مجلة الرسالة/العدد 363/العلم المسكين!

مجلة الرسالة/العدد 363/العلم المسكين!

ملاحظات: بتاريخ: 17 - 06 - 1940


للأستاذ عباس محمود العقاد

إذا غضب الإنسان التمس لغضبه هدفاً وإن ارتد إلى نفسه وأحب الناس إليه، لأن الغضب حركة ولا بد للحركه من اتجاه

وهكذا صنع صديقنا الزيات وهو غاضب على الحرب وأدواتها الجهنمية في عصرنا الحديث. فنظر إلى أقرب ما يرميه فإذا هو العلم المسكين: العلم الذي علم الناس أن يصنعوا البركان والإعصار، وأن يسلموا زمامهما للقاذف والطيار!

غضب الأستاذ غضبته تلك فتمنى لو أن للعالم (كرة إلى عصر الجمل والحصان، وحرب السيف والسنان، ومدنية القلب واللسان، لينجو من هذا العلم الذي يدمر ما يعمر، ويخلص من هذه الحضارة التي تأكل ما تلد)

ولو كر العالم إلى عصر الجمل والحصان وحرب السيف والسنان لما رضى صديقنا الأستاذ، لأن هولاكو وتيمور قد صنعا بالحصان والسنان ما لم يصنع قواد هذا الزمان بالإعصار والبركان، وزادا على ذلك بلاء الطواعين يضيفانها إلى بلاء الطعان، فأين يذهب العلم المسكين مع هذا الإنسان!

كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا

بل ركب سناناً فوق السنان، وأتى معه إلى الميدان بالحيوان. . . وبالجان!

ولو تمثل العلم شخصاً يتكلم لاستغاث من هذا المخلوق الذي شوه جمال كل جميل حتى المعرفة والنور

وهل المعرفة إلا نور؟

وهل يأبى النور أن ينير إذا (اهتدى) به اللص في طريق الشرور؟

وهل يرتفع العلم بالإنسان إلى مكان أرفع وأطيب من فراديس الجنان؟

فماذا صنع في فراديس الجنان؟

سمع وحي الثعبان ولم يستمع إلى وحي الرحمن فويل لهذا الإنسان!

لقد ظهر الاختراع مع العلم فماذا صنع الإنسان قبل أن يخترع في العصر الحديث اختراع العلماء؟ اخترع الحصان أداة للكر والفر والطعان!

جاء به من الأجمة والجبل أسلم ما يكون بين فصائل الحيوان، وقذف به إلى الميادين أخطر من النمر والثعبان. . . بل أخطر من المارد والشيطان!

وقبل الحصان حملته قدماه!

وقبل القدمين ركب رأسه وهواه

ولولا رأسه وهواه لما ضاقت به دنياه. . . كان له الله!

أخي الغاضب على الحرب! دع العلم في مكانه منها، فوالله إنه لرحمة بالإنسان حتى مع هذا الشر الذي يتفجر به طبعه ويتدفق به نبعه

إنه لأرحم به من الجهل يوم كان الطاعون يقتل مائة إلى جانب كل قتيل واحد يسقط في حومة القتال، ويوم كان كل واحد بؤرة تجتمع فيها ملايين الملايين من جراثيم الحميات والأهوية الوخيمة لتتفرق بعد ذلك من جبل الأطلس إلى أقصى الصين.

وقد مات في الحرب الأمريكية مائة وثمانون ألفاً في حومة القتال وضعف هؤلاء القتلى ماتوا بالأوبئة والأمراض

وأحصوا في حرب القريم خمسة وعشرين ألفاً من الإنجليز والفرنسيين ماتوا بالرصاصة والسيف، ونيف وتسعين ألفاً ماتوا بطعنة مكروب صغير لا تراها العين ولا يعلم بوجودها المقاتلون. لا بل هذه السرعة التي تنعاها أيها الأخ على العصر الحديث هي التي تعجل بالسلم وقد كان بطيئاً من قبل كالبطء في كل شيء من أشياء الزمن القديم

فأين هي الحرب التي تدوم اليوم ثلاثين سنة كما دامت حرب الثلاثين؟

وأين الحرب التي تعود اليوم في كل موسم كما كانت حروب القبائل البادية تعود في كل مرتبع أو كل مصطاف؟

أما عدد القتلى فما كان أكثره بالأمس، وما أقله اليوم بالقياس إلى عدد الأمم المشتركة في الحروب

لقد مات في حرب جنكيز خان نحو عشرين مليوناً، واشتركت أمم الأرض في الحرب الماضية فكان القتلى فيها أقل من تسعة ملايين

