مجلة الرسالة/العدد 364/التعليم المختلط

مجلة الرسالة/العدد 364/التعليم المختلط

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 06 - 1940



للأستاذ رفعة الحنبلي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

المحبذون لهذا التعليم يلفتون النظر إلى ظاهرتين اثنتين جديرتين بالاهتمام:

أولاهما أن البيئة والتقاليد والعادات هي عوامل قوية تدفع إحدى الأمم في الأقدام عليه إقداماً تاماً، وتجعل الأمة الثانية تحجم عنه إحجاماً كلياً.

وثانيهما: شخصية المربي التي تقوم بدورها التربوي الرفيع في تعهد الطلبة تعهداً فيه كثير من الحذر واليقظة والرفق واللين تبعدهم عن تسرب المساوئ إليهم - إن كان هنالك مساوئ - وتوجههم نحو المثل الأعلى للحياة الإنسانية الفاضلة؛ هذه الشخصية هي بمثابة الملجأ الأمين من الأخطار التي قد تهدد حياة الطلبة من جراء الاختلاط، ولا تنال الغلبة في هذا الأمر ما لم تتصف بالصفات الحميدة والمبادئ القويمة والخلق القوى والذكاء الحاد والفطنة الملتهبة، كي تتفهم نفسية الطالب ورغائبه وميوله. . .

ولكن أين هؤلاء المربون ينعمون بمثل هذه الصفات جميعاً؟ وأكبر الظن أنهم قليل. . . والقلة ما كانت في يوم ما لتقوم مقام الأكثرية في تأدية رسالة أو إيفاء واجب

يذهب الدكتور إلى أن التعليم المختلط في المعاهد الثانوية يقوي العلاقات الاجتماعية ويمكن الصلات الأدبية، فينشأ الفتى والفتاة في بيئة تختلف عن البيئة الخاصة التي كانا فيها، وإنها لأجدى على الفتى والفتاة من أية بيئة أخرى، إذ يتجه الاثنان في اتجاه خاص هو من مصلحتهما، في الوقت إلى ذلك تضعف في الفتاة تلك الرقة والحياء والدعة، في الوقت الذي يتقوى عندها الشعور النفسي بأنها والرجل سيان في الحقوق والواجبات

وإذا ما تعمقنا في دراسة نفسية كل من الجنسين، وجدنا أن لكل منهما خصائص فردية تختلف في كل منهما عن الآخر جد الاختلاف، على أنها تتحد في الأصل وتختلف في الفروع بمعنى أن للفتى من الوظائف الفردية الخاصة ما للفتاة، على أن هذه الوظائف لم تكن لتمنع كلا منهما من أن يتلقى نوعاً واحداً من التعليم أو أنواعاً مختلفة، فضلاً عن أنهما ذوا قابلية لتعليم خاص. وقد تتباين الاستفادة عند مباشرة الفتاة هذه الوظائف، فتتجه إلى ناحية غير الناحية التي يسير الفتى إليه فهناك إذاً خصائص نفسية نسوية وخصائص نفسية رجولية تمضي بهما إلى غايتيهما؛ ولكن لا بد من التساؤل عما إذا كانت هذه الخصائص المتباينة لها من المزايا ما يساعد على التعليم المختلط أم أنها تقف دونه؟

كثير من علماء النفس يعتمد أن هذه التباين في الخصائص مما يساعد على التعليم مساعدة قوية فعالة، فالفتيات والفتيان ما كان كل منهما ليكتسب مزايا وفضائل الآخر التي يفتقر إليها لو لم تمهد أمامه سبل الاختلاط سواء في المعاهد أو في المجتمعات. ويرى الدكتور أن مراتب التفكير في الرجل هي غيرها في المرأة، والتعليم المختلط يحمل كليهما على الاقتباس عن الآخر ما تحتاج إليه الحياة وما تتطلبه منه البيئة، وبالتالي فإن أفق تفكيرهما ينبسط ويمتد إلى أقصى حدود الانبساط والامتداد. تلك متعة من متع الحياة تتفتح معها النفس لصنوف المؤثرات وشتى ألوان الأحاسيس.

