مجلة الرسالة/العدد 324/إلى صديقي. . .

مجلة الرسالة/العدد 324/إلى صديقي. . .

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 09 - 1939



حول زيارة لضريح ابن عربي

للأستاذ صديق شيبوب

هنيئاً لك يا أخي تنقلك بين مصايف لبنان المرتفعة منها والمنخفضة، بين الجبال الشاهقة والأودية السحيقة، بعيداً عما نعانيه من حر مضن ورطوبة قاتلة ونزلة وافدة. ولعلك بعد أن تتم طوافك في لبنان لا تنسى أن تزور دمشق لأنه لا بد لكل من يصطاف بلبنان من أن ينتهي بزيارة الفيحاء، أو وكما قال شاعرنا العربي

تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام

ولدمشق سحر خاص تتميز به عن غيرها من البلدان العربية الكبرى. ولا أصف لك الحدائق الغناء التي تحيط بها، وهى نفحة من نفحات الجنان، ولا الآثار البديعة القائمة فيها وبعضها من الروعة بمكان. فإنك ستزورها وستشهد هذا جميعه وتعجب به

وزائرو دمشق يكتفون عادة من آثارها بالجامع الأموي ودار المجمع العلمي والمكتبة وبعض القصور القديمة وبعض المصانع الوطنية؛ وقليل منهم من يفكر في زيارة ضريح الشيخ محيي الدين ابن عربي، أو يفطن إلى أن (بحر المعارف الإلهية، وترجمان العلوم الربانية، الشيخ الأكبر، والقطب الأفخر)، كما يلقبه الشيخ عبد الغني النابلسي، مدفون فيها

ولقد زرت دمشق أكثر من مرة، وكنت في كل مرة أتردد على الأماكن التي تعود الناس زيارتها. ولم أفطن مرة إلى ضريح (الشيخ الأكبر) كما يلقب علماء الصوفية ابن العربي بالرغم من أني ركبت أكثر من مرة (تراماً) يعرف خطه باسم (الشيخ محيي الدين) في غدوي ورواحي إلى حي الصالحية حيث كنت أقيم

ولم يخطر ببالي في زياراتي الأولى أن أسأل من هو محيي الدين هذا. ولا أخفي عنك أني لو سألت يومئذ عنه وقيل لي أنه ابن العربي لما نبه في ذهني خاطراً بعيداً، أو بعث في نفسي شوقاً مزيداً إلى زيارة ضريحه، لأني لم أكن أعرف عنه أكثر من أنه إمام من أئمة الصوفية وأنه صاحب هذه الأبيات الجميلة التي كنت أحفظها من غير أن ألتفت إلى معناها الصوفي وهي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن ديني إلى دينه دان وقد صار قلبي قابلاً كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لنيران ومعبد طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه، فالحب ديني وإيماني

ولم أكن أعرف ابن العربي، كما وصفه الشيخ صفي الدين ابن أبي منصور في تعابير صوفية رائقة، فقال إنه (الشيخ الإمام المحقق، رأس أجلاء العارفين والمقربين، صاحب الإشارات الملكوتية، والنفحات القدسية، والأنفاس الروحانية، والفتح الموثق، والكشف المشرق، والبصائر الخارقة، والسرائر الصادقة، والمعارف الباهرة، والحقائق الزاهرة، والمحل الأرفع من مراتب القرب في منازل الأنس، والمورد العذب في مناهل الوصل، والطول الأعلى في معارج الدنو، والقدم الراسخ في التمكين من أحوال النهاية، والباع الطويل في التصريف في أحكام الولاية. وهو أحد أركان هذا الطريق)

أو كما وصفه الذهبي: (وله توسيع في الكلام، وذكاء وقوة خاطر وحافظة وتدقيق في التصوف، وتآليف جمة في العرفان. ولولا شطحه في الكلام لم يكن به بأس. ولعل ذلك وقع منه حال سكره وغيبته)

أو كما وصفه المسدي: (كان ابن العربي ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات، خاض بحار تلك العبادات، وتحقق بمحيا تلك الإشارات، وتصانيفه تشهد له عند أولي البصر بالتقدم والإقدام، ومواقف الغايات في مزالق الأقدام)

أو كما قال أيضاً: (وكان جميل الجملة والتفصيل، محصلاً لفنون العلم أخص تحصيل، وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق)

أجل لم أكن أعرف هذا جميعه عن ابن العربي، بل لم اكن أعرف كثيراً أو قليلاً عن أئمة المتصوفين لأني وصلت إلى دراسة التصوف متأخراً. . . بل إني لم اكن أتذوق كما يجب أشعار ابن الفارض لأني لم أكن افطن إلى كل معانيها الصوفية.

