مجلة الرسالة/العدد 334/خطاب العرش من الوجهة الأدبية

مجلة الرسالة/العدد 334/خطاب العرش من الوجهة الأدبية

مجلة الرسالة - العدد 334 المؤلف زكي مبارك
خطاب العرش من الوجهة الأدبية
ملاحظات: بتاريخ: 27 - 11 - 1939


للدكتور زكي مبارك

أخي الأستاذ الزيات

أحب أن يتسع صدر (الرسالة) لموضوع لم يكتب فيه الباحثون من قبلُ: وهو نقد خطاب العرش من الوجهة الأدبية

وأسارع فأذكِّر القرّاء بأن هذا الموضوع لا يحتاج إلى تحفظ وإحتراس، لأن خطاب العرش ليس من إنشاء جلالة الملك، وإن كان يُلقى باسمه الكريم، وإنما هو إنشاء رئيس الوزراء، وهو الذي يحاسَب عليه أمام الشيوخ والنواب، بآية ما نشهد من تأليف اللجان البرلمانية للرد عليه، في حدود قد تصل أحياناً إلى الصرامة والعنف، وقد تعرِّض الوزارة إلى تعديل بعض النصوص أو تستقيل

ولعل هذا هو السرّ في أن جلالة الملك لا ُيلقى خطاب العرش بنفسه كما يصنع حين يتفضل بتوجيه الرأي والتحية إلى شعبه في فواتح الأعوام وفي المواسم والأعياد

وخطاب العرش في التاريخ الحديث يشبه العهود التي كانت تُكتب بأسماء الخلفاء في التاريخ القديم، ونحن نعرف أن كُتّاب (العهود) كانوا يُسألون عما يقع فيها من خطأ أو إسراف، لأنه كان مفهوماً أن الخلفاء لا يكتبون بأنفسهم تلك العهود، ولذلك تفاصيل يضيق عنها هذا المقال، وهي معروفة لجميع المطلّعين على تاريخ الحضارة الإسلامية

إن خطاب العرش من إنشاء رئيس الوزراء، ولكنه يُلقَى باسم جلالة الملك: فمن الواجب أن يكون صورة رائعة من الوثائق الأدبية التي تمثل عظمة مصر لهذا العهد، فهل كان كذلك؟

إن صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا من رجال مصر المعدودين، وهو في أنفُس خصومه أهلٌ للتبجيل، فمن حقنا عليه ونحن نؤمن بكفايته الذاتية أن نطمع في أن يمنح خطاب العرش عناية خاصة من الوجهة الأدبية ليكون في نَسَق مع مطامحهِ العالية في خدمة البلاد، وليكون في طراز مع الخطب الجيدة التي كان يلقيها يوم كان وزيراً للمعارف في سنة 1925

وقد يمكن الاعتذار عن خطاب العرش بأنهُ خلاصة لآراء تصل إلى الرياسة عن مختلف الوزارات، ولكن تنوُّع المصادر التي تؤلف خطاب العرش لا يُعفي الرئيس من إنشائه بطريقة مُحكَمة تضعه في الصف الأول بين الوثائق الأدبية التي يعتز بها العهد الجديد: عهد فاروق بن فؤاد

ولكن ما هي المآخذ التي توجَّه إلى خطاب العرش من الوجهة الأدبية؟

نلاحظ أولاً أن فيه عبارات لا تقال في وثيقة رسمية كالعبارة الآتية:

(قد آن لنا أن نعمل وأن نلبي داعي الوطنية والإيمان، داعي الرجولة والتضحية والكفاح)

لأن الحكومة الجديدة ليست أول من يعمل حتى يشهد لها بذلك، وإنما عملُها حلقةٌ من سلسلة كونتها الحكومات المصرية من قبل، وقد شهد رفعة الرئيس بأن فيمن سبقوه رجالاً كانت لهم وطنية وتضحية وإيمان

وكذلك نقرأ في خطاب العرش:

(وقد فطن جدي الأعلى محمد علي الكبير إلى الصلة المتينة التي تربط الجيش الوطني القومي بفروع الإصلاحات والإدارة العامة: فما كاد الجيش المصري يظهر في الوجود حتى ظهرت في البلاد إدارة منظمة ومصانع ومعامل ومدارس لا عداد لها)

وليس هناك شكّ في أن المغفور له محمد علي الكبير نهض بمصر نهضة عظيمة، ولكن لا يقال إن عهد محمد علي كان أول عهد لظهور الجيش المصري في الوجود، فإن معنى ذلك أن مصر لم تكن أمة قبل أن تعرف محمد علي الكبير. والرأي الصحيح أن مصر كانت أمة لها وجود أدبي واجتماعي وسياسي، فلما جاء محمد علي عملت يداه في تنظيم ما كان في مصر من قوة أدبية ومعنوية فكان لها المكان الذي عرفته الأمم في التاريخ الحديث. . . كان محمد علي الكبير تركيّاً، وكان يسرهُ بالطبع أن تكون لغة مصر هي التركية، ولكنه رأى بثاقب الفكر المبدع أن اللغة العربية من أقوى مظاهر القومية المصرية فساعد على تقوية اللغة العربية ليتأصل حبهُ في القلوب المصرية، ومن كان هذا حاله لا يقال إن عهده كان أول عهد لظهور الجيش المصري في الوجود