ويعترض البعض الآخر على هذا الرأي بأن الخير كل الخير للمجتمع وللجنسين معاً في ألا تضعف هذه الخصائص النفسية الخاصة - إذ أن في ذلك ما يفقدها، ولو إلى حد ما، شيئاً من حيويتها وفاعليتها - وأن يحتفظ كل منهما أيضاً بمراتب تفكيره لا يتعداها إلى مراتب غيره، فبقدر ما يكون الرجل تام الرجولة والمرأة كاملة تكون الجماعة الإنسانية غنية بالوسائل الفعالة التي من شأنها أن تؤثر في المجتمع وتدنيه من غايته المثلى، فالواجب على المربين أن يؤدبوا الفتى تأديباً يصبح معه، في المستقبل، رجلاً تام الرجولة، وأن يتعهدوا الفتاة تعهداً تمسي بعده كاملة الأنوثة، على ألاّ ينظر إلى المرأة نظرة ضيقة حقير تنال من كرامتها وتحط شأنها بل نظرة رفيعة تدفعها إلى الاستفادة من خصائصها الخاصة

ويعتقد المربي الكبير أن خصائص ومزايا الجنسين هي غريزية بمعنى أنه لا ينالها تغيير ولا يمسها تطور - في جوهرها على الأقل - وهي تخضع لنظام يختلف في كل منهما عن الآخر اختلافاً كلياً؛ ويضرب لذلك مثلاً أن الفتاة تفهم من كلمات الوطنية والشرف والعائلة والشجاعة غير ما يفهمه الفتى منها، فلكل من هذه الكلمات جرّس خاص عند كل منهما، هذا إلى أن الفتى قد لا يتأثر بخصائص ومزايا الجنس النسوي - إن قدر له أن يتأثر - دون أن يزاوج بينها وبين ما بنفسه من مزايا وخصائص

وهناك عيب لمسه الأستاذ بنفسه اختبار طويل. . . هذا العيب يتعلق بالمربي الذي يؤثر فئة من طلابه على فئة ثانية، أو بالأحرى يعطف على طالباته أكثر مما يعطف على طلابه، بل ويتحيف حقوقهم أيضاً، إذ يلمس في الفتاة دماثة الخلق، ونعومة الحديث، وإشراق النفس ورقة الشعور كما يدرك فيها مزية الإذعان والامتثال والخضوع، فتنعم بالعطف والإيناس، وتتمتع بالرفاهة والدعة، فضلاً عن أن التنافس الذي يحصل بين هاتين الفئتين له من التأثير القوي على الفتاة ما يدفعها إلى الانكباب على الدرس حتى تفوز على زملائها وتحوز الدرجة الأولى دون تعميقها في الدراسات وتفقهها في المذاهب، وهذا ما يفقر تكوينها العقلي ويضعف تفكيرها ويفسد تصوراتها، لذلك يقول الأستاذ إن التنافس يجعل التعليم أقرب تناولاً وأدنى منالاً وأكثر سهولة ولكنه أقل عمقاً وأهمية

ويأخذ بعض علماء النفس على التعليم المختلط، في مرحلة التعليم الثانوي، أنه مباءة للفساد، إذ أنه يثير الغريزة الجنسية، فتعصف بالنفس، وتحرك العواطف فتنفعل الأحاسيس، ويفقر الخصائص فتضعف الشخصية؛ وهذا ما يكون خطراً مباشراً على الأخلاق والآداب؛ وقد تكون الفتاة أقرب إلى هذه المؤثرات من زميلها الفتى وأدنى منه إليها

ويرد البعض الآخر على هذه المآخذ المتنوعة بأن الطبيعة الإنسانية تستدعي هذا الاختلاط، وتتطلب هذه النظام لما لها من الأثر القوي في حياة الناشئة، فتوجه العواطف توجيهاً سليماً، وتوحد العلاقات على أساس الثقة المتبادلة، وتمهد السبيل إلى رفعة الأخلاق وتقرب من الزواج. . .

والفتاة نفسها ترغب في هذا الاختلاط إلى حد بعيد، وتتوق نفسها إليه، وتندفع وراءه، فالفتاة كالفتى، يعتلج في أطواء نفسها الحب العنيف، وتتأجج في صدرها الأهواء، ويتفتح قلبها إلى الصداقة، وما عساها بهذه النوازع؟. . . إن حبها لشديد، وغن عواطفها لعنيفة، وإن خيالها لواسع، وإنها لتفتش عن أميرها المنتظر، عن فتاها، قبلة أنظارها ومحط آمالها ورجاء مستقبلها، والتي تأمل أن تكون له زوجة في المستقبل لتنعم بجانبه وتطيب نفسها به، ولكن أين تبحث عنه، وفي أية بيئة تجده، وفي أي وسط تحظى به؟. . .

