مجلة الرسالة/العدد 35/زمزم. . .

مجلة الرسالة/العدد 35/زمزم. . .

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 03 - 1934


كان المصري إذا ذكر بالأمس زمزم ذكر البيت الذي تتهافت على ضوئه أمانيه وأحلامه، والنبع الذي تسكن على برده (لواعجه) وآلامه. أما اليوم فبذكره فيجد في نفسه بجانب شعوره الديني اللطيف شعوراً آخر له كذلك لطفه وقداسته: ذلك هو شعوره الوطني بالمستقبل المشرق والكرامة العزيزة والحياة المستقبلية (لأن زمزم لم يعد في ذهنه مقصور الدلالة على البئر المقدسة، وإنما أصبح يدل أيضاً على الحجر الأساسي لمجده البحري، والمظهر الحقيقي لوجوده الدولي، والسفينة الأولى من أسطوله المدني الأول (

والأسطول المصري كلمة نسيتها مصر منذ أودت بأسطولها الدول الغوادر في أمواه (نافازين)، فشواطئ رمسيس وكليوبطرة،

وزمزم. . .

كان المصري إذا ذكر بالأمس زمزم ذكر البيت الذي تتهافت على ضوئه أمانيه وأحلامه، والنبع الذي تسكن على برده (لواعجه) وآلامه. أما اليوم فبذكره فيجد في نفسه بجانب شعوره الديني اللطيف شعوراً آخر له كذلك لطفه وقداسته: ذلك هو شعوره الوطني بالمستقبل المشرق والكرامة العزيزة والحياة المستقبلية (لأن زمزم لم يعد في ذهنه مقصور الدلالة على البئر المقدسة، وإنما أصبح يدل أيضاً على الحجر الأساسي لمجده البحري، والمظهر الحقيقي لوجوده الدولي، والسفينة الأولى من أسطوله المدني الأول (

والأسطول المصري كلمة نسيتها مصر منذ أودت بأسطولها الدول الغوادر في أمواه (نافازين)، فشواطئ رمسيس وكليوبطرة، ومواني المعز وصلاح الدين، ظلت بعد إبراهيم حمى مباحا للسفائن الأجنبية، ترسى عليها بالذل والقهر، أو بالغلاء والفقر، أو بالسم والرذيلة (ثم لا تجد بين حنايا المرفأ الرءوم باخرة مصرية واحدة تشعرها ذل الغربة، وتذكرها واجب الدِّخالة، فكانت مياهنا كما كانت أرضونا مرتعا غريض الكلأ تخور فيه السوائم الغريبة خُوار الكفر والبذاء، لا خوار الشكر والثناء، ونحن أصحاب البلد لا تجد في هذا الطغيان سيادة المالك، ولا عزة الوطني ولا سلطان الدولة (

فلما تكشفت جهودنا القومية المنتجة عن بنك مصر، صمد هذا الناشئ الجبار بحزم الكهول وعزم الشباب إلى الميادين المالية الأجنبية فاقتحم حصونها المنيعة، وسرى في هيكل هذا البلد العليل الواهن سريان البرء، يحرك كل عضو من أعضائه بشركة من شركاته: فصاول في حي المال بنوك الدول، وطاول في (ألماظة) مطار الإنجليز، ونازل في (المحلة) مناسج (لنكشير)، وزاحم في كل سوق نتائج كل شعب (ومشت أعراض السلامة من الصدر إلى الثغر، فقامت شركة مصر للملاحة تعيد سلطاننا على البحر، وتعلن استقلالنا إلى الخارج، فأنشأت (زمزم) وأخواتها الثلاث على أحكم ما يقول الإنشاء، وأضحك ما يمكن الابتداء، وأفخم ما يكون التأثيل

وكان الأسبوع الماضي (مظاهرة كبرى) للاستقلال الأكبر ((

نزل طلعت حرب وصحبه العاملون يغزون الماء، بعد ما غزوا الأرض والسماء، فخفقت الأعلام الخضر على سواري زمزم، وتهللت الجباه الغر على سواحل مصر، وشعرت المواني الثلاثة المحتلةأن في أحضانها اليوم وليدا من أهلها صريح النسب، تضطرم في أحنائه رجايا الشعب، وتسفر على وجه مخايل الأمل، وتبسم في طريقه مضاحك الفوز (

واختلفت الظنون الفواجر على خواطر السفن الغربية فتساءلت: إلا يكون هذا المشروع الجديد كألف مشروع قديم لمعت كلمع الشرار ثم خبت سراعا إلى الأبد؟ إلا تكون زمزم هذه التي تختال على الماء في صلف وكبرياء، نواة من النوى للعجُف لا يرسخ لها أصل، ولا يسمق لها فرع؟ أيستطيع الأسطول المدني المزعوم أن يجوب مسارب البحار وليس من ورائه أسطول حربي يرصد طريقه ويمنع جانبه؟

وكانت هذه الأسئلة المتشائمة تَرْفَضُّ صاغرة خجلى عن جوانب الباشا وهو على ظهر زمزم في عبوسه الرهيب وسكونه المهيب ونظرته النافذة، يحيل المتسائل المتشكك على الماضي المجيب والواقع المقنْع فيرى الفَلك الداوي الذي يديره برأيه، ويسيره بيده، شمسه بنك مصر، وتوابعها شركاته الميمونة.

وهنالك الجواب الذي يُبكم الحاسد، ويفحم الشامت، ويقوم حجة بتراء على رشد النهضة الاقتصادية في مصر

إن شركات بنك مصر هي وحدها الجانب الجدِّي في حياتنا الهازلة، تقوم على الحاجة الداعية، والكفاية الفنية. والإرادة القوية، والإدارة الحازمة، والغاية النزيهة، والإيمان الصادق، والخير العام. وهذه الأساس الثوابت أكثر مما يلزم لقيام العمل، فكيف يقع في البال أن يتحكك بها الفشل، أو ينال منها الكيد، أو تطير في جنباتها الشبُّهَ؟

إن أرجل الجنود الإنجليزية جعلت ثكناتنا أجنبية، ولكن رءوس الأموال الأوربية جعلت مصرنا غير مصرية، وإن أساطيل بنك مصر الآلية والهوائية والبحرية هي التي سترد مصر إلى أهلها من غير حرب ولا عنف ولا خصومة

لقد كانت الوحدة الأولى من أسطول الشعب هي زمزم، وكانت الوجهة الأولى لزمزم هي جُدَّة، وكان أمس الأول موعد إبحارها من السويس بالحجيج الأول! فليت شعري أي نوع من الشعور يشيع في نفس المصري المسافر على زمزم حين يرى قطعة من أرض مصر تسير به على الماء حتى شاطئ جدة، يعلن المؤذن فوق منارتها كلمة الله، وينشر العَلَم فوق ساريتها مجد الوطن، ويجد المصري على ظهرها قومه ولغته ودينه وكرامته وراحته وأنسه! ذلك شعور لا يتصوره ولا يصوره إلا شاعر كتبت له السعادة أن يتذوقه!! فلعل في الحجيج من يسعفه الإلهام فينفح قومه وأود به بهذه النفحة السماوية، تمجيداً لأول نهضة مصرية زكت في الأرض، وأول باخرة مصرية جرت في البحر، وأول حِجة (مصرية) صعدت إلى السماء!

احمد حسن الزيات