وأذكر اليوم في شيء من الخزي أن كبيرة أديباتنا العربيات زارت منذ سنين ضريح ابن الفارض بالقاهرة بسفح المقطم، أو كما قال حفيده الشيخ علي في رثائه المعرف (بالقرافة تحت ذيل العارض) ثم كتبت عنه مقالاً كله إطراء وثناء؛ وكان أن لقيتها بعد ذلك بالإسكندرية حيث كانت تصطاف وقلت لها: إني لا أشاطرها إعجابها به. فأجابتني بأنه يجب أن أحاول فهم شعر ابن الفارض من الناحية الصوفية قبل أن أتحدث عنه كشاعر

ولعل هذا كان أول حافز لي لدرس الصوفية على قدر اجتهادي.

ولا شك أن لابن الفارض مكانة خاصة في شعرنا العربي لأنه يكاد يكون الوحيد الذي عالج شعر الصوفية على النحو الذي نحاه شعراء الفرس والترك الصوفيون المبتدعون أمثال العطار وجلال الدين الرومي وسعدي حافظ. ولا يدانيه في هذا الباب غير ابن العربي، وإن يكن قد قصر عنه. فابن الفارض إذن فارس هذه الحلبة في لغتنا العربية وبطلها الفرد، وقد قال فيه نيكلسون: (إن أشعار ابن الفارض غاية في اللطف). ولا أذكر الآن من قال في وصف ديوانه إنه (معجزة في عالم الأدب)

والصوفية في شعر ابن الفارض مراتب من حيث الوضوح والغموض. ولعل (خمريته) تحسب وسطاً بين شعره الغنائي الغزلي وبين (التائية الكبرى) المعروفة بنظم السلوك

وهل أروي لك للدلالة على تشعب معاني هذه القصيدة الأخيرة ما ذكروا من أن أحدهم قصد ابن الفارض يستأذنه في شرحها، فسأله عن مقدار الشرح، فقال: إنه سيقع في مجلدين. فضح الشاعر الصوفي وقال: (لو أردت لكتبت مجلدين تفسيراً لكل بيت فيها)

على أن المقريزي ذكر في ترجمة عمر بن الفارض أن محيي الدين ابن العربي بعث إليه في شرح التائية الكبرى فرد عليه الشاعر: (كتابك المسمى بالفتوحات شرح لها) إشارة إلى كتاب ابن العربي (الفتوحات المكية) الذي جمع فيه شتات العلوم الصوفية في خمسمائة وستين باباً

وبين ابن العربي وابن الفارض بعض الشبه. كانا متعاصرين فكلاهما من رجال القرن السابع للهجرة، أي القرن الثالث عشر للمسيح، فقد توفي ابن الفارض سنة 632هـ ـ (1235م) وتوفي ابن العربي سنة 638هـ ـ (1240م). وكان ابن الفارض يصاب بدورة إغماء وغيبوبة فإذا أفاق منها أملى أشعاره؛ وكان ابن العربي يعتقد أن ما يكتبه يتحول إليه بطريق الوحي في حالة الغيبوبة والمجاهدة. وكلاهما من أئمة الصوفية، ولكن بينما هي غامضة بعض الغموض عند ابن الفارض لأنه يرمز إليها في صور شعرية، نجدها واضحة عند ابن العربي لأنه يبحثها نثراً. وكان ابن الفارض ينظم غزلاً يرمز به إلى الله في غير حبيب مجهول، ويكثر فيه من أنواع البديع بينما نجد ابن العربي ينظم شعره من غير أن يتعمد أنواع البديع في فتاة مكية

