مجلة الرسالة/العدد 347/الأدب في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 347/الأدب في أسبوع

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 02 - 1940



الشعر والشعراء

أخشى أن يكون أهم أركان إحساس الشاعر بمعانيه إحساساً كاملاً نافذاً متغلغلاً، لا يدعُ للمنطق العقلي المجرد عملاً في تكوين شعوره. وليس معنى ذلك أن يتعرى الشعر من المنطق العقلي المجرد، بل معناه أن ينقلب المنطق العقلي - بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته - حاسةً دقيقة مدبرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتصريفه في وجوهه على هدىً لا يضل معه، فلا يشرد عن الغرض الذي يرمي إليه في التعبير عن الصور التي تنشأ لهذا الإحساس. وإذن فأكبر عمل المنطق العقلي في الشاعر - أن يُمِدَّ الإحساس، بما ليس له من الاستواء والاستقامة والسداد، وكذلك تتداعى إليه الألفاظ التي يريد التعبير بها مقترناً بعضها إلى بعض، بحيث لا تخرج هذه الألفاظ في الكلام حائرة قلقة، تجول في عبارتها من انقطاع الرباط الذي يربطها بالمعاني التي أحسها الشاعر، فهاجته فغلبته فأراد التعبير عنها تعبيراً صافياً مهتزاً متغلغلاً قوياً، فيه صفاء الإحساس واهتزازه وتغلغله وقوته

وأداة المنطق لعقلي هي اللغة، والعقل بغير اللغة لا يستطيع أن يستوي ويتسلسل ويتصل، ولا أن تتدفق معانيه في مجراها الطبيعي.

فالمنطق العقلي كما ترى هو خزانة اللغة التي تمول الإحساس، فهو يتقاضاها ما تستطيع أن تمده به من المادة التي تمكنه من الظهور والانتقال. فربما أخذ من اللغة ما هو (موصل رديء) للإحساس، وربما أخذ منها ما هو (موصل جيد) يستطيع أن يسرى فيه إلى قارئه أو سامعه. فإذا عرفت هذا أيقنت أن الشعر يتصل أول ما يتصل بإحساس قارئه وسامعه، فيهزه بقدر ما تحمل ألفاظه من إحساس قائله. فإذا أخفق أن يكون أثره كذلك، فمرجع هذا إلى أحد أمرين:

إما أن الشاعر لم يوفق إحساسه في الاستمداد من لغته - ما يطابق الإحساس ويكون (موصلاً جيداً) له؛ لأن منطقه العقلي لم ينبذ إليه من مادته ما هو حق المعاني التي يتطلبها إحساسه، هذه واحدة. أو لأن مادة هذا المنطق العقلي أفقر من إحساس الشاعر، فهي لا تملك عندها ما يكفي للتعبير عن إحساسه، فهذه أخرى. ولهذه العلة الأخيرة تجد كثيراً من عامة الناس ليسوا شعراء، ومع ذلك فربما كان أحدهم أدق إحساساً وأعمق وأعنف، ويكون إحساسه أحفل بالمعاني وأغنى، وإنما يقطعه عن الشعر هذه العلة، وهي فقر المنطق العقلي من اللغة التي هي مال له. أو انقطاع المنطق العقلي دون الوصول إلى المنطقة التي ينقلب فيها هذا المنطق - بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته - حاسة دقيقة مدبرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتسديده للغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن معاني الإحساس، كما قدمنا آنفاً

وأما الأمر الثاني - الذي يخفق بسببه الشعر في التأثير - فمرده إلى القارئ أو السامع. فإذا كان إحساس السامع أو القارئ ضعيفاً بليداً غثاً، فمهما يأته من شعر حافل قويٍ عنيف دقيق العبارة عن إحساس شاعره - فهو لديه شيءٌ فاترٌ ضعيفٌ لا يهزه ولا يبلغ منه ولا ينفذ فيه؛ وهذا الضرب من العامة الذين لا يتأثرون بالشعر لا يمتد بهم ولا ينظر إليهم، ولكن هناك ضرب آخر يكون بليغ الإحساس جيد التلقي، صالحاً للتأثر بما ينتقل إليه من هزة الإحساس فيهتز لها ويطرب، وقد يكون مع ذلك خلواً من اللغة التي يعبر بها الشعر، إذ ليس له منطق عقلي سامٍ متخير للكلام يختزن اللغة بنفسه إذا فكر، ولفهمه إذا حدث أو أنشد؛ فهو ربما سمع الشعر الجيد فلم يبلغ منه المبلغ الذي أريد له هذا الشعر، وكثر هؤلاء في عصرنا هذا حتى سقط الشعر ولم يحفل به إلا قليل؛ وهم لم يكونوا كذلك إلا لفساد التعليل وقلة احتفاله باللغة وبيانها وأسلوب مجازها، ولأن الجهلاء والسخفاء هم سواد الناس؛ وفساد الطبائع فيهم راجع إلى هذين: فمخالطة الجهالة تورث الجهالة والخبال، وترك التعلم وسوء التعليم ذريعةٌ مفضيةٌ إلى الجهل والبلادة، فكيف - مع هذين - يخلص أحدهم من فقر العقل وبلادة التأثر بالشعر البليغ الحافل بالإحساس المشبوب العنيف؟

