مجلة الرسالة/العدد 377/مطالعات عابرة

مجلة الرسالة/العدد 377/مطالعات عابرة

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 09 - 1940



العقل عند المعتزلة

للأستاذ صلاح الدين شريف

المعتزلة من أعلى الفرق الإسلامية تفكيراً وأخصبها إنتاجاً وأبعدها أثراً في فسح آماد الفقه وتقعيده على قواعد من المنطق لم تكن لجدتها مألوفة ولا مقبولة من جمهور فقهاء الإسلام. وهي إلى التزامها جانب الطرافة في التفكير وأخذها النفس بتحكيم العقل الإنساني في تفسير ما تبهّم من معميات الوجود وألاغيز النفس وأسرار العمران البشري، ليست تنجو من إغراق وتطرّف لعلهما كانا لازمة من لوازم النفاح عن العقيدة والوثوق بما يرتئيه العقل من رأي، وما يتأدى إليه التفكير العميق من مبدأ، وما يرتصد له من فكرة. وليس بعجيب البتة أن يسبق رجالها إلى استنباط فكرة (القانون الطبيعي) الذي يستلهم دستوره في التشريع واستنباط الأحكام من وحي العقل الخالص من لوثة الهوى، المصون من نزوة الغريزة؛ وهم الذين تطلّقوا في النظر والبحث من قيود التقليد وتحرروا من اندفاع المجاراة، فلا جرم تتبدى ثمرات قرائحهم في مسوح من الغرابة، ولا يقبل على تناولها جمهور الأمة الإسلامية وقتئذ إلا في كثير من الحذر والشك والتحرج والارتياب!

كانت الحركة الفقهية في مطالع النهضة العامة للمجتمع الإسلامي وفي أواخر عهد الراشدين وطيلة خلافة الأمويين فالعصر الأول من دولة العباسيين، قد اتخذت أسلوباً من النشاط ولوناً من النماء لم يعهده هذا المجتمع من قبل، فكان طبيعياً أن يتأدى بالفقهاء نشاطهم إلى ولوج أحرج مشاكل الفقه، وأكثر موضوعاته جفافاً وعمقاً. وكان حتماً أن تقودهم عقولهم المتلهفة العطشى إلى النظر في فلسفة التشريع والبحث في حقيقة المبادئ والقواعد التي تسير عليها أحكام الله وأحكام الإنسان، ليتخذوا من هذه وتلك دستوراً لا يخطئ في فهم المشيئة الإلهية والحكم على حُسن أو قبح ما يتهدى إليه تفكير الإنسان، وما يطوعه له كسبه الاختياري المركوز في طبيعته من أقوال وأفعال.

فلما اتفق جمهور الأمة الإسلامية على أن مُعرّف حكم الله بعد مجيء الرسل هو الرسول نفسه الذي يتلقى عن طريق الوحي شرع السماء، ويبلغه إلى من بعث إليهم ليؤدي رسالته، ظهر فريقان كبيران من المسلمين حاول كل منهما أن ينفذ بالنظر العميق والذوق السليم إلى مظهر الوحي الإلهي من أمر أو نهي ليرده إلى أصله الذي صدر عنه ومبدئه الذي درج منه. فقال فريق (الأشاعرة): إن الله تعالى في أمره ونهيه وجماع تعاليمه التي يلقنها الأنبياء بالوحي، ليس يفعل سبحانه إلا ما يشاء ولا يشرع إلا ما يريد، فهو تعالى رب العالمين ومالك الملك كله لا يسأل عما يفعل؛ وينبني على هذا دستور الأشاعرة في التشريع السماوي، وهو أن ما يأمر به الله العلي القدير حسن جميل، وما ينهى عنه هو القبيح الرديء.

وأما المعتزلة فمال فقهاؤهم إلى النظر في صفات الله تعالى من لطف وحكمة ورحمة وعلم، وفضلوا أن يجعلوا منها مصدراً بدهياً لما يوحي به الله إلى رسله من نهج ومن شرعة. فهو على قدرته تعالى في تحريم ما شاء والأمر بما شاء، لا يخالف منطق العقل فيما نهى أو أمر؛ أي أنه تعالى لا يأمر إلا بما يراه العقل حسناً من قبل، ولا ينهى إلا عما يراه العقل قبيحاً من قبل.

والعقل أيضاً عند هذه الطائفة، هو المنظم لأحوال المجتمع الإسلامي قبل مجيء الرسل وبعث الأنبياء، فهو الذي يهدي الأفراد والجماعات إلى فعل ما يدركون أنه حسن بالفطرة، وهو دافعهم إلى أن ينتهوا عما بان قبحه وظهر ضلاله وخبثه وخالف حكم العقل مخالفة صريحة. وإذا كانت الجنة مثوى من أطاع شرع الله ونفذ أحكامه وانتهى بنواهيه، وإذا كانت النار قراراً لمن عصوا ربهم فارتكبوا محارمه وقارفوا مناكر ما نهوا عنه وصدوا عن سبيله، فإن العقل أيضاً هو المجيز المثيب وهو المعاقب المؤاخذ. فقدرة العقل على أن يستقل بإدراك الحسن والقبح في الأفعال، وعلى تقدير ما يترتب على فعل الحسن من استحقاق الثواب وما ينجم عن فعل القبيح من استحقاق العقاب، يصح أن يعد مصدراً لتعريف حكم الله تعالى ودستوراً، من باب أولى، لتشريع السماء، بله أحكام الفقهاء.