وفي خطاب العرش أن مصر لذلك العهد ظهرت فيها مصانع ومعامل ومدارس لا عداد لها، وجملة (لا عداد لها) جملة يراد بها التفخيم، ولكنها لا تُقبَل في وثيقة مثل خطاب العرش، لأن هذا مقام يفضَّل فيه القصد في الإغراق وماذا يريد الخطاب من العبارة الآتية:

(مصر مهد المدنية، وعلى يديها نهضت، ومنها خرجت وإليها تعود)

أيكون معنى ذلك أن المدنية خرجت من مصر إلى مَعاد؟

أيكون معناه أن المدنية يوم تعود إلى مصر ستفارق ما سواها من الممالك والشعوب؟

ويقول خطاب العرش:

(إن التفاتنا إلى الماضي لا يُنسينا الحاضر، والذكرى تبعث الذكرى)

فما معنى عبارة: (والذكرى تبعث الذكرى)؟ أيكون الحاضر أيضاً من الذكريات؟

ويقول خطاب العرش:

(ومما تطيب له النفس أن الأمة متعلقة بعرشها)

فهل يظن أن هذا مما يُنص عليه؟

إن تعلق الأمة بالعرش لا يحتاج إلى هذا النص، لأنه من البديهيات، ولأنه من موضوع الخطاب.

ويقول:

(كان لابدّ من السير بسفينة البلاد في يقظة وأمن وحذر)

فما موقع كلمة (الأمن) بين اليقظة والحذر؟ لعله كان يريد كلمة: (الإيمان) أو (العزيمة) أو (الثقة) ولم يسعفه التعبير بما يريد.

ويقول بعد أن أشار إلى وجوب العناية بإصلاح جميع المرافق:

(فلا يجدي والحالة هذه أن نعدد برامج الإصلاح في الوزارات القائمة).

فما معنى (الوزارات القائمة)؟ وبأي حق يكون تعدد برامج الإصلاح شيئاً (لا يُجدي)؟

إن خطاب العرش يريد أن يقول: إن المقام مقام إجمال لا مقام تفصيل؛ ثم ضاقت به العبارة عما يريد، فرأى تعديد برامج الإصلاح من الفضول!

ويقول في إعادة إنشاء المجلس الأعلى للتعليم: إن الغاية منه أن (تتحقق مصلحة البلاد العليا التي يجب أن تعلو على كل مصلحة أخرى).

فما موقع كلمة (كل مصلحة أخرى)؟ وما الموجب للنص عليها في هذا الخطاب؟

ويقول: (وإن حرصنا على الدفاع عن أرض البلاد واستقلالها لا يحده حد ولا يدركه وهن).

وعبارة (لا يدركه وهن) لا تخلو من وهن!

ويقول:

(إن تعاوننا مع حليفتنا سيكون أكبر رائد لنا في العمل)

ونحن حلفاء الإنجليز، ولكن لا ينبغي أن نقول إن ذلك التحالف أكبر رائد لنا في العمل، لأن لنا إرادة ذاتية هي رائدنا الأكبر في السلم والحرب

بقيت مسألة على جانب من الأهمية وهي سكوت خطاب العرش عن الحياة الأدبية في هذه البلاد

العمّال موضع اهتمام، والفلاحون موضع اهتمام، والجنود موضع اهتمام، كل شيء في مصر موضع اهتمام في خطاب العرش إلا الأدب والأدباء، فكيف جاز ذلك، أيها الناس؟

إن خطاب العرش يتمدّح بما وصلنا إليه في توثيق الروابط الأدبية والثقافية بيننا وبين الأمم الشرقية

فهل يذكر خطاب العرش أن أدباء مصر هم الذين رفعوا القواعد من تلك الروابط؟

وهل يرى الشرق مصر إلا في مرآة الآداب والفنون؟

إن الأدباء هم سفراء الثقافة المصرية في الشرق، فكيف يكثر على منشئ خطاب العرش أن يشير إليهم بكلمة تشجيع وهو يتحدث عن صلات مصر بأمم الشرق؟

إننا نعتب على رؤساء الحكومات المصرية أشد العَتْب، فلكل هيئة من الهيئات حظ من الرعاية والتشجيع، إلا جماعات الأدباء والباحثين الذين يُقذون أبصارهم تحت أضواء المصابيح، فهم المنسُّيون، مع أنهم يحملون أكثر الأعباء، ويؤدون للأمة وللدولة أعظم الخدمات، وبأعمالهم تظهر خصائص الشعوب

أين حظ الأدباء من ألقاب التشريف ودعوات التشريف في المواسم والأعياد؟ وأين الوزير الذي يقترح رتبة لموظف أو غير موظف باسم المواهب الأدبية؟ بل أين من يعرف أن أدباء مصر رفعوا اللغة العربية مكاناً عليّاً لم تعرف مثله في عهد بني أمية وعصر بني العباس؟

إننا نرفع هذا الصوت إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول راجين أن يضع سُنّةً جديدة في تشجيع الأدب والأدباء تضاف إلى مآثره الغُر في عهده السعيد

زكي مبارك