أما من حيث المحسنات البديعية فلعل الفرق ناتج عن المحيط الذي نشأ فيه كل واحد من الشاعرين. فقد ولد ابن الفارض في القاهرة ونشأ في محيط شرقي فاكتسب شعره المميزات التي كانت بارزة في بيئته بين معاصريه. أما ابن العربي فقد ولد بمرسية (في 17 رمضان سنة 650هـ. أي 28 يوليو سنة 1165م.) ونشأ وتأدب في بلدان الأندلس بين أشبيلية وسبتة، وقد استقر في الأولى ما يقارب الثلاثين عاماً، ولم ينزح إلى المشرق إلا عندما شارف الأربعين سنة 598هـ (1201 - 1202) فأكتسب شعره مميزات مواطنيه، وكانوا أقل عناية بالمحسنات اللفظية من شعراء مصر والشام والعراق

أما معشوقته ففتاة مكية تسمى (نظاماً) وتعرف بلقب (عين الشمس). وكان والدها من علماء فارس الذين نزحوا من بلادهم وأقاموا في مكة. وكانت لما عرفها ابن العربي في الرابعة عشرة من عمرها على كثير من العلم والمعرفة، بليغة الخطابة، جيدة الكلام، بارعة الجمال. وقد لقيها أثناء إقامته بمكة عام 598 أي غب رحلته من بلاد الأندلس. ثم نأى عن مكة زمناً حتى إذا عاد إليها سنة 611 نظم فيها بعض القصائد فوصف جمالها الفتان وعلمها الواسع وذكر ما كان بينه وبينها من حب. ثم رأى بعد ذلك أن يتبع هذا الديوان الصغير بشرح صوفي

بعد بنا هذا جميعه عن ضريح ابن العربي وزيارته

وهنا يجب أن أذكر شيخنا التفتازاني رحمه الله. سألته مرة أين قبر ابن العربي؟ فقال بأسلوبه العذب الذي تذكره: كيف لا تعرف ضريح ابن العربي؟ وكيف تزور دمشق ولا تزوره؟ إنه فيها بعد (الجسر) وتصل إليه بخط ترام معروف باسمه (الشيخ محيي الدين). ألم تقرأ في الشعراني قوله: (وقبر ابن عربي في الشام، وقد بنيت عليه قبة عظيمة وتكية وفيها طعام وخيرات) قلت ولكني أعرف أنه توفي بدمشق ولكنه نقل إلى جبل قاسيون ودفن بسفحه. قال: وقاسيون هو الجبل المطل على دمشق والذي بنيت في سفحه في شكل مدرج المدينة الجديدة والحي الذي يعرفونه اليوم باسم المهاجرين

وكان أني زرت دمشق بعد ذلك ولآخر مرة في صيف سنة 1935، وأقمت فيها أياماً ضيفاً على أحد أقاربي، ولما كان يقيم بالصالحية، وهي في أول مرقى الجبل قبل المهاجرين، كنا نركب الترام في الغدو والرواح. وهناك خطان أحدهما يعرف باسم (المهاجرين)، والآخر باسم (الشيخ محيي الدين). والحق أني كنت نسيت ابن العربي ووصية الشيخ التفتزاني. وساقني الفضول مرة فسألت قريبي من يكون الشيخ محيي الدين هذا. فقال: انه عالم صوفي يعرف بابن العربي، وأن له ضريحاً ومسجداً في آخر خط الترام فدعوه باسمه. وهنا تذكرت الماضي وقلت: أجل يجب أن نزوره

وبعد ظهر ذلك اليوم أقلتنا عربة أخذت ترقى بنا الجبل حتى وصلنا إلى حيث المسجد بعد أن اجتزنا حياً وسوقاً تختلف أبنيتهما جدة وقدماً، وأكثرها قديم. وكان جماعة من الفقراء يزدحمون بباب المسجد؛ فإذا تجاوزت الباب استقبلك بهو واسع تتوسطه بركة ماء كبيرة، وفي آخر البهو إلى الشمال الضريح، وهي غرفة حسنة الاتساع طفت بها فإذا على حائطها كثير من الشعر المنقوش على رخام قائم في الحائط. وحاولت أن أقرأ بعض الشعر فوجدته باللغة التركية. وقبل أن أستطيع الإلمام ببقيته تقدم إلينا الشيخ وقال: قد أزفت صلاة العصر فهلما نصلي ثم تتابعان زيارتكما بعد ذلك