فأنت ترى: أن اللغة المتخيرة المرصدة للتعبير عن الإحساس تعبيراً مسدداً بالمنطق العقلي الذي لا يزل على مدارج المجاز فتنقطع صلاته بحقائق المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ اللغوية. . .، ثم المنطق العقلي الذي يختزن هذه اللغة، ويستطيع أن يتحول حاسة دقيقة مدبرة تقوم على الإحساس وتحوطه من الضلال. . .، ثم المعاني التي يتمثلها إحساس الشاعر حين يهيجه ما يؤثر فيه تأثيراً قوياً عنيفاً - هذه الثلاثة هي، مادة الشعر الجيد، فإذا سقط أحدها أو انحط أو ضعف؛ سقط الشعر بسقوطه أو انحط أو ضعف وأنا أقول: إن أكثر شعر العصر العربي الحاضر قد انحط وضعف وسقط، لأن أكثر الشعراء قد بلغ منهم العيب مبلغاً أفسد كل ما يعتد به من آثار (الشاعرية) التي بقيت فيهم؛ ولم يخلص لأحد منهم جميع هذه الثلاثة التي ذكرنا. ولكن بقى لشاعرين أو ثلاثة ما يمكن أن يلحقهم بأهل المرتبة الأولى من الشعراء العبقريين؛ وهذه المرتبة الأولى إنما نتخيلها ولا نكاد نعرف أحداً استوى عليها، فملك فيها بيان العربية وشعرها يصرفهما كيف شاء، فيكون في تاريخ اللسان العربي عبقرية جديدة كامرئ القيس، ومسلم بن الوليد، والمتنبي، وأبي نواس، والبحتري، وأبي تمام، وغيرهم ممن يعد لساناً وحده. . .

شاعر!!

وأحد هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين سيدفعون أنفسهم في مجاز العربية حتى يبلغوا المرتبة الأولى - فيما نتوهم - هو (محمود حسن إسماعيل): فهو إنسان مرهف الحس دقيقه، متوهج النفس، سريع التلقي للمعاني التي يصورها له إحساسه، وإن إحساسه لينشئ له من هذه الصور والمعاني أكثر مما يستطيع أن يطيق صبره؛ وهو - إذ فقد الصبر على مطاولة هذه المعاني من إحساسه - تراه يثب وثباً من أول المعنى إلى آخره لا يترفق، كأن في إحساسه روح (قنبلة). فلذلك تجد المنطق العقلي في شعره متفجراً أبداً لا يبالي (أوقع على اللفظ من اللغة، أم وقع اللفظ عليه)، ولكنه على كل حال منطق يقظ حساس بعيد الوثبة، يحاول دائماً أن يضبط هذا الإحساس الذي لا يهدأ ولا يستقر. وسينتهي - بعد قليل من المصابرة والمرابطة لإحساس شاعره - إلى القدرة على متابعة إحساسه وكبحه وتزجيته على هدى واحد مؤتلف غير مختلف، وذلك حين يجتاز الشاعر السن التي هي علة التوقد الدائم والاهتزاز المتتابع تتابع البرق إذا خفق وومض وضرب بعضه بعضاً بسياط من الضوء في عوارض السحاب. . . وأما لغته، فقد ملك منها ما يكفيه بقدر حاجة بعض إحساسه، فإذا امتدت يده إلى خزائن العربية التي لا تنفد، وتداخل في أسرار حروفها بالمدارسة الطويلة، تآمرت - ثلاثتها - على تسنية الأبواب له واحداً بعد واحد، حتى يستطيع أن يستوي على سرارة المرتبة الأولى للشعر غير مدافع.