فالتشريع، سواء أكان من وحي السماء أم من وضع البشر في عصور ما قبل الرسل، يراه فقهاء المعتزلة كاشفاً ومقرراً لما أدركه العقل من قبل. فهو كما ذكرنا لا يستنكر إلا ما يراه قبيحاً، ولا يرضى إلا بما يراه حسناً. وفي كلا الحكمين يعتمد على فطرته الهادية وذوقه المرهف وإدراكه السليم. ولما كانت أحكام الله عند تشريعها قد قصد بها أن تحكم مصالح العباد وتنظم الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وبالجملة تهدي الناس إلى التي هي أقوم، ولما اقتضت حكمته تعالى ورحمته بعباده أن تجيء شرائعه معقولة مفهومة من أولئك المطالبين بالأخذ بها والتسليم لها، كان (واجباً) على الله سبحانه أن يشترع لعباده الأصلح الذي يغني والأقوم الذي يهدي، وكان (حراماً) عليه أن يترك هذا الأمر لا ضابط له!. . .

ولعلنا لا يتداخلنا العجب بعد هذا الذي قدمناه، إذا رأينا المعتزلة يؤمنون بمبدأ (القدرية) حتى يغلب عليهم اسمه ويصير كنية لطائفتهم تمتاز به عن غيرها من الطوائف المتفرعة عنها. فهي ما دامت تقول بالعقل حاكما مطلقاً للحسن والقبيح من الأفعال، وما دامت تجعل منه دستوراً لا يخطئ في تفسير شرائع الله، وتنظيم مصالح العباد، واستنباط الأحكام للناس في دائرة المعاملة ومحيط المعاش، فإنها لن ينقطع بها تفكيرها عن درك هذه النتيجة المنطقية، وهي أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة، وأن الله تعالى منزّه عن أن يضاف إليه شر أو ينسب إليه سبحانه ظلم، لأنه لو خلق الظلم لكان ظالماً، وبالتالي لو خلق العدل كان عادلاً. فالحكيم عند المعتزلة هو من يفعل الخير لأنه الخير، ويتنكب سبيل الشر لأن شره واضح له، أو بمعنى آخر تتقاضاه الحكمة الراشدة والمعرفة الهادية أن يعتنق الحسن ليثاب عليه، ويصدف عن القبح خشية أن يجازى به، لأنه يحفظ بالأول أمر دينه ودنياه، ويخرج بالثاني على أمر عقله فيعصف بحياته ويكون خاسراً لدينه ودنياه.

ومن ثم كانت تكاليف الله التي أمر رسله أن يأخذوا بها العباد، هي بمثابة ابتلاء صادق للصالح والطالح من عباده. فمن هلك في الدنيا أو الآخرة لأنه صد عنها، فإنما يهلك عن (بينة) أي عن تعقل وتدبر، ومن صلح وزكا وحقق له مرافه العيش الدنيوي ومناعم الآخرة، فإنما كان ذلك عن بينة أيضاً، لأن أصول المعرفة وإن كانت مستمدة من العالم الخارجي الذي يتكنفنا وتقع عليه حواسنا، إلا أن إدراك مدلولاتها الحسنة أو القبيحة وشكران النعمة على هذا الإدراك إنما مصدرها العقل، فالإدراك الصحيح والشكران الحق واجبان على كل مكلف لأنه رزق العقل ووهب الاختيار في الكسب

وبعد فهل أصاب المعتزلة في فلسفتهم هذه، وهل هي تصلح بذاتها لتعريف حكم الله وتقعيد التشريع والفقه على العقل الذي يستقل بالقدرة على تنظيم العباد تنظيماً معقولاً مفهوماً يقربون به من الحسن ويبعدون به عن القبيح؟ قلنا إن الأشعرية يرون أن الحاكم على الأفعال بالحسن والقبح هو الله الذي لا سبيل للعقل في الحكم عليه لأنه سبحانه متعال عن أن يحكم عليه أحد من العباد فهو خالق أفعالهم وجاعل بعضها حسناً وبعضها قبيحاً، ويلاحظ أن في هذا أخذاً - إلى حدٍ ما - بمذهب الجبرية الذي يقول إن الله قدر الأفعال حسنها وقبيحها، على الناس أزلاً، فلا مجال لهم في كسب أو اختيار ما دام أن العبد لم يقدّر فعله، فضلاً عن أن الثواب والعقاب هما لله وحده وليس في طوق العبد أن يعلم بهما إلا منه تعالى.

والواقع أن الحسن والقبيح إذا تأملنا فيهما تأملاً تجريدياً حكمنا بحق أنهما ليسا صفة ذاتية في الفعل وليسا أمراً ثابتاً مستقراً فيه حتى يصح حكم العقل على حسن الفعل أو قبحه. والعقول بجانب هذا مختلفة متفاوتة لا تتفق في حكمها، بل إن عقل الشخص الواحد لا يثبت في حكمه على شيء من الأشياء على حالة واحدة، تبعاً لاختلاف المؤثرات الزمانية والمكانية وتفاوت التفكير قوة وضعفاً.

ونخلص من هذا إلى أن المعتزلة قالت بنظرية القانون الطبيعي قبل الغربيين بزمن مديد، وهي النظرية التي تجعل العقل البشري مصدراً للقانون يعلو على التشريع سواء كان صادراً من سلطة غير منظورة كالله، أو من سلطة منظورة كالسلطان (الإمام). فالعقل - كما يقولون - هو الذي يستقل بكشف قواعد هذا القانون ومبادئه الخالدة معتمداً في هذا على الإدراك الصحيح والذوق السليم.

صلاح الدين الشريف

المحامي