مجلة الرسالة/العدد 35/أطل من حرم الرؤيا فعزاني

مجلة الرسالة/العدد 35/أطلَّ من حرم الرؤيا فعزاني

مجلة الرسالة - العدد 35
أطلَّ من حرم الرؤيا فعزاني
ملاحظات: بتاريخ: 05 - 03 - 1934



مهداة إلى روح الدكتور أديب مظهر

للشاعر اللبناني بدوي الجبل

منازل الخلد لا أرباع لبنان ... وفتنة السحر لا آيات فنان

جنان لبنان حسبي منك وارفة ... فيها النديان من روح وريحان

شب النبيون في أفيائها وحبت ... فيها خيالات إنجيل وقرآن

يغفو بها الفجر في أحضان مورقة ... مديدة الظل سكرى الآس والبان

سقته من خمرها قبل الكرى عللا ... فبعض أحلامه أحلام سكران

ودغدغته فللاغصان هينمة ... كأنها بث غيران لغيران

وما تنبه حتى راعه وهج ... والشمس حلى ربى خضر وأفنان

صحبت فيك شبابي والهوى ومنى ... لعس الشفاء وظلا غير ضحيان

فأسبغى نعمة النسيان تغمرني ... عسى يخفف من بلواى نسياني

أمسيت لا الصغر المعسول أسعدني ... ولا الجنون جنون الحب واتاني

ألح بي السقم حتى لا يفارقني ... وراح ينسج قبل الشيب أكفاني

عفىَّ على نزوات النفس جامحة ... إلا اهتزاز خليع الحسن نشوان

وصبوة للعيون النجل هانئة ... من الشباب بظل العاطف الحاني

يثير بي كل حسن فتنة وهوى ... فما أمر بماء غير صديان

ويا ربى الحسن في لبنان هل عريت ... مخضلة الدوح من ظل وأغصان

ومن لباناتى السكرى مصرعة ... من الوانى بين أفياء وأفنان

ويا ربى الحسن هل من نفحة جميلة ... شذا النهود لصادى القلب حران

وهل صباك نموم العطر ناقلة ... بعدي أحاديث أذيال وأردان

ويا ربى الحسن في لبنان هل ثملت ... بعدي الرياحين من صهباء نيسان

ويا ربى الحسن في لبنان ما انبسطت ... يمنى الهجير على أفياء لبنان

مدى ظلالك يينعم في غلائلها ... صرعى الردى من أحبائي وإخواني

النائمين بظل الأرز ينشدهم ... رواية الدهر في نعمى س أما البلابل فلتؤنس قبورهم ... من كل ثاكلة في الدوح مرنان

أعيذ بالحب والذكرى هوى نفر ... بيض الوجوه من النعماء غران

قد صور الوحي ألوان النعيم على ... مثال ما فيك من حسن وألوان

خيال ولدانه والحور منبعث ... عن فيض سحرك في حور وولدان

وزاد فيها خلودا ما عنيت به ... أشهى الأماني في حكم النهى الغاني

لا يعذب الوصل إلا أن يخامره ... خوف المحبين من نأى وهجران

ولا هناء بنعمى لا تخاف لها ... فقدا ولا تبتلى منها بحرمان

لو يعلمون هنات النفس ما خلعوا ... قدس الخلود على نعمى وأحزان

فالنفس موحشة من رغبة وهوى ... نعمى الجنان وبؤسى النار سيان

وأصبح الكون لغوا لا حياة به ... من رغبة في مجاليه وغنيان

ما للخلود وما للحسن يزعمه ... هيهات عرى من حسن وإتقان

يضفى الجمال علىالايام مقتدرا ... من (التحول) ذو عز وسلطان

عنى له الكون مأخوذا بفتنته ... من أنجم ومكانات وأزمان

وعاطفات وأرواح وأخيلة ... تغزو الوجود وآراء وأديان

وربما فقهت من أمره عجبا ... قبل الهداة عصا موسى بن عمران

كفرت بالروح بعد الريب آونة ... وكان زلفى إلى نجواه كفرانى

ورحت أعبده بالحان مجتليا ... آيات قدرته في خمرة الحان

وقرب القوم ما شاءوا لمذبحه ... فما تقبل منهم غير قربانى

أعلنت حين أسروا أمرهم فرقا ... يا بعد ما بين إسرار وإعلان

إن الخلود وما تروى مزاعمهم ... عن السعادة في الفخري نقيضان

ان الفراديس في سر الخلود غدت ... وكل أو إليها رازح وان

مل المقيمون فيها من هناءتهم ... كما يمل السقام المدنف العانى

تمضي العصور عليهم وهي واحدة ... أليوم كالأمس فيها ضاحك هاني

تزجى السآمة تفكيراً وعاطفة ... إلى عقول وأهواء ووجدان

لا يرقبون جديدا في خلودهم ... لرث من قدم العهد الجديدان ولا يحبون لكن تلك طائفة ... من ماجنات خليعات ومجان

