مجلة الرسالة/العدد 379/تحية إلى تاجور

مجلة الرسالة/العدد 379/تحية إلى تاجور

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 10 - 1940


للأستاذ عباس محمود العقاد

حيا الله تاجور وأبقاه!

إنه من ضيوف هذه الأرض المؤنسين، ينظر إليه الناس بينهم فيستحضرون الرضوان والأمان، وكما تنظر الأسرة إلى الأب الوقور بينها فتطمئن ولا تخشى، وإن لم يكن في يديه سلاح، ولم يكن للسلاح غنى إن كان في يديه.

أنبأنا البرق أمس أن تاجور يعاني شدة المرض في شيخوخته المباركة، فرجونا أن تظهر تحيتنا هذه عند ظهور الرسالة، وقد جاءت الأنباء بشفائه، وشفاء تاجور بشرى تعلنها في الهند أكبر جماعاتها وهيئاتها. كذلك أدركته الوعكة من قبل فلما شفى علمنا بشفائه من خطاب رئيس المؤتمر الهندي وهو يفتتح لجنته العليا، ويبدأ بإعلان بشرى الشفاء قبل البدء بأمر من الأمور الجسام التي كانت اللجنة العليا مجتمعة لها في تلك الجلسة.

قال جوهر لال نهرو: (إن هذه اللجنة تهنئ الأمة بعناية الله التي شفت لها الدكتور رابندرانات تاجور: رجل من أعظم أبناء الأمة الهندية).

ورجاؤنا أن نسمع مثل هذه البشرى في يوم قريب.

نقل البرق نبأ اشتداد المرض عليه صباح يوم الأحد، فخطر لنا أن نرجع إلى السنوية التاجرية لنستخرج منها الفأل فيما كتب فيها من أقوال تاجور بازاء اليوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر، ولكل يوم من أيام هذه السنوية كلمة أو بيت أو خاطرة من مأثورات الشاعر العظيم.

رجعنا إلى صفحة اليوم فإذا بها تقول: (إن العقل يتركنا بمعزل عن الشيء الذي يعرفنا إياه؛ ولكن الحب يعرفنا ما يعرفه بالامتزاج به والنفاذ إليه).

وإذا بها تقول: (إن العالم الإنساني هو عالم المرأة، سواء كان من شئون البيت، أو من الشئون التي تمتلئ بجهود الحياة التي تسمى جهود الإنسان).

وإذا بها تقول: (إن ظلال المساء تهبط كثيفة عميقة. . . افتح نافذتك إلى الغرب، وانغمر في سماء المحبة).

ثم رجعنا إلى صفحة اليوم الثلاثين، وهو اليوم الذي نكتب فيه مقالنا هذا، فإذا بها تقول: (هنا يموج البحر، وهنا أيضاً يستقر الشاطئ الآخر في انتظار الوصول إليه. . . نعم هنا الحاضر السرمدي، لا على مسافة منك ولا في مكان غير هذا المكان).

وإذا بها تقول: (إن نفس موسيقاك المحيي يسري من سماء إلى سماء).

وإذا بها تقول: (على جفنيك حياء عذب كأنه قطرة الندى على طرف الورقة الرفافة).

ومن عجب أن خطرات تاجور في هذين اليومين تلخص كل ما كتب تاجور، بل تلخص روح تاجور في أعماقها وحواشيها أجمل تلخيص.

صفاء وصوفية، وجمال وحنان كحنان الأم العطوف، وتفاؤل ورجاء وشدوٌ رفيق.

ذلك هو تاجور كله، سرمدي لا تقول هو الماضي ولا تقول هو الحاضر، وتهم بأن تقول: هو الهند فتسمع على البعد هامساً يقول: كلا، بل هو النفس الإنسانية في براءة الطفولة وحكمة الأجيال.

تاجور لا تروعه ضجة العصر الحديث فينسى الماضي الأزلي، ولا يستغرقه الماضي الأزلي فينسى ضجة العصر الحديث. هو كطائر الشفق الذي يرفرف بين النهار المولي والليل المقبل. لحظة هنا ولحظة هناك، ثم يغيب في القمراء لأنها ظل الصباح وغشاء المساء

أو كما يقول هو إن الماضي يحتوي الحاضر، والحاضر يفسر الماضي. . . أو كما يقول: وقّر الماضي ولكن لا تعش فيه.

أهو رجل إنساني؟

نعم، ولكنه لا ينسى الهند. فلما دعته جامعات كندا للمحاضرة فيها أبى أن يلبي الدعوة لأن الكنديين في ذلك الحين لم يعطفوا على القضية الهندية. ولما اضطرمت نار الخلاف بين بلاده والحكومة البريطانية رد ألقابه وشاراته إلى تلك الحكومة.

أهو رجل هندي؟

نعم ولكنه لا يتعصب ولا ينسى سماحة الروح، فقضى ما قضى من أيامه يدعو إلى اللغة البنغالية ليكتب بها الأدباء ويتعلم بها المتعلمون، ولكنه لم يتقيد بأصولها العتيقة التي لا موجب للتقيد بها. . . حتى كان الأساتذة الجامدون في الجامعات يمتحنون الطلاب بشذرات من كتب تاجور يفرضون عليهم أن يردوها إلى اللهجة البنغالية الصحيحة.

كذلك قضى ما قضى من أيامه يؤمن بالصوفية الهندية ويدعو إلى الإيمان بها، ولكنه سئل أن يختار نشيداً وطنياً فاختار نشيداً من الشعر الهندي القديم، فلما أبى المسلمون أن ينشدوه لأنه يذكر الآلهة العديدة قال تاجور: لقد أصابوا، فإني أنا أيضاً من الموحدين لخالق الكون العظيم. ثم أوصى بحذف الأبيات التي أباها المسلمون.