هذا. . . وإن في كثير من شعره الذي نشره إلى اليوم، ما يجعلني على ثقة - إن شاء الله - من أنه مدرك ذلك لا محالة، فهو قد استولى على كل ما هو به شاعر، ولا أظن ظن السوء بقدر الله أن يكون هو قاطعه دون المنهج الذي تعبد بين يديه، ولم يبق له إلا قليل حتى يبلغ الذروة العليا

قصيدة الزلزال

وقد قرأت قصيدته الأخيرة في (فاجعة تركيا) - كما سماها - ثم سمعتها، فوجدت لزاماً علي في هذا الباب أن أثبت بعض رأيي في الشعر والشاعر، ثم في (محمود حسن إسماعيل) خاصة، ثم في هذه القصيدة. وقبيح أن يجهل مريدو الشعر الجيد هذه القصيدة الفذة، التي تكشف عن السر المستكن وراء هذا الشاعر. وإذ قد عرضنا مرة لبعض الشعر الأسود المظلم، فلا بد إذن من أن نمحو آيته ببعض آيات الشعر المشرق المضيء

وقد كان (زلزال الأناضول) عذاباً من العذاب الأكبر بأهواله، حتى قالوا إنه أشد ما عرف من الزلازل وأخطرها وأفضعها موقعاً وأثراً، وقد كان ما تنشره الصحف اليومية من أخباره هولاً هائلاً مفزعاً يكاد يجعل الولدان شيباً. فلاشك إذن أن يكون هذا الرعب الراجف في إحساس شاعر فزعٍ (كمحمود) رجفةً يرعد بها رعدة طائرة مدوية مصلصلة مجلجلة

وأنت إذا بدأت القصيدة:

هات الشدائد للجريحةِ هاتها ... فالصبر في الأهوال دين أُساتها

واحشُد صروفك يا زمان فربما ... لهب العظائم شُب من نكباتها

ولعلها خمرٌ تدور فيستقي ... خمر الكفاح الشرق من كاساتها

رأيت الأمر والنداء، نداء الفزع الطامي بطغيان أمواجه على إحساس الشاعر، فلم يملك إلا إسلام نفسه إلى اليأس، فيستزيد من البلاء ويطلبه فيقول: (هات الشدائد) ثم يعود فيقول: (هاتها) ليثبت إيمانه بالصبر على هذا البلاء، فهو إيحاء؛ إذ قد يئس أن يصرف عن إحساسه ما طغى به عليه هول ما سمع من صفة الزلزال. ويدُّلك على أن هذا المطلع قطعة من اليأس، عودته إلى الشك في هذه الشدائد الموقدة بنارها ولهيبها، والتي زلزلت أمة من الناس فكانوا كما قال الله تعالى في صفة زلزلة الساعة: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد). فكذلك عاد الشاعر يشك بعد طغيان البلاء عليه - أن ينقلب كل ذلك الرعب الذي اضطرب به الناس سكراً يجري - هذا الشرق المغلوب - على الكفاح، في زمن يرمى من أهواله شدائد ترجف بالشرق رجفة كأشد ما رجفتْ زلزلة الأناضول، فلذلك قال: (ولعلها خمر. . .)

هي أمةٌ زلزلتَ جَنبَ مِهادها ... ونفختَ ريحَ الموت في جَنباتها

وهذا البيت يكاد يكون الحد الفاصل بين يأس الشاعر الذي طغى عليه حتى أنساه روح الزلزلة التي كانت في إحساسه، وهو نفسه الذي يردُّه مرة أخرى فزعاً ثائراً متوثباً تتقاذفه تهاويل إحساسه في رعب بعد رعب

شَوَّهتَ صَفحتها بمديةِ جازِرٍ ... الرحمة انتحرت بحدِّ شَباتِها

مجنونةُ الحدّيْن لو هي لوحتْ ... لانهد ركن الأرض من حركاتها

ذئبية الشهوات جاع حديدُها ... وأرق جوع الوحش في لهواتها

وهنا موضع يوقف عنده، فإن المعنى الذي أراده الشاعر، والصورة التي نشأت من شدة إحساسه بهول الزلزلة - طغت فلم يستطع المنطق أن يضبط اللغة على قياسها؛ فهو يريد أن يقول: إنه يرى هذه المدية الصقيلة الذئبية الجائعة المهلكة المجنونة فيرى على حديها وصفحتيها من فرندها وضوئها ومائها ما ينساب ويَّتريق ويتلألأ ويرمي بأضوائه كأنه ضوء جائع يريد أن يلتهم كل ما يلقاه، وذلك قوله: (وأراق جوع الوحش في لهواتها) فقوله: (وأراق) هنا لا توافق المعنى، وقد أوقعه عليها اختلاط (فرند المدية) - وهو ماؤها - بالمعنى الذي أراده، ولو قال: (يذكي سعار الوحش في لهواتها) أو ما يقارب ذلك لكان أجود

