مجلة الرسالة/العدد 335/هاتف من الحرب. . .

مجلة الرسالة/العدد 335/هاتف من الحرب. . .

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 12 - 1939



للأستاذ محمود حسن إسماعيل

أَغَفى ربابُكَ لا شدْوٌ ولا طرَبُ ... وجفَّ حانُكَ لا كأس ولا عنبُ

وزَّفت الريح، هل زفَّ النشيد لها ... أم ظلَّ سأمان هذا اليأسُ التعِب

هذا الذي اهتزَّت الدنيا، وعازفُه ... ساهٍ على ضَّفة الأحلام مُكتئب

نَشوانُ يَمَرح في دُنيا محلِّقةٍ ... من الخيال ترامتْ دونها الشُّهُب

هزَّ الطموحُ جناحيْهِ وأَتعبَه ... أنَّ الطريقَ إلى الآفاقُ مضطرب

وأنَّ أيامَهُ من طول ما رَتَعَتْ ... بها النوائب أَدْمى فَجْرها العطب

تغدوا لجِراح مدِلاّت بشِقوَتها ... مادام فيها لأمجاد العُلا نَسَب

وجرْحه راعشُ الآهات تحسَبه ... هَشيمةً جُنَّ في تحريقها اللهب

ناشدْتُ لَوْعتَه السُّلوانَ فامتعضتْ ... كيف الهدوءُ وأنفاس الوَرَى تَجِب؟

والأرض موْقد أعمار قد اشتعلتْ ... في جمْره الناس لا الأعواد والحطب

كأنها رأسُ مجنونٍ قد احتدَمتْ ... به الهواجس واستشرى به الغضب

ترتجُّ في راحة الطاغي كجمجُمةٍ ... تحت القتام طوت أحلامها الكرَب

عَلا دُخانُ المنايا في سَماوَتِها ... فزُلزلتْ رَهبةً من هوْله السحب

وكُبكِب الناس للميدان لا فَرقَ ... من الحِمام، ولا خوْفٌ، ولا رَهَب

كأنما سئموا الدنيا وبَهجتَها ... فراحَ يُغريهمُ للفتكةِ الهرب

الأرضُ أُمُّ رءُومٌ ما جفت ولداً ... ولا تقطَّع مِنْ أرحامِها سَبب

تُقيتُ جائعَها حيّاً وتشرِبُهُ ... وما تضنُّ بسترِ الهالِكِ التُّرب

فَما لَهمْ مَزَّقوا أوْصالهَا طَمعاً ... وناهَشوا الوحشَ في الآطام واحْتربوا؟

ودوَّخوا كلَّ سَجواَء الظِّلالِ بِها ... وكلّ عَزلاََء فِيها السيفُ مُغترِب!

وكلَّ ناسكةِ الكفَّينِ في يدها ... غصنُ السلام يتيم العود مرتهِب!

وكلّ شلاََّء في الطُّغيان، باطِشةٌ ... في الخَير في يَدها الرَّيحانُ والفُضُب!

زيتونةُ السّلم خلوْها مُعفّرةً ... دمُ الضحايا عليها هاطلٌ سكِب

نوْحُ الليالي، وإعوال السنين على ... ترابها جَوْقةٌ خرسَاءُ تَ وللثَّكالَى نَشيجٌ ردّ حرْقَتهُ ... في كلِّ بيت تداعى مضجع خرِب

ولِلأجنةِ همسٌ حول مصرعها ... كأفرخ فَتَّ في أكبادها اللغب

قد أعْجلتهْا يدُ الُفتاك مولِدَها ... فَعمرُها قصة فوْق الثرى عَجب!

هزَّ الصَّباح لها مَهْداً، وأرضعَها ... قطرَ النَّدى، وكساها ضوؤهُ القشِب

وفي الضحى نشقتْ آجالَها. . . وغَدتْ ... عُمراً حديثُ الأسَى عن أمسِهِ كذب

ميْدانُ حربٍ هُنا!؟ أم تِلك مجزرةٌ ... دمُ الحضارةِ فِيها رَاحَ يَنْسكِبُ؟

في البر، في البحر، في صدر السماءِ وغى ... لمخْلب الوحش فيها النصر والغلب

أتتْ إلى غابهِ الأشْلاءُ صاغرةً ... فعافها وتجافى نَتْنها السّغب

يا حان (عِزريل) إن الكرْم قد نضجت ... به القطوفُ وحيَّا كأسهُ العنب

قمْ أتْرع الدَّنَّ. أوْ لا! فَهْي مترعةٌ ... فاحبسْ خُطاك، عداها الأيْنُ والتعب

وادعُ الندامى، وقل للظامئين: هنا ... نبعٌ من الموت بالأرواح يصطخب

هيَّا اشربوها على نخبِ الطُّغاةِ فهُمْ ... من خمرِها في ليالي الحرب كم شربوا. . .

وكم تنادَى ضُحًى بالسِّلم عاهلُهم ... فما دجى الليْل حتى راح ينقلب

وأرسل البغتةَ النَّكراَء صاعقةً ... تدِفُّ من نارها الأرزاءُ والنُّوَب

الناسُ منها أعاصيرٌ مُزمجِرةٌ ... يرتجُّ في يدها الفولاذ واللهب

والموتُ شاعرُ آجالٍ على فمه ... ينعى النشيدُ، ويَرثى نفسه القصب

قد جُنّ فارتجلَ الأعمارَ قافيةً ... مزمورُها من قلوب الناس منتهب

تُرى الحضارةُ ثكلى في مآتمهِ ... ودمعُها من جِراح العصر مُنسرب!