ولا أذكر الآن كيف تخلصت من الشيخ ودعوته إلى الصلاة، ولكني وجدت وقتئذ أننا في موقف حرج لأني أجهل ماذا يكون شعوره لو عرف أننا مسيحيان. وأشرت إلى صاحبي أن من الخير أن نغادر المكان على أن نعو في فرصة أخرى أكثر ملائمة من هذه، فخرجنا. ولم تتح لي فرصة أخرى للعودة

كانت العربة تهبط من الجبل، ونحن نستشرف تارة الحقول المنبسطة، وأخرى دمشق بقبابها اللامعة ومآذنها العالية تتخللها الأشجار الباسقة وتكتنفها الرياض والبساتين، ونستجلي هذا المنتشر في الأفق الحاني والطبيعة الساهمة والمدينة المنبسطة. وكنت لا أزال تحت تأثير زيارة الضريح أفكر في الأندلسي الذي طاف البلاد العربية فكان في كل مكان يحله كأنه بين أهله وإخوانه يتقرب إليه الناس ويجري عليه الحكام الأرزاق فيوزعها على الفقراء والمعوزين. أليس دينه الحب كما قال في أبياته التي ذكرها.

وهذا الجمال الذي نشرف عليه ونستجليه في هذه المناظر الخلابة، أليس من صنع الله، وما دام من صنعه فهل هو قائم فيه حقاً. وهل صحيح ما قاله ابن العربي (سبحان من خلق الأشياء وهو عينها) أو ما نظمه شعراً: يا خالق الأشياء في نفسه ... أنت لما تخلقه جامع

تخلق ما لا ينتهي كونه ... فيك فأنت الضيق الواسع

وذكرت هذه الفلسفة الشمولية التي نادى بها العربي والقائمة على مذهب وحدة الوجود. ولا عجب فقد كنت (مسافراً) على حد تعبير ابن العربي الذي قال إن (السفر) عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى. ولا شيء أدعى إلى هذا التوجه مثل التأمل بجمال الطبيعة.

وفهمت وقتئذ كيف شذ ابن العربي عن أشياع نظرية واحدة الوجود المادية فتوجه بها إلى عبادة الخالق والشعور بالافتقار إليه تعالى، وهي عبادة الضعيف للقوي والفقير للغني. وفهمت كيف انه بالرغم من شعوره الديني الإسلامي العميق قال بوحدة الأديان لأنها جميعاً تدعو إلى عبادة الواحد المتجلي في صورهم وصور جميع المعبودات

والحق أنني اليوم وأنا أكتب إليك بين جداران حجرتي أجد من الصعب أن أذكر كل هذه الخواطر التي مرت بذهني بينما كنت انحدر من جبل (قاسيون) إلى دمشق.

وبعد فإني أرجو ألا تجد في هذه الرسالة صورة كاملة لابن العربي، ولكنها خواطر جالت بفكري عندما أردت أن أنبهك إلى ضرورة زيارة ضريحه. وأنت تجد أني لم أحدثك عن حياته وآرائه ومؤلفاته وما قام حول مذهبه من جدل حمل بعضهم على رميه بالكفر وما كان من أثره بين أهل الشرق والغرب وخاصة ما وجده المستشرق الإسباني (ميجل اسين) من شبه بينه وبين (دانتي) فألف كتاباً قرر فيه أن الشاعر الإيطالي أخذ كثيراً عن المتصوف العربي وتأثر به في نظم قصيدته الخالدة (الكوميديا الإلهية) أو كما قال البحاثة الإنكليزي (ألفريد جيوم) إن ابن العربي كان من الذين (أخرجوا للناس النماذج المدهشة الأولى للكوميديا الإلهية)

على أنني لا أريد أن أختم رسالتي إليك قبل أن أروي لك قصة ذات دلالة كبيرة على طريقة هؤلاء الصوفيين ومنازعهم الفكرية والتأملية. فقد رووا أن ابن العربي اجتمع بالشهاب السهروردي فأطرق كل واحد منهما ساعة ثم افترقا من غير كلام. فقيل لابن العربي ما تقول في السهروردي؟ فقال: (مملوء سنة من قرنه إلى قدميه) وقيل للسهروردي ما تقول في الشيخ محيي الدين؟ فأجاب: (بحر حقائق) ولعلك تكون يا أخي أكثر توفيقاً مني عند زيارة ضريح ابن العربي وأعمق شعوراً بما يطوف بك من جمال.

(الإسكندرية)

صديق شيبوب