مجلة الرسالة/العدد 380/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة/العدد 380/الحديث ذو شجون

ملاحظات: بتاريخ: 14 - 10 - 1940


للدكتور زكي مبارك

(اللغة العربية في المدارس الأجنبية - كلمة صريحة إلى

مدرسي اللغة العربية بتلك المدارس - إلى الوكيل المساعد

لوزارة المعارف - أسئلة وأجوبة - القلب الذي تلفت فرأى

وسمع)

اللغة العربية في المدارس الأجنبية

تحت هذا العنوان نشرت (الرسالة) بحثاً سمته (توجيهات لأحد المشتغلين بشئون التعليم) فهل أستطيع التعقيب على هذا البحث أداءً لحق الواجب في أمثال تلك الشؤون؟

اهتم ذلك الباحث بتصوير حال اللغة العربية في المدارس الأجنبية وشغل نفسه وشغل القراء بالنص على ما يجب من حرص وزارة المعارف على الاهتمام بالتفتيش والاهتمام بالمواد التي تكون الثقافة للمصرية رعاية لمصاير التلاميذ المصريين بالمدارس الأجنبية.

وأقول إن الباحث لم يأت بجديد: فوزارة المعارف لا تحتاج إلى من ينبهها إلى التدقيق في التفتيش على المدارس الأجنبية، ولا تحتاج إلى من يدلها على أهمية الحرص على تدريس المواد التي تكون الثقافة المصرية بالمدارس الأجنبية، فمن المعروف أن معالي الدكتور هيكل باشا معنى بهذه الشؤون عناية جدية، ونظار تلك المدارس يعرفون عنه هذه العناية، وهم يبذلون جهوداً محمودة في تحقيق هذه المطالب.

ولكن المهم هو النظر في الوسيلة التي تمكن وزارة المعارف المعاونة على تحقيق تلك الأغراض، وهي وسيلة معروفة، ولكن معالي وزير المعارف يتجاهلها مراعاةً للظروف الاقتصادية، وليست هذه أول مرة يكون فيها (تجاهل العارف) من صور الكلام البليغ؟!

الحق أن معالي هيكل باشا يعاني صعوبات كثيرة في تدبير المال المطلوب لتحقيق ما يصبوا إليه من كرائم الأغراض، وهو يتلطف ويترفق في كل وقت ليقنع وزارة المالية بأن للتعليم شؤوناً هي من أوائل الضروريات، وأن الاقتصاد فيما يمس شؤون التعليم قد يك من الشح البغيض.

وهنا أجد الفرصة لإقناع معاليه بأن تقوية اللغة العربية في المدارس الأجنبية لن تضطره إلى الوقوع في نزاع مع وزارة المالية، فهو يستطيع أن يدبر بكل سهولة أن يدبر أربعة آلاف جنيه للشروع في تحقيق ذلك الغرض النبيل، ومن هذا المبلغ تقدم الإعانات لعدد كبير من المدرسين الفنيين في المدارس التي تتطلع إلى إعانة وزارة المعارف. . . ولمعاليه أن يتصور كيف يكون فرح اللغة العربية بهذه الأربعة الآلاف وهي مبلغ ضئيل بالقياس إلى ما تجره من النفع الحق في تقوية اللغة العربية بالمدارس الأجنبية.

بأربعة آلاف فقط، وهي مبلغ يقدم لمدرسة واحدة من المدارس المصرية، بأربعة آلاف فقط يشهد التاريخ بأن معالي الدكتور هيكل باشا قدم يداً كريمة للمدارس الأجنبية، وبأربعة آلاف فقط يشهد الأجانب بأن المصريين يعرفون معنى الحرص على إعزاز اللغة القومية.

وقد أمضي إلى نهاية الشوط فأقول: إن معالي الدكتور هيكل باشا يستطيع أن يصدر قراراً باعتبار مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية مدرسين منتدبين من وزارة المعارف كالمدرسين الذين ينتدبون للتدريس في الحجاز والشام ولبنان والعراق، وعندئذ يعرف هؤلاء المدرسون أن لهم حقوقاً محفوظة في الأقدمية والترقية فتقل رغبتهم في التطلع للالتحاق بالوظائف الحكومية، ويشعرون بأنهم في رعاية الدولة، وبأنهم ليسوا من المنسيين، وبأن من الهوان أن يردوا إلى مدارس الحكومة، لأن ذلك معناه أنهم عجزوا عن الظفر بثقة المدارس الأجنبية، وهي ثقة لها معنىً دقيق.

فما رأي معالي هيكل باشا في هذين الاقتراحين؟ وما رأيه إذا صارحته بأن اهتمامه بمصاير اللغة العربية في المدارس الأجنبية لن يؤتي الثمرات المرجوة إلا بتحقيق هذين الاقتراحين؟

يجب أن يذكر معالي هيكل باشا أن المدارس الأجنبية في طريق التمصر والاستعراب، وهي خطوات تستأهل التشجيع، فإلى من نتوجه إذا بخل بهذا التشجيع، وله أبناء يتعلمون بالمدارس الأجنبية، ولهم عليه حقوق؟

ولو كنت أعرف أني أحرج معالي وزير المعارف بهذين الاقتراحين لما استبحت نشرهما بطريقة علنية، وإنما أعرف أنه اهتم بهذه المسألة مرات كثيرة، ولم يعد من الأسرار أن يقال إنه يبالغ في الحرص على إنهاض التعليم الحر، وفي نفسه أن ذلك طريق لجذب المدارس الأجنبية إلى تقوية مواد اللغة العربية والثقافة المصرية عساها تستطيع الظفر المطلق بثقة آباء التلاميذ في زمن لم يبق فيه مجال للحياة في مصر أمام الشبان العاجزين عن مسايرة المجتمع المصري، وهو مجتمع يعبر عن مطامحه في المجد والحياة باللغة العربية.

كلمة صريحة

هي كلمة أوجهها إلى مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية، فأغلب أولئك المدرسين ينسون أو يتناسون أن وجودهم بتلك المدارس فرصة ثمينة لتعلم اللغات الأجنبية، والتعرف إلى ما عند الأجانب من آداب ومذاهب في الميادين الاجتماعية والاقتصادية.

كنت أرجو أن يفهم من يشتغل بالتدريس في مدرسة فرنسية أو إنجليزية أو إيطالية أو ألمانية أنه انتقل إلى جو من أجواء باريس أو لندن أو روما أو برلين.

ولكن أولئك المدرسين يعيشون بمعزل عن الجو الروحي لتلك المدارس، وتظل صلاتهم بها صلات منافع تحد بحدود المرتب ولا تجاوزه إلا في قليل من الