مجلة الرسالة/العدد 368/الفروق السيكولوجية بين الأمم

مجلة الرسالة/العدد 368/الفروق السيكولوجية بين الأمم

مجلة الرسالة - العدد 368
الفروق السيكولوجية بين الأمم
ملاحظات: بتاريخ: 22 - 07 - 1940



للأستاذ عبد العزيز عبد المجيد

الفروق الذكائية

في سنة 1928 دعت وزارة المعارف المصرية الدكتور كلاباريد أستاذ علم النفس بجامعة جنيف لدراسة حال التعليم في مصر ومعرفة مواضع النقص فيه، واقتراح الإصلاحات الضرورية للمناهج وطرق التدريس ونظام المدارس على أسس من التربية وعلم النفس. وكان مما قام به الأستاذ هو إجراء بحوث اختبارية في الذكاء على طوائف من التلاميذ في جميع مراحل التعليم لمعرفة مستوى ذكاء التلميذ المصري واتجاه نموه العقلي. وقد أجرى الأستاذ فعلاً عدة تجارب - بمساعدة عدد من الأساتذة المصريين - لقياس الذكاء، واستخدم أنواعاً مختلفة من المقاييس من بينها مقياس الدكتور بالارد. وكان هذا المقياس قد جرب في إنجلترا وفي البلجيك وقُنِّن. ولكن الأستاذ أدخل عليه بعض التعديلات ليناسب الناشئة المصرية. وقد أظهرت النتائج التي أسفرت عنها اختبارات الذكاء أن مستوى الذكاء عند التلاميذ المصريين - ما عدا البنات اللواتي تتراوح أعمارهن بين الثامنة والعاشرة - أقل بكثير من مستوى الذكاء عند التلاميذ البلجيك والإنجليز

وقد استرعت هذه النتيجة انتباه الدكتور واهتمامه، فجعلته يحاول معرفة هذا التأخر الذكائي، فذهب يفرض له فروضاً، وشرع في درسها، وكان من بين الفروض التي افترضها ورفضها أن سبب هذا النقص هو انحطاط في فطرة الطفل المصري. وهو يقول في تقريره: (هذا وليس في الأسباب ما يحدو بنا إلى الاستناد إلى الغباوة الفطرية كخصيصة في الطفل المصري، لأننا إذا راعينا النتائج الفردية، ولم نقتصر على المتوسطات وحدها، فإنا واجدون في جميع أدوار أعمار الأطفال طائفة من نتائج اختبارهم أحسن ما تكون. وفي هذا ما لا يبرر الاستناد إلى الانحطاط الفطري) ثم هو يذهب فيبحث فروضاً أخرى ويرى (أن تأثير الوسط المحيط هو ما يصح الاستناد إليه في كثير من الوثوق والتأكد لتعليل ذلك الانحطاط. فقد دل عدد كبير من البحوث التي أجريت على أن مستوى عقل الطفل يترتب إلى حد ما على الوسط الاجتماعي الذي يمت إليه بصلة ما، وعلى وسطه العائلي الخاص أيضاً. وبدهي أن الأطفال الذين في أسرة مثقفة يعلو مستواه على مستوى غيرهم) نعم يعود الدكتور فيؤكد أن الوسط تقع عليه إلى حد كبير مسئولية رداءة النتائج العامة التي وصل إليها في اختبار ذكاء الطفل المصري، ومقارنتها بذكاء الطفل الأوربي، ويشير إلى سبب آخر من أسباب الانحطاط الذكائي خاص بالتجارب التي أجراها، ويقول: (إن نصف النتائج التي حصلنا عليها عن أطفال وشبان من تلاميذ المدارس الأولية والفنية أو مدارس المعلمين الأولية، أي من وسط اجتماعي متواضع. وقد قلنا إن نتائجهم أحط بكثير من نتائج المدارس الابتدائية والثانوية باعتبار التساوي في السن بينهم جميعاً، وأنها كانت لهذا السبب باعثاً على هبوط المتوسط العام. ولا شك في أن ما أبدته اختباراتنا من نقص النمو العقلي يعزى في بعضه إلى هذه الحال. والواقع أن الأطفال والشبان المصريين من الطبقات الدنيا تنقصهم الأسباب المنشطة للعقل، والبواعث التي تستثير دفين الذكاء، كما تنقصهم لتفتيق أذهانهم تلك الفرص التي كثيراً ما تستح للأطفال الصغار الأوربيين في حياتهم)

ساهم الأستاذ القباني بنصيب وافر في إجراء الاختبارات التي قام بها الدكتور كلاباريد ومراجعة نتائجها، ولكنه لم يقتنع بصحة هذه النتائج، لأنه كان شاكا في صلاحية مقياس بالارد لاختبار ذكاء التلاميذ المصريين، للاختلاف الكبير بين البيئة المادية والاجتماعية المصرية وغيرها من البيئات الأوربية، وهذا ما يجعل الأسئلة التي يختبر بها ذكاء التلاميذ الإنجليز أو البلجيك لا تناسب بالضرورة التلاميذ المصريين. من أجل هذا اتجهت عناية الأستاذ لدراسة الذكاء المصري، فأجرى عدة بحوث كانت أغراضها: التحقق من صلاحية كل سؤال من أسئلة بالارد لاختبار الذكاء في مصر، وحذف الأسئلة التي يثبت عدم صلاحيتها وإضافة أسئلة غيرها لتكوين مقياس مصري للذكاء، وإجراء هذا المقياس الأخير على تلاميذ المدارس الابتدائية ومن في مستواهم للوقوف على حقيقة عقليتهم. وقد نجح الأستاذ في تحقيق هذه الأغراض، وكأنه بعمله هذا أراد أن يختار من التلاميذ المصريين من تشابه بيئته - المدرسية والاجتماعية إلى حد ما - بيئة التلاميذ الأوربيين، حتى تكون المقارنة بين متوسط الذكاء المصري والذكاء الأوربي مقارنة عادلة. وقد كشفت اختبارات الأستاذ عن متوسط لذكاء تلاميذ المدارس الابتدائية أرقى من ذلك الذي وصل إليه كلاباريد، كما أيدت اختباراته نظرية تأثير الوسط في الذكاء، فقد وجد أن المدارس التي يغلب على تلاميذها أن يكونوا من أوساط اجتماعية راقية تتفوق في الذكاء في كل عمر على المدارس التي يغلب إلى تلاميذها أن يكونوا من أوساط اجتماعية متواضعة، وأن الفرق بين ذكاء هذين النوعين من المدارس ليس كبيراً إذا قيس بالفرق بين متوسط ذكاء كل منهما ومتوسط ذكاء المدارس الأولية

