مجلة الرسالة/العدد 353/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 353/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 08 - 04 - 1940



إلى عميد كلية الآداب

إليك - وقد أمسيت عميداً لكّليتنا الغالية - أوجَّه السؤال الأتي بأدب ورفقك

سمعتك عن طريق المذياع وسمعك معي ألف وملايين، سمعتك تقول:

(نحن لا نعرف كيف نقضي أوقاتِ فراغنا)

بنصب كلمة (أوقات) بالكسرة، كأنك تظنها جمع مؤنث سالماً، وكان المفهوم عندي منذ أعوام طوال أن (أوقات) جمع تكسير لا جمع تصحيح

وقد نظرتُ في أصل كلمة (وقت) مرة ومرتين ومرات بعد إذ رأيتك تنصب (أوقات) بالكسرة نيابةً عن الفتحة فلم يصح عندي أن على حق، مع الاعتراف بأن الخطأ لا يجوز على مثلك في مثل هذه الشئون!

فهل لك أن تتفضل فترشدني إلى الصواب، ولك من الله الأجر والثواب؟

أما إذا اعترفت بأن الحق معي لا معك في إعراب كلمة (أوقات) فسيكون ذلك فرصة للتوبة مما أسرفتُ في محاسبتك بالمقالات التي جاوزت العشرين، إن كان الجهر بقول الحق يستوجب المتاب

وتفضل - يا حضرة العميد - بقبول التحية من الصديق القديم

زكي مبارك

السفاح أم المهدي ولقب أبي جعفر وابنه محمد

قرأت في الرسالة المحبوبة ما دبجته براعة الأساتذة الكرام حول لقب السفاح في عددها 346 و349 وكان لكل من حضراتهم رأى قد استصوبه فيما ارتآه. إلا أنهم ومن كتب حول لقب السفاح والمنصور حتى المستشرقين ومن أخذ عنهم ما اهتدوا إلى المصادر التي فيها ما يبتغون. وأما أنا وأعوذ باله من قول (أنا) ما زلت أستقصي منذ أكثر من عشر سنوات ولا زلت بقصد تأليف كتيب قد أسميه (الثورة العباسية) وقد توصلت في مبحثي إلى ما جعلني أطمئن بصحته، وبه أرجو أن أكون قد اهتديت إلى معرفة اللقب الذي طالت المناقشة حوله. كما أنني لا ادعي أنني قد أصبت الهدف المقصود، وإنما كلي أمل في أن أرشد إلى ما فاتني وخفيّ عليَّ، فأعرض ما يأتي:

1 - إن المسعودي لقب أبا العباس بالسفاح في مروج الذهب ثم يعود فيذكر في كتاب التنبيه والإشراف الذي ألفه بعد كتاب المروج وهو مختصره وبه استدرك ما فاته ذكره في كتاب المروج. ومما رواه في التنبيه والإشراف عن لقب أبي العباس أنه (قد كان لقب أولاً بالمهدي ص290) فنفهم من هذه الرواية أن أبا العباس لقب بالسفاح أخيراً وقد غلب على لقبه الأول وهو (المهدي) ومما يؤيد هذه الرواية التي لا مرية فيها بيت من قصيدة لسديف إذ يقولك

ظهر الحق واستبان مضيا ... إذ رأينا الخليفة المهديا

2 - وأما سبب تلقيب محمد بن أبي جعفر بالمهدي فهو أن أبا جعفر أرسل أحد من يعتمد عليهم وقال له أجلس عند منبر محمد بن عبد الله النفس الزكية فاسمع ما يقول. فقال الرسول: سمعته يقول: إنكم لا تشكون أني أنا المهدي وأنا هو. فأخبرتَ بذلك أبا جعفر فقال: كذب عدو الله بل هو (ابني) (مقاتل الطالبين لأبي فرج الأصفهاني ص166) وجاء في (المقاتل) أيضاً ص171 ما نص (قال مسلم بن قتيبة: أرسل إليَّ أبو جعفر فدخلت عليه فقال قد خرج محمد بن عبد الله وتسمى بالمهدي ووالله ما هو به، وأخرى أقولها لك لم أقلها لأحد قبلك ولا أقولها لأحد بعدك وابني والله ما هو بالمهدي الذي جاءت به الرواية، ولكنني تيمنت به وتفاءلت به)

ومما يؤيد هذا هو ما جاء في كتاب الجهشياري ص127 إذ يقول الراوي: قال محمد المهدي لأبيه يا أمير المؤمنين أنت ترشحني لهذا الأمر، وتروي أني المهدي الذي بعدك في الناس.

