مجلة الرسالة/العدد 36/تعد ذنوبي. . .

مجلة الرسالة/العدد 36/تعد ذنوبي. . .

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 03 - 1934



يصدق الشطر الأول من بيت أبي العلاء المشهور على الشرق في موقفه اليوم من الغرب. سواء أصدق الشطر الثاني أم لم يصدق، ولا يسع الشرقي في بلاد الغرب إلا أن يتمثل به ما بين آن وآخر. فالشرق كما قال الاستعماري كلبنج ما زال شرقاً والغرب غرباً وكلاهما جاهل بالآخر، والغرب أجهل بصاحبه. الشرق مخدوع في الغرب يحسبه أرقى مما هو عليه، والغرب مزدر للشرق يظنه أحط مما هو في الواقع.

صورة الشرق في ذهن الإنجليزي وإن يكن متعلما صورة خيالية. تحوي أمراء مترفين عائثين ورعايا كادحين مخشوشنين. صحارى وغابات تجيش بغوائل الوحش والإنسان. ورجلا أبيض ينشر الخير والبركات ويبدل الشرور منافع محتسبا لا يبغي غير وجه المدنية ورضى الانسانية. فان جاء أحد أبناء تلك البلاد يفهم ذلك الواهم أن تلك الصورة القصصية التي ربما انطبقت على بعض نواحي الهند في غابر الأيام لا تنطبق على الشرق اليوم. وأن الشرقيين ليسوا موغلين في الجمود والتشبث بالقديم كل ذلك الإيغال، وإنما هم فضلا عن عراقة حضارتهم يسعون جهدهم - وقد ظهرت مدنية أوربا على غيرها من المدنيات - أن يأخذوا بأسبابها ويسايروا عصرها، إذا أراد الشرقي أن يشرح ذلك للإنجليزي الذي لم يبرح بلاده انصرف عنه معرضا. لأنه يراه يفسد عليه صورته المحبوبة التي يألفها ولا يريد فراقها

ومهما أطنب الإنجليزي في روعة الشرق وثروته ولآلائه وفتنته. ومهما ود لو تتاح له مشاهدة كل ذلك فانه يعود - إذا ما تأمل الصورة الموصوفة - إلى نفسه مغتبطا ويحمد الله من صميم قلبه على أن خلقه إنجليزيا مسيحياً لا عربياً مسلماً ولا هندياً بوذياً، وقدر له أن يقضي حياته في ربوع المدنية لا بين أكناف الهمجية

فلا عجب أن ينظر الإنجليزي إلى نزلاء وطنه - ولا أقول ضيوفه - من الشرقيين نظره إلى أطفال كبار جاءوا ليتلقوا في بلاده طرق الحياة وسبل المدنية، ويتوهم أنهم حين وطئوا أرضه طرحوا عاداتهم وتقاليدهم وأزياءهم المتأخرة جانبا، واستبدلوا بها الطرق الإنجليزية الراقية، وبدءوا حياة جديدة، ولا عجب ان يضمر لهم كثيرا من الازدراء وغير قليل من الكراهية.

قابلت في بعض جولاتي في إنجلترا إنجليزيا يعمل في السودان كان يقضي عطلته ف بلاده. فسألني في غضون الحديث. كيف ترى إقامتك في إنجلترا؟ قلت: أين هي من إقامة الأوربي في مصر؟ قال: ماذا تعني؟ إن الإنجليز يحبون المصريين ويرحبون بهم في منازلهم، قلت: لا أرى دليلاً على ذلك. وليست تخدعني المجاملة الظاهرة عما تكن النفوس من ترفع تارة وكراهية أخرى. قال: كيف؟ هل لقيت سوى حسن المعاملة حيثما ذهبت؟ قلت هبني لم ألق سواها فما ذاك إلا لأني رجل مهذب أحترم نفسي وأرعى حق غيري، فمن له بمخاشنتي وهذا محملي؟ فمضى في مكابرته الإنجليزية التي تعمى عن الحقائق من أجل أغراضها عماية عجيبة

ومضى زمن، وكنت أحادث طالبة إنجليزية بيني وبينها صداقة وثيقة فقالت: كم زوجا لك في مصر؟ قالتها بلجهة بن الجد والمزاح وقدماً قال شاعرهم شكسبير: كم من حقيقة أودعت نكتة، وأذكرني الخوض في هذا الشأن حديث ذلك الإنجليزي، فأردت ان أستوثق منها صراحة عن حقيقة رأي الإنجليز في الأجانب وشعورهم نحوهم، قالت أتروم الحق! قلت الذي لا غبار عليه والذي لن يغضبني مهما قسا

قالت: فأما إذا تروم الحق، فالإنجليز لا يحبون الأجانب عامة لأنهم يعدون أنفسهم سادة العالم، ولا يقيمون كبير اعتبار لما جاء من خارج جزيرتهم، ثم هم أشد نفوراً من الشرقيين الملوني البشرة لأنهم شديدو البعد والاختلاف عنهم، ولأنهم في الغالب غير مسيحيين، ومن لم يكن مسيحيا فهو في نظرهم لا يؤتمن، ثم إن المعروف بينهم عن الشرقيين أنهم شهوانيون، وأنت تعلم ما يقال عن مسائل الحريم وتعدد الزوجات، وأخيراً لأن من يفد إلى هذه البلاد من طلابهم هم عادة صفوة شباب بلادهم، وهم لذلك يفوقون أقرانهم الانجليز، ولذا ينقم عليهم طلاب الذكور خاصة

وكنت وعدت مخاطبتي ألا أغضب، فلم أشأ أن أفند لها هذه الأوهام، ولا سيما وقد عزتها إلى غيرها في لهجة من هي براء منها، فلم أقل لها إن القول بسيادة الإنجليز للعالم فيه ادعاء وتغرير، فتلك السيادة إن صحت لا يتمتع بها وبما تجره من منافع مادية سوى طبقة محدودة من الإنجليز، بينما سواد الشعب لا يمتاز كثيراً من سواد الشعوب الأخرى من نواحي التعلم والثراء والخضوع لتحكم الطبقة العليا، وإن المسيحية ليست أسمى ولا أطهر من الإسلام والبوذية دين الملايين من الشرقيين، وإن الإنجليز وإن رموا غيرهم بالشهوانية يقارفون مثل ما يقارف غيرهم لأنهم آدميون مثلهم، لم تكن لذكر هذا وذاك جدوى فلم أذكره وإنما شكرت الطالبة على بيانها الواضح المفيد المليء بالعبر

وذكرت هذا كله حين قرأت كلمة الدكتور عوض التي سماها (جريمة) فقلت: صدق الدكتور الفاضل، ولكنه ذكر جريمة واحدة، ولنا غير جريمة سمرة البشرة جرائم أخرى عديدة. وذنوبنا تعد عند قوم كثيرة.

فخريي أبو السعود