يحسب أحد أن التقريب بين مصر وبين حليفتها من حيث البلاغة ليس إلا ضرباً سامياً من ضروب الوطنية! أليس ذلك مؤدياً إلى حسن التفاهم بين الأمتين في المستقبل؟

قال أبو الفرج: أما وقد أشار الأستاذ الشايب إلى الوطنية فما سمعت في الشعر المصري أروع وطنية من شعره، ولا رأيت في النقد المصري أقوى من تلك الوطنية في نقده.

قال: لقد نقد الأستاذ الشايب لبهاء الدين زهير فرأيته يهزه هزاً عنيفاً ويسأله: أين شعره في الحروب الصليبية، وأين وطنياته المصرية؟

ولقد قرأت نقده للمتنبي فرأيته يهزه كذلك هزاً عنيفاً ويسأله أين شعره في النيل؟

وهو على الرغم من سمو مكانته يلجأ بدافع الوطنية إلى التضحية ليكون قدوة ومثلاً لغيره من الناس، فكان أول أستاذ جامعي تطوع في فرقة الإنقاذ من الغارات الجوية.

قال: ولقد كنت وإياه وجماعة من المصطافين القاهرين بالإسكندرية عندما أطلقت صفارة الخطر على سبيل التجربة. فقام الأستاذ الشايب من فوره وارتجل هذه القصيدة، وليس أدل منها على وطنيته وإنسانيته:

صوت

صفيرٌ كصوت البوم ينعق ناعياً ... ثُكلْتَ من المدعوُّ ويحك داعياً

فودعت أهلي واتخذت كمامتي ... وبَذْلتي الصفراء وانسقت باكياً

والبذلة الصفراء هي ثوب من المطاط يرتديه المتطوعون في فرقة الإنقاذ

أفتش بالأذنين عن صوتِ معولٍ ... ولا معول إلا المنون المناديا

أزيز نسور ترسل الموت مُلهَباً ... وروحاً بلا جسم وصلباً وجارياً

فخضت الردى جوَّا وماءً وخضتهُ ... لهيباً وأحسست الردى في كيانيا

وفوق يساري شارة تستحثني ... وتهتف بي أن لست وحدكَ فانيا

وتهتف بي من مات لم يعد عمرهُ ... ومن ماتَ لم يلقْ المنيةَ ثانيا

وفي عضلي المفتول محمل خائرٍ ... فإن لم يجدني منقذاً فمواسيا

وفاضت على صدري نفوسٌ كثيرةٌ ... ووكلت بالأخرى الطبيب المدوايا

فيا غارة ما كان أبشع خضتها ... وهوَّن منها أنها في مناميا

الشعر للأستاذ أحمد الشايب وفيه لحن من صنعة الأستاذ حمدي باشا الديب تضرب على نغمة صفارة الخطر

(يتبع)

عبد اللطيف النشار