3 - وأما أبو جعفر فقد لقب بالمنصور عقب قتل محمد وإبراهيم (التنبيه والإشراف ص295)

وأما الخلفاء الذين تلقبوا بالألقاب المعلومة، فقد كانت تختار لهم أو هم أنفسهم كانوا يختارونها، وهكذا جرت العادة عند كل الخلفاء

(بغداد)

عبد المجيد الساكني تقي الدين بن تيمية ومذهبه السياسي والاجتماعي

يشغل المسيو هنري لاوست منصب السكرتير العام في المعهد الفرنسي في دمشق. وقد انخرط في سلك الجندية على أثر إعلان التعبئة العامة في فرنسا. ولكنه حصل أخيراً على إجازة قصيرة ليتقدم إلى السوربون لمناقشة الرسالة التي وضعها لإحراز الدكتوراه

أما رسالته فموضوعها (تقي الدين أحمد بن تيمية ومذهبه السياسي والاجتماعي) وهي تقع في اكثر من 700 صفحة ودق طبعت بمطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة

وقد تناول المؤلف بالبحث ترجمة حياة ابن تيمية والبيئة التي عاش فيها، وتكوينه الفكري، ومذهبه السياسي والاجتماعي، وما كان له من الأثر في المذهب الوهابي وفي آراء المغفور له السيد رشيد رضا منشئ المنار

وكان طريفاً أن يرى المسيو لاوست - ذلك الجندي - وقد ترك السيف والمدفع وجاء إلى الجامعة ليناقش في رسالته

كاتب فرنسي يزور بلاد الشرق الأدنى

وصل إلى بيروت المسيو بيير بنوا عضو الأكاديمية الفرنسية، بعد أن زار الشرق أيضاً المسيو جيروم نادو والمسيو أندريه سيجفريد. والمسيو بنوا هو الرسول الثالث للفكر الفرنسي الذي يزور الشرق بضعة أسابيع

اختراع مصري

نشرت (المصري) أن الأستاذ عباس محمد شلبي أفندي المهندس بالإسكندرية قد أخترع طائرة تسع 50 شخصاً وترتفع رأساً وتهبط كذلك، وتسير بسرعة من 600 إلى 800 كيلو في الساعة. وقد صنع المخترع لها نموذجاً مصغراً وكتب إلى أولي الأمر وحضر إلى القاهرة لعرض النماذج على ولاة الأمور بناء على دعوة أرسلت إليه من رياسة الطيران

وقد قابل سعادة حسن عبد الوهاب باشا في هذا الصدد فحدد له موعداً لعرض النماذج أمام هيئة من كبار رجال الطيران

مجلة المستمع العربي لمحطة الإذاعة البريطانية أعلنت جريدة (التيمس) أن العدد الأول من مجلة شركة الإذاعة البريطانية التي أطلق عليها أسم (المستمع العربي) سيظهر في هذا الأسبوع، والمأمول أن تساعد هذه المجلة على تعزيز روابط الصداقة القائمة بين لعالمين العربي والإنجليزي

وستكون هذه المجلة أول صحيفة مصورة تطبع في لندن باللغة العربية. وهي على مثال أختها الإنجليزية (لسنر) والغرض منها تسجيل الأحاديث العربية التي تذاع من محطة لندن ليطلع عليها الذين فاتهم الاستماع إليها وتعزيرها بما يهم القارئ العربي

وتقع المجلة الجديدة في 16 صفحة وتظهر مرتين في الشهر

أكثر أهل الجنة البله

قرأت في العدد (349) من مجلة الرسالة الغراء كلمة الكاتب العبقري أستاذي الدكتور زكي مبارك في موضوع (إنما يزدهر الأدب في عصور الفوضى الاجتماعية). ولقد لفت نظري بنوع خاص ما جاء فيها من تفسير الأستاذ المفضال للحديث الشريف (أكثر أهل الجنة البله)، فقد ذهب الأستاذ إلى أن المراد من هذا الحديث هو أن أهل الجنة سيكونون بلهاً لأن الله سيرحمهم من التعرض لآفات الشطط والجموح في ميادين الفكر والعقل والوجدان، لا ما ذُهب إليه في تفسير الحديث من أن البله يقل تعرضهم للموبقات فيخرجون من الدنيا بسلام، وقد أهلتهم البلاهة لاحتلال الجنة