رأينا إذاً كيف تتعسر المقارنة بين متوسط ذكاء أمة ومتوسط ذكاء أمة أخرى لاختلاف البيئات، هذا الاختلاف الذي له أثره في تنشيط الذكاء الفطري وشحذه، ولصعوبة إيجاد (عينات) ممثلة كل التمثيل لأفراد الأمة وأوساطها المختلفة تجري عليها اختبارات الذكاء. وعلماء النفس يدركون هذا التعسر ويُقرّونه، ولكنهم بالرغم من ذلك حاولوا التغلب عليه ودراسة الفروق الذكائية بين الأمم، فالتجارب التي أجريت في الولايات المتحدة لقياس ذكاء الزنوج ومقارنته بذكاء الأمريكيين البيض أسفرت عن أن الزنوج أقل ذكاء من الأمريكيين في كل المقاييس التي تتطلب حل معضلات معنوية مجردة بينما يقربون من الأمريكيين أو يشابهونهم في الذكاء الذي يحتاج إليه في حل المعضلات العملية أو المحسوسة، كما تدل على ذلك نتائج المقاييس العملية ومما لا جدال فيه أن القدرة على التفكير المعنوي المجرد والحكم تتأثر إلى حد كبير بالتربية والثقافة العامة، ونوع العمل الذي يقوم به الفرد. ومهما يكن السبب - وراثياً أو بيئياً - فالحقيقة الواقعة هي أن الزنوج أحط ذكاء كجماعة من الأمريكان البيض

في أثناء الحرب الكبرى الماضية قيس ذكاء أفراد الجيش الأمريكي، وكان بينهم جماعات ذوو جنسيات أوربية مختلفة: إنجلترا، وهولانديون، ودنماركيون، وإيطاليون الخ. وقد استغل علماء النفس نتائج اختبارات الذكاء في معرفة ما إذا كانت هناك فروق ذكائية بين الأمم الأوربية ممثلة في جماعات الجيش الأمريكي. درست النتائج دراسات إحصائية مطولة، وكان ترتيب الأمم ترتيباً تنازلياً بحسب الذكاء هو:

(1) إنجلترا (2) اسكوتلندا (3) هولندا (4) كندا (5) ألمانيا (6) الدانمراك (7) السويد (8) النرويج (9) ايرلندا (10) النمسا (11) تركيا (12) الروسيا (13) البلجيك (14) اليونان (15) إيطاليا (16) بولندا

والمتأمل في هذا الترتيب يرى أن سكان الأقطار الأوربية الشمالية (الجنس الشمالي) أذكى من سكان الأقطار الأوربية الوسطى (الجنس الألبي) وهؤلاء أذكى من سكان أقطار البحر الأبيض المتوسط. وقد وجِّهت انتقادات كثيرة لهذه النتيجة السابقة، أهمها هو أن هذا الترتيب لا يصح أن يؤخذ على أنه ترتيب الذكاء الفكري عند هذه الأمم. وهذا انتقاد وجيه، ولكن أقل ما يدل عليه هذا الترتيب هو مقدار تأثير التربية المدرسية والثقافة الاجتماعية في إظهار ذكاء الأمم

وثمة اختبارات أخرى أجريت على صبيان ولدوا في الولايات المتحدة وآباؤهم من جنسيات مختلفة، وكانت أعمارهم تتراوح بين الخامسة والنصف وبين الثامنة عشرة. وكان هؤلاء الصبيان يتعلمون في المدارس العامة وقد بلغ عدد من اختبر ذكاؤهم 5504 تلميذ، وكانت تربيتهم المدرسية متشابهة بصفة عامة، كما كانوا يعيشون في بيئات متجاورة ومتقاربة الثقافة. وكانوا جميعاً يعرفون اللغة الإنجليزية بجانب لغتهم الأصلية. وقد رتبت نتيجة ذكائهم ترتيباً تنازلياً، فكان الترتيب كما يأتي:

اليهود البولنديون، السويديون، الإنجليز، اليهود الروس، الألمان، اللتوانيون، الأيرلنديون، الكنديون البريطانيون، الروس الخلص، البولنديون الخلص، الإغريق، الإيطاليون، الكنديون الفرنسيون، البرتغاليون. وسأترك للقارئ المقارنة بين هذه النتيجة ونتيجة الاختبارات السابقة لها

هذا وخلاصة القول هي أن علماء النفس متفقون على أن الاختبارات التي أجريت حتى الآن تدل على وجود فروق ذكائية بين الأمم المختلفة. ولكنهم مختلفون في سبب هذه الفروق؟ أهي فطرية جنسية، أم بيئية ثقافية، أم هما معا؟ والجمهور على الرأي الأخير.

عبد العزيز عبد المجيد