يا قَومَنا وتُرابُ (النيل) ضجّ بنا. . . ... أما كفانا عليْه اللهو واللعب!

أما كفانا كرىً في جنَّة سجدت ... لها العصور وأحنت رأسها الحِقب!

وجاسَ (هاروت) يوماً في ظلائلها ... فردّه سحرُها حيْرانَ يرتْعب

تَبكي الرُّقَى بين كفَّيهِ تمائِمها ... بكاَء راجي الأماني خانه الطَّلب

وكيف؟ والسحرُ في أعتابها رصَدٌ ... وحُسنُها بشعاع السحرُ منتقب

هذى المحاريب كم ريمت دفائِنها ... فأقسمت أرضها لن ترفع الحُجب!

قد ختَّمتْ سرَّها الأقدار فانع لها ... مَن راحَ مِن فمَها للسرِّ يرتقب وكم تحَّطمَ جَبّارٌ على يَدِها ... ودُكَّ باغٍ قوىُّ البطش مغتصب

شُطآنُها الخضر ألواحُ مقدَّسة ... تنزيلُها عَجَزتْ عن حمله الكتُب

سمراءُ، مسكيَّة الأغراس طاهرة ... وفيَّةٌ ما دَنتْ من عهدها الرِّيَب

كانت مصلَّى جبين الدهر في زمن ... ملَّتْ قرابينَه الأصنام والنُّصب

والناس من نَزَق الفوْضى وظُلمتها ... ماجوا من الجَهل كالقُطْعان واضطربوا

كلنا لهم قبساً (فرَعوْن) أشعلَه ... كيْما تضِئ به للعالَم الشُّهُب

لولا شعاع سرَى من مَهدنا لغدتْ ... أَجيالهم في ظلام الفكر تحتجب!

والنخل فيها كفرسان على كثَب ... ترنَّحَ النصرُ فيهم بعدما غلبوا

ترجَّلوا، وشأت أعلامُهمْ، ومضتْ ... رُءُوُسهْم بِفُروع الْغار تَعْتَصِب

إنْ هَزَّها الرِّيحُ خِلتَ الجيش صاح به ... منْ بوق (رمسيس) صوتٌ صاخبٌ لجب

وإن سجتْ قلتُ عباد قد ابتهلوا ... في مَعبد حفَّهُ الإجلال والرهب

والنيلُ جبار آبادٍ كم احتُضرت ... بشاطئيهِ سنونٌ واختفت حِقب

الأسيَوُّيون حجوا فوق صفحته ... وأُنسيتْ مَهدها في ظِّلهِ العرب

وأَقبلَ الغرب أَرسالاً متيَّمةً ... كأنما عُلِّقت في زرْعه الصُّلُب

أمواجه هتفت بالناس: مِن زَبدى ... ومن رَشاش هَديري ينبت الذهب

دعوا الغمامَ وشوْق الموَعدين به ... فلجَّتي من سُفوح الخلد تَنسكب

كلَّت بأرضي خُطا الأيام من سفر ... ما مسَّ خطْوي به يأسٌ ولا تعب

علا وقارُ الندى كفى فما افتخرتْ ... على النزِيلِ بما تعطِي وما تهب

تَّسَّيْت كل غريب أهله، فغدا ... من ذاقني مرّةً للنيل ينتسب!

يا شعبَ (مصر) وَعظْتُ اليوم فاستمعوا ... فإنني لكُم يوْمَ الفَخَارِ أَبُ!

خلقتُ من أرضِكم للشمس رابيةً ... عِطرُ الخلودِ بها رّيان منسكب

النورُ فوق مَجانيها وأغْصُنِها ... متيَّمٌ شَفَّهُ الإغرادُ والطرَب

وحاملُ الفأس يسقيها حُشاشته ... وحظه من جَناها البؤس والوَصب

من عهد آدم يَرعاها. . . وشِقْوتهُ ... دمعُ السواقي لها غضبان ينتحب

الأسمَرُ القانعُ المسكينُ تحسبهُ ... في الكوخ بينَ حماهُ والبلَى نسب مُرُّوا بهِ مِثلما مَرّ النعيمُ بكم ... فما لكم بِسوى أجدادهِ حسب!

وأنقذوا مِصر من خُلفٍ يكاد به ... جَنانُها من صراع القوم يَنشعِب

كونوا لها صفَّ أبطالٍ على فمهمْ ... نشيدُ مجدٍ بِلحنِ النار يَلتهب

فإن دعا هاتفٌ للحرب أو رجفتْ ... من بوقها نذُرٌ بالشرِّ تقترب

هُبُّوا حُتوفاً وطِيروا أنُسراً وثِبوا ... صواعقاً بالمنايا الحُمْرِ تصطخب

وفي دَمي النغَمُ الجبّارُ يلهمُكم ... شجواً تعانقَ فيه السِّحرُ واللهب

والشِّعرُ دُنيا مِنَ الإعجازِ ساكنةٌ ... لولا الأسى رقْرقَتْ أنغامَها الشهُبُ!