أهو شيخ في تفكيره؟

نعم هو يفكر تفكير الشيوخ ولم يتمرد قط تمرد الشباب. ونذكر في مصر أن شاباً مثقفاً لقيه مستأذناً في ترجمة بعض كتبه، فقال له ما معناه: لم العجلة يا بني؟ عند ما تبلغ سن تاجور تترجم معاني تاجور!

لكنه ربح جائزة نوبل وجاءه منها ثمانية آلاف جنيه، فبنى بها مدرسة جامعة لتعليم الشبان الحديث والقديم من العلوم، ولإنشاء جيل جديد غير الجيل الذي نشأ عليه ونشأ عليه آباؤه.

إذا شبهته فخير ما تشبهه به أنه نسيم لطيف لا يجمد في مكان ولا ينطلق انطلاق الرياح ليزعزع ما يقف في طريقه؛ ولكنه أبداً يحمل عطر الأزاهير في مروج البنغال.

يرى بعض الناقدين أن شعر تاجور يفقد كثيراً بالترجمة من البنغالية إلى الإنجليزية أو الفرنسية.

ويبدو لي أن هؤلاء الناقدين على صواب، لأنني سمعت تاجور يغني شعره البنغالي فأحسست لنغماته لطافة ووسوسة لا تنتقل بانتقال المعاني والكلمات.

إلا أن الخسارة الكبرى هي في نقل تاجور من البنغالية إلى الإنجليزية أو الفرنسية ثم في نقله من إحدى هاتين اللغتين إلى العربية.

وأخشى أن أقول إن هذه الترجمة قلما (تمسك) تاجور إلا كما تمسك الماء الغرابيل.

على أنه لو نقل إلى العربية كما نقل إلى الإنجليزية لما أمسكه من القراء إلا القليل، لأنه شعاع لا يوزن بميزان الشعر الذي يسيغه الأكثرون من أولئك القراء، وأدق موازينهم ميزان جواهر ودنانير.

قال لي أديب كبير كان من أوائل المحتفلين بشاعر الهند يوم عبوره بالديار المصرية: أنا لا أدري سر هذه الشهرة العالمية، وما أحسب إلا أن الدولة البريطانية بسلطانها وجاهها أرادت أن تظهر للعالم مبلغ آلائها على الهند فأبرزت هذا الشاعر مثلاً لما أفادت به أهل الهند من أدب وثقافة.

وكتب أديب آخر يعقب على التحية التي حييت بها تاجور في تلك الأيام فقال: أولاً نحسن نحن أن ننظم مثل هذا القصيد ونبدع مثل هذه الخواطر؟ فما بال العقاد لا يكبرنا كما يكبر هنديه تاجور؟. . . أم زامر الحي لا يحظى بإطراب!

وكل جواب لهذين القولين عبث، لأنه كجوابك من يقيس الجمال بعيون كعيون الغزلان، وفم كأنه خاتم سليمان، وبطن كأنه العجين الخمران، إذ أنت تنظر إلى عين تناجيك بمعناها وفم يجتمع فيه شعور روح، ويبدو أن على (خلاف الشروط) أقرب إلى الدمامة منهما إلى الجمال!

إنني أقرأ تاجور فلا أقول أصاب أو أخطأ وأبدع أو جاء بالكلم المطروق.

وإنما أقرأه وألتمس عنده (نفحة نفس لطيفة) وأنا على ثقة أنني وأجدها في كل ما ينظم وكل ما ينثر وكل ما يتخلل عباراته من صمت بعيد الغور مشبع بالهداية والإيحاء.

خذ لذلك مثلاً قوله: (كل طفل يولد في العالم هو آية على أن خالق الكون سبحانه لم ييأس من الإنسان).

هذه نفحة نفس محبة لا شك فيها، وإذا كان الشرط الأول من شروط الشعر أنه تعبير عن نفس إنسانية فقد وفى تاجور الشروط كلها في كلماته تلك، لأنك تعرف نفس تاجور بتلك الكلمات معرفة لا يضيرك بعدها أن تقيسها بالبرهان فلا تثبت على القياس، ولا تجيبك إذا سألت: وما القول في كل بيضة جديدة تلدها الحية الرقطاء؟

بيد أنك تقرأ لتاجور مع هذا حكمة إلهية لا ينقضها ناقض ولا تزال مطردة أتم اطراد مع نفحاته اللطاف.

سأله تلميذ من تلاميذ مدرسته: ما هذا النظام الكوني الذي نعظمه ونمجده ولا فرق فيه بين الإنسان والجماد؟ إن الريح العاتية لتعاملني حين تلقاني كما تعامل صخرة أو شجرة، فأين النظام الذي يزن كل شيء بميزانه؟

فكان جواب تاجور: أتود أن تكون لك روح ولا تنفصل مما حولك كأنك القطرة في الغمار؟ إنك إذن تفقد روحك وتزول من حيث أنت إنسان منفصل عن عالم الجماد. . . أم تود أن تنفصل عن عالم الجماد ولا تشعر به نافعاً وضاراً على اختلاف كما ينبغي الشعور بجميع المختلفات؟ إنك إذن تقضي على الكون بزوال الحركة وقانون النظام.

وما أرى أن حجة الشر في الدنيا قوبلت بحجة أصدق من هذه الحجة على ما فيها من لطافة وشاعرية.

ومن الذي ينقض حجة الشر بهذا الكلام؟ تاجور الذي أصيب من الشرور بالشيء الكثير، فماتت أمه وهو صغير، وماتت زوجه وبنته وهو كهل، وذاق من كيد الناس ما ينغص الحياة.

حياه الله وأطال حياته، فإنه من زينة الدنيا التي لا تعوض في هذا الزمان.

عباس محمود العقاد