وعندي أن تفسير الأستاذ للحديث المذكور على الوجه الذي ارتضاه لا يأتلف وما ورد فيه من كلمة (أكثر) لأنه لو كان المقصود منه أن أهل الجنة سيكونون بلهاً لما كان هناك من حاجة إلى ذكر كلمة (أكثر) فورود هذه الكلمة فيه يجعلني لا أتردد في القول بما قيل في تفسير من أن البله يقل تعرضهم للموبقات فيرحلون عن الدنيا وقد أعدهم ما فيهم من بلاهة لدخول الجنة. وهذا التفسير للحديث المذكور هو الذي يحتمله بالنظر إلى ما اشتمل عليه من لفظه (أكثر)

وختاماً أرجو أن أكون موفقاً في تنبيه أستاذي المفضال إلى ما وقع فيه

سدد الله خطاه، ونصره في نضاله، واكثر لخدمة الأدب العربي أمثاله، إنه سميع مجيب

(بغداد) عبد الكريم جواد

أخطاؤنا في الصحف والدواوين

اعتادت الكثرة من الناس أن تنظر إلى ما جاء به الشيوخ في اللغة أو الأدب، المتقدمون أو المحدثون، نظرة يقطر منها التقديس والتقدير. فدفعهم ذك إلى الاعتقاد بأن ما جاؤا به لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا من فوقه أو تحته، وفي هذا من الاعتراف بالعجز، وضعف الحكم، وهزال العقل الشيء الكثير

على أن صديقنا الأستاذ صلا الدين معدي الزعبلاوي، لم ينظر تلك النظرة الخاطئة، بل نبذ ذلك الرأي وراء ظهره، وحمل بيده معولاً وراح يستقرئ ما كتبه أئمة اللغة، أو ما وهمه بعض من أدعى العلم باللغة والاختصاص بها، فهدم الفاسد وأظهر ضعفه وسخفه، وجلىّ عن الصحيح وأبان عن جماله ونفاسته، فجاء كتابه (أخطاؤنا في الصحف والدواوين) مرآة تعكس علم صديقنا الأستاذ وتظهر مبلغ تحقيقه وتدقيقه

ولقد أخذ على شيوخ اللغة المتقدمين مآخذ شتى ثم أنفصل إلى الشيوخ المحدثين، فأخذ على اليازجي مجازفته في القول في اغلب الأحايين، دون أن يتدبر الأمور أو يتروى في إطلاق الأحكام، وأخذ على (المنذر) خلو كتابه من التقصي والتدقيق وبين أخطاء الأستاذ داغر، وبعض ما وهمه الأستاذ العوامري

وقد جعل الأستاذ كتابه بابين: الباب الأول وقد أفرده الموضوعات. أما الثاني فقد خصه بالمفردات. أما الموضوعات التي ذكرها فهي: فساد السنن التي تتبع في كتابه القرار أو المرسوم في دواوين الحكومة، خصائص بعض حروف الاستفهام ودفع الأخطاء والأوهام التي يقع فيها كثير من الأدباء والمتأدبين، قياس النسبة، العدد في تمييزه وتعريفه، قياسه الصفات المشتبهة، المصادر اليائية، تصحيح بعض من جموع التكسير، صوغ أسم المكان من معتل العين الثلاثي ومكسورها السالم، تأنيث أي، ضوضاء، وغيرهما، ثم تطرق إلى البيان عن هزال بعض الأساليب الشائعة، وهو في ذلك كله لا يدع مسألة حتى يستقصيها، ولا يصدر حكماً حتى يحقق فيبالغ في التحقيق، ويدقق فيغالي في التدقيق، هذا مع استقراء صائب وحكم صحيح أما باب المفردات، فقد سرد كثيراً من الكلمات الشائعة التي تدور على الأسنة فصححها، وفي هذا الباب أخذ على المحدثين من علماء اللغة مآخذ فاضحة، وخصوصاً على داغر والمنذر. ثم رد هذه الكلمات إلى أصلهاـ فذكر صحيحها ونبذ فاسدها

والكتاب في جملته موفق جيد، والحق أنه جدير بالقراءة والمطالعة، لأنه إن لم يجعل قارئه لغوياً كبيراً، استطاع أن يفقهه في لغته وأن يقوِّم به لسانه وقلمه.

صلاح الدين المنجد