إنها قد تجد فتاها الجميل، الذكي الفؤاد، الدمث الأخلاق، الكريم الشمائل، في البيئة التي تختلف إليها، وما هي إلا بيئة المعاهد المختلطة التي تدينها من غايتها وتحقق أحلامها وآمالها والفتى، أليس ينشد مصاحبة الفتاة، ويميل إلى معاشرتها ويتمنى صداقتها، إنه ليتلهف إلى اختيار فتاته، وتصبو نفسه إلى الزواج منها ولا سبيل إليها إلا في تلك البيئة المختلطة أيضاً.

ويقول العالم الكبير (إننا نحصل على أحسن النتائج حينما يجتمع الجنسان في معهد واحد إذ نرى الفتى أكثر إقبالاً على العمل وأحسن خلقاً، ونرى الفتاة تؤدي أعمالها في جو طبيعي وبدوافع أرقى وأفضل)

يؤخذ مما تقدم أن الفصل بين الجنسين ليس في مصلحة النشء ولا المجتمع في شيء بل ربما كان سبباً قوياً في تداعي الروابط الاجتماعية وفي تفسخ العلاقات الأدبية

وكما يؤخذ على التعليم الثانوي يؤخذ أيضاً على التعليم الابتدائي ولكن هذا لا يداني الثانوي في الخطر ولا يجاريه في العيوب، وما ينسب إليه من حسنات ينسب إلى الآخر على السواء

أما في صدد التعليم الجامعي فيقول الدكتور الأستاذ بجامعة بروكسل (إن من الواجب ألا نستنتج استنتاجات هزيلة من الملاحظات التي يبديها البعض ممن يقاومون هذا التعليم، وألا نرد التأثيرات السيئة التي تحدث عنه إلى هذا النظام بعينه. أن الوقائع التي نلمسها يومياً في أجواء المعاهد المختلفة تدفعنا إلى الاعتقاد بفساد هذا النظام، وكثيراً ما تتألم الفتاة من مسالك زملائها الطلاب الظرفاء، ذلك المسلك الذي يسبب لهن كثيراً من الأيام، مما يدفع المرء إلى التفكير في إقصاء الفتيات عن التعليم المختلط. . . ولكن لو أنعم هذا البعض الفكر في أسباب هذه الوقائع، لرد دواعيها ومسبباتها إلى نقص في بعض الأنظمة التعليمية الحديثة، أو بالأحرى إلى تخلف الفتاة عن المعاهد الثانوية المختلطة، بل والابتدائية أيضاً. إذ أن ارتياد الفتاة هذه المعاهد، بل والابتدائية منها أيضاً. إذ أن ارتياد الفتاة هذه المعاهد يمكنها من دخول الجامعة بعد أن تكون ماشت الفتى في دوري الطفولة والمراهقة، وهي أشد ما تكون اطمئناناً على نفسها وأخلاقها وآدابها، فتضطرم نفسها بحياة مليئة بالسعادة والهناء والرفاهية والنعيم) لذلك يطلب الأستاذ الكبير ألا يقبل في الجامعات من الفتيات إلا من أتمن دراستهن الابتدائية والثانوية في المعاهد المختلطة

ويرى الأستاذ من شتى الملاحظات التي جمعها أثناء إدارته دار المعلمين في جمهورية بوليفيا الأمريكية أن الفتيان، في اختلافهم إلى تلك الدار، قد تهذبت نفوسهم وأخلاقهم، وصقلت شجاعتهم ورجولتهم، وسمت أخلاقهم وعواطفهم، وجعلتهم اجتماعيين، فإذا بالفتى منهم أنيس الألفة، كريم الشمائل حر الخلال، رفيع التهذيب، أديب المعاملة، أنيق الملبس؛ وإذا بالفتاة قد انتفى عنها الخوف، وتلاشى الجبن، وزال منها الضعف فأصبحت ناعمة بالاستقلال الذاتي، ومتلذذة بالحياة، واثقة من المستقبل فضلاً عن أن كلا منهما يجد في نفسه مزايا تسهل التعاون بينهما فيما بعد

هذه أوجه الرأي المختلف في هذا الموضوع الجليل، وسمنا خطوطه الكبرى رسماً موجزاً وضحنا حسناته وفضائله، وكشفنا عن سيئاته ونقائصه، نلقي بها لدى أرباب العقول النيرة علهم يوازنون بين الرأيين ويرجعون الكفة التي يكون بها الخير للأمة العربية.

(بيروت)

رفعة الحنبلي