ولا يناجون في أحلامهم أملا ... محببا بين إنكار وايقان

ولا يحسون لا حزنا ولا جذلا ... فالقوم ما بين مشدوه وسهوان

يا شقوة النفس تخلو بعد أن عمرت ... من حسرة ولبانات وأضغان

وضيعة القلب لا تأوي إليه منى ... كالنحل تاخذ من روض وبستان

من كل من أبلت الأدهار جدته ... فما يحركه إحماض رضوان

ينادم الحور لكن غير مغتبط ... ويشرب الراح لكن غير ظمآن

لود في كل ما تجريه من عسل ... ومن خمور ومن در وعقيان

هنيهة من شقاء يطمئن بها ... إلى مناجاة آلام واشجان

إذا تذكر دنياه هفا ولعا ... إلى حبيب وصهباء وندمان

وراح يبحث في المجهول عن أمل ... وعن شفاء وعن أهل وخلان

لعل بين زوايا النفس قد تركت ... ثمالة من حبابات وتحنان

أما الغواني فصخر لا يحركها ... نجوى محب ولا تدليل ولهان

لا تعرف الحب إلا محض تلبية ... لعابرين من الأبرار فتيان

ولا تجن إلى روح وعاطفة ... فالحب في ملكوت الخلد جثماني

خبا لهيب المنى في روحها فغدت ... وحسنها في حلاه حسن أوثان

حتى الخلود عليها فهي شاكية ... إلى الأنوثة ذاك الخائن الجانيي

وللخلود على أهل الجحيم يد ... تجزي على الدهر إحسانا بإحسان

الكافرون لطول العهد قد ألفوا ... بقاعها نضج أرواح وأبدان

وقد تزف بها - والحفل محتشد ... سجينة من ضحاياها للسجان

فأصبحت وهي من ماء ومن مدر ... شيطانة تتصبى كل شيطان

وربما صحبوا فيها زبانية ... بعد القلى - إلف أخدان لأخدان -

لا يأملون ولا تشكو جسومهم ... من اللظى فهي نيران بنيران

مليحة الدل من غسان لا بليت ... شمائل الصيد من أقيال غسان

أتأذنين بإنشاد فما جليت ... إلا لحسنك أشعاري وأوزاني طوفت في هذه الدنيا على مهل ... طواف أشعث ماضي العزم يقظان

تظلني مصر أحيانا وآونة ... أعاقر الكأس في جنات بغدان

وقد صحبت شعوب الأرض من عرب ... شم الأنوف إلى روم وكلدان

مفتشا عن (عزاء النفس) لالعبى ... أدى إليه ولا حلمى وعرفانى

مسائلا عنه حتى قد عييت به ... ارث الفلاسف من هند ويونان

فما رأيت له عينا ولا أثراً ... ولا أفاد طوافي غير خذلانى

اذا ندبت جهودي وهي ضائعة ... أطل من حرم الرؤيا فعزانى

ثم انثنيت وركبي جد متئد ... من الونى ورفيقي جد حيران

والبيد أوسع من صدر الحليم مدى ... وللسراب بها آلاف غدران

ظمأى حيارى خلف الركب طائفة ... حمر اللواحظ من أسد وذئبان

فأيقن القوم بالجلى وقد صمتوا ... لهيبة الموت وهو المقبل الدانى

حتى إذا اليأس لم تترك مرارته ... إلا بقية صبر غير خزيان

لاحت خيامك بالصحراء مؤنقة ... أبهى وأزين من عرش وايوان

فكبر الركب مرتاحا إلى أمل ... عذب المجاجة حالى الوشى ريان

مبادراً للظلال الخضر قد كسبت ... نثير ورد ونمام وسوسان

فما فتحت جفوني وهي دامية ... من الرمال. أعان الله أجفاني

حتى لمحتك خلف السجف ضاحكة ... إلى جوار وحجاب وغلمان

فقرت النفس لا شكوى ولا تعب ... ولا لجاجة إيمان ونكران

وأبصرت بعد طول البحث غايتها ... فأذعنت لهدأها أي إذعان

فقبلت شفة حمراء دامية ... واهتز من نشوات اللثم نهدان

سر السعادة في الدنيا وإن خفيت ... تجلوه منك على الأكوان عينان

آمنت بالحب ما شاءت عذوبته ... آمنت بالحب. فهو الهادم الباني

بدوي الجبل

السائلة الحسناء قربت حسناء مني ودنت ... وهي في ثوب من الأسمال بال

لمحتني عينها عن كثب ... فأتت تطمع مني في النوال

سألتني درهما في ذلة ... قلت صوني الحسن عن هذا السؤال

بسؤال الناس قد أرخصته ... إن هذا الحسن - لو تدرين - غال

لم أكد أنطق حتى أطرقت ... وجرى في خدها الدمع وسال

ثم قالت وهي ترنو في أسى ... أيها اللائم أشفق في المقال

يعلم الله باني صنته ... لم أفرط أبدا فيه بحال

صنته جهدي وما أرخصته ... إنما قد أرخص الفقر الجمال

محمد برهام