ثم يمضي الشاعر في تصوير ما تخيله - حين فجأت الزلزلة الأناضول -:

والناسُ غَرْقى في السكون سَجتْ بهم ... سِنَةٌ يَنامُ الهوْلُ في سَكناتِها

بَيناهُم فَوْق المهودِ عَوَالمٌ ... غشَّى ضبابُ الصمت كل جهاتها

وإذا بقلبِ الأرضِ يرجفُ رجفةً: ... دُكَّ الصباحُ وذابَ في خفقاتِها

وانشّقت الدُّنيا لديه فلم يَجِدْ ... أرضاً يغيثُ النورَ في ربواتِها

فَطوَى المدائن والقرَى وَهوَى بها ... في سدْفَة تهوِي على ظلماتِها

وبنى اللحودَ على المهودِ وهدَّها ... فنضا ستورَ الموت عن عَوراتها

زأرت جراحُ الأرضِ فاهتاجَ الردى ... وتنهد الزلزال في ساحاتها وإذا الذي أتى به في وصف الزلزلة إلى آخر القصيدة شيء هائل مخيف تقشعر له الأبدان، وتراه متدفقاً طاغياً لا تكاد تقف على كلمة منه إلا مرتاعاً قد قَّف شعرك عن هول ما تنقل إليك ألفاظه من معاني إحساسه الثائر المتفجر

أنفاسه لهبُ الجحيمِ وخطوه ... خطو المنايا السود في فجآتها

إلى بعض القراء

. . . وبعد، فإن العالم الثقة الثبت المحقق الدكتور بشر فارس قد علم فعلَّم!! وأنا أشكر له ما علمني، فأنا لا أحب أن أكون كالذي قيل في أمره: (لا تناظر جاهلاً ولا لجوجاً، فإنهم يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلم بغير شكر). ثم بصرني (بشر) أيضاً بما كنت أجهل من العروض واللغة والبيان، فأوغر صدري، فنثرت حول قهري ما ملكت من نفاية الكلام، وكذلك طوقت نفسي به زينة وحلية أتبرج بها للناس، أو كما قال! وهو كذلك. . .

فأنا أحمد الله الذي كفاني شر الغرور والخيلاء، ولم يجعلني كالجاهلة الخرقاء التي زعموها تأنقت بما ليس فيها، ولا هو من طباعها، حتى ضربوا بها المثل فقالوا: (خرقاء ذات نيقة) والحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتزين بما ليس تملكه يداه، فقد قال رسول الله (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)؛ والحمد لله الذي جعلني جاهلاً يعرف أنه جاهل، ومن أين لمثلي العلم؟ أليس قد (ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوء) كما قال أبن شبرمة في رواية بشر فارس عن أبن شبرمة: (بريد (الرسالة) العدد 346).

وقد قرر الأستاذ بشر أنه بصرني بأمور ثلاثة، وأني سلمت مرغماً بصرني بما كنت أجهل من أمرها!! وإذا قرر الأستاذ بشر فقد وجب عليَّ وعلى الناس التسليم بما قرر؛ أليس ذلك كذلك؟ بلى، (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)

ومع ذلك، فمن غلبة الجهل علينا أن البحر الذي وضعه وسماه (المنطلق)، لا يزال عندنا وعند أصحابنا من علماء العروض - هو من (مجزوءة المتدارك) أدخل الشاعر الأستاذ على ضربها العرج أو الفساد أو الخبن أو ما شئت فسمِّه، ثم ألزمها ذلك في سائر أبياته، ثم قال إنه وضع بحراً. ومن غلبة جهلنا أيضاً أننا نعده وزناً ثقيلاً غثاً كسائر الأوزان الممكنة التي تركتها العرب لثقلها على السمع، فلم تجزها في شعرها؛ ومن غلبة جهلنا أيضاً أننا لا نزال ندعي أن لن يوجد في أصحاب الألسنة العربية من الشعراء المجيدين من يتابع النظم على هذا الوزن الجافي من (مجزوءة المتدارك)، وكذلك أهملناه وسنهمله

وأما حديث (الزلزلة)، فلا نزال نقول إن كل حرف من حروف العربية ينقل إلى المجاز، فهو يتطلب دائماً حقيقته، وإلا فسد مجازه. فإذا كان أصل الحرف (زلزل) وحقيقته: أن يزلَّ الشيء عن مكانه مرة بعد مرة، أي أن ينتقل ويتحرك ويسقط ويخرج عن الموضع الذي يستقر عليه، فلابد في كل مجاز لهذا الحرف أن يكون ما يقع عليه فعل الزلزلة - (أي نائب الفاعل أو المفعول) - شيئاً منتقلاً من مكان إلى مكان أو شيئاً يجوز أن ينتقل من مكان إلى مكان، فهذا هو شرط المجاز أو الاستعارة في هذا وأمثاله، وإذ ليست الأذن كذلك، فقولك (زلزل الطرب أذني) مجاز فاسد لأن الأذن ثابتة لا تتحرك

وإذا قال كتاب (خلاصة الطبيعة، في الصوت!!) في باب (شرح عمل الأذن) إن الصوت يهز غشاء طبلة الأذن حين تصكها الأمواج الهوائية التي يحدثها مصدر الصوت، فليس معنى (يهز الغشاء) هنا أنه ينقله من مكان إلى مكان آخر، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غشاء طبلة الأذن مثبتاً لا يتحرك أي لا ينتقل من مكانه، وإنما هو اهتزاز يلحقه، فليس في الدنيا (ناي) أو غيره يستطيع أن يجعله يتحرك أي ينتقل من مكانه، ولو كان في قلب هذا (الناي) عشرون فرقة من فرق (الجازَبند). . . ولو كان ذلك فتحرك الغشاء قليلاً عن مكانه لتمزق وانخرق، وكان الصمم. وإذن فليس يجوز في العربية أن يقال (زلزل الطرب أو الناي غشاء طبلة أذني)! وإلا فهو مجازٌ فاسد أيضاً

وأما ما يقال من أن الزلزلة والطرب على مجاورة في لغتنا!! فهو شيء لا أصل له، وهي عبارة لا تؤدي إلى معنى، وهو كلام (يدخل بعد العِشاءِ في العرب)

وأخيراً. . .، فمن عظة نبينا قوله: (من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار). ونحن نعوذ بالله أن نخالف عن أمر نبينا، أو نكون ممن يستخف بما أنذر به، فنباهي الأستاذ بشر بما نعلم، وإذن فلست أجعل حديثي هذا إلا للقراء وحدهم لأضع به عن نفسي أمانة العلم. . .

حتى إذا ما الصباح لاح لهم ... بيَّن ستُّوقهم من الذهب

والناس قد أصبحوا صيارفة ... أعلم شيء بزائف النسب فأستأذن القراء وأستغفرهم، فأنا امرؤ لا يحب أن ينصب نفسه لمن هو عند نفسه أكبر من نفسه والسلام

ابن شبرمة!!

ومادمنا في حديث أمانة العلم، فقد رأيت أن الأستاذ المحقق (بشر فارس) روى خبراً عن ابن شبرمة القاضي قدمناه آنفاً وهو: (ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوءٍ). وقد رأيت صاحب العقد الفريد (ج 1 ص 205 طبعة بولاق أيضاَ!) قد أورده بهذا النص عينه، وهو يبدو لنا نصاً عربياً مظلم النور

وتحرير رواية الخبر: (ذهب العلم إلا غبراتٍ في أوعية سوء) بضم الغين المعجمة وفتح الباء المشددة. والغبرات جمع غبَّر، وهو آخر الشيء وعقابيله وما يبقى منه. يريد ابن شبرمة: أن العلم لم يبق منه إلا قليل قد وقع في صدور رجال من الفخار والخزف لا تضيء ولا تقبل الضوء

وقد ورد هذا الحرف (غبرات) في حديث عمرو بن العاص يقول لعمر بن الخطاب: (إني والله ما تأبِّطتني الإماءُ، ولا حملتني البغايا في غبَّرات المآلي). والمآلي خرق للنساء يكون فيها الدم، وغبَّراتها بقايا الدم. ومن ذلك أيضاً قول أبي كبير الهُذلي يصف ابن زوجته تأبط شرّاً الشاعر الفاتك:

حَملتْ بِهِ في ليلةٍ مَزْؤودةٍ ... كرْهاً وعقدُ نِطاقِها لم يحللِ

فأتتْ بِهِ حوشِ الفؤاد مبطناً ... سُهداً إذا ما نام ليل الهوْجل

ومبرَّأ من كل (غُبّر حيضة) ... وفساد مرضعة، وداءُ مغْيل

فهذا تحقيق رواية الخبر على التحرير والدراية، فمن كانت عنده نسخة من (العقد الفريد طبعة بولاق!) فليصححه

محمود محمد شاكر