ودارت معركة بين الإنجليز والإيفوسيين في أوائل القرن السادس عشر، فبلغ القتلى من هؤلاء الأخيرين عشرة آلاف، ولم يكن سكان إنجلترا وإيفوسية يومئذ يزيدون على أربعة ملايين

وسر ذلك أن القوة قد اشتدت في سلاح الفتك وسلاح الوقاية على السواء؛ فالمدفع الذي يقتل ألفاً تخيفه طيارة يديرها رجل واحد؛ والأسلحة التي تبذل فيها الأمة ألف مليون يصدها الحصن الذي تبنيه الأمة بمائة مليون، واللغم الذي يودي بالمدرعة العظمى يلقطه وعشرات معه زورق صغير

ولكل شيء آفة من جنسه!

والفضل للعلم الحديث الذي صدم الشر بالشر فوقفا متكافئين، ولو انطلقا بغير رادع لهلكا متسابقين إلى الهلاك

فالحق أننا لنتخيل الدنيا وقد احتشد في جانب منها عشرات الملايين، وترامت بينهم ألوف الجثث وهم بعيدون من المعقمات التي اخترعها العلم والمطهرات التي صنعها العلم ووسائل العلاج التي استنبطها العلم، ثم نتخيل ما وراء ذلك من أوبئة وطواعين، ومن حميات وأدواء، ومن صرعى لا يجدون القبور ولا القابرين، فلا يسعنا إلا أن نغضب كما غضب الأستاذ من الحرب، وإلا نثور كما أثار الأستاذ على البغاة الآثمين، ثم نخالفه بعد ذلك فننادي بالعلم جهد ما نستطيع من نداء: مكانك فينا أيها العلم فلا رحمة لنا في عهد الحصان والسنان، وإنما الرحمة لنا في عهد الإعصار والبركان، ومن يلجم الإعصار والبركان. لأننا إذا رجعنا كرة أخرى لم نفقد الشر الذي يضري بالقتال ويغري بالعدوان، بل فقدنا الضياء الذي يرينا الشر والخير يتصاولان ويتكافآن، أو فقدنا شراً يدفع شراً فلا يبغيان ولا ينطلقان

أذكر كلمة للعالم الكبير (أوليفر لودج) يقول فيها إن خلقة (الميكروبة) مكسب كبير لعالم الحياة، فلو فرطت فيه الدنيا لبقيت عند المادة الصماء، ولم تتجاوزها إلى ما وراءها من عالم الأحياء

وهذا الذي قاله أوليفر لودج حق عظيم

فلو أننا استطعنا أن نتخيل أنفسنا في مطلع الخليقة، وأن نتخيلنا مسؤولين: هنا مادة صماء تبقى أبد الآبدين مادة صماء، وهنا جرثومة حية صغيرة تنمو وتنمو معها الحياة ولكنها لا تؤمن على سائر الأحياء، ولا بد من دواء يطول فيه العناء، فماذا أنتم مؤثرون يا معشر الخلق بين هذا البلاء وذاك الفناء؟

هنا يبدو لنا أن خلقة (الميكروبة) مكسب كبير كما قال (أوليفر لودج) الذي يقدس الجرثومة لأنه يقدس الحياة

وهنا يبدو لنا أن علاج (الميكروبة) مكسب آخر قد ارتقينا به في مراتب الفهم والمعرفة وكبحنا به كثيراً من شرور العجز والجهالة

وعلى هذا النحو تقترن المحنة بكل منحة، ويقترن العناء بكل نماء:

يبكي الطفل حين يولد، ويمرض حين تنبت له أسنان، ويختل ميزانه زمناً حين يدرك المراهقة، ويشقى بالتبعة زمناً حين يخرج من وصاية الأب إلى رشد الرجولة، ويعطي كلما أخذ مادام مرتقياً في مراتب الحياة

فمن يدر ما تشتري (الإنسانية) غداً وقد بذلت الثمن الفادح في الحرب القادمة؟

إنها مشترية شيئاً لعله يجمع بين فضيلة الفطرة وفضيلة الحضارة، وبين مزية الأناة ومزية السرعة، ولعله يفيض على بني الإنسان طمأنينة الواجد الذي يحمي ما يجد فهي خير من طمأنينة المعدم الذي لا يملك ما يفقد، وهي حالة يرضاها صديقنا الأستاذ إذا أغضبته الحروب، أو هي حالة أقرب إلى الإمكان من كرة أخرى إلى عصر الجمل والحصان، وحرب السيف والسنان

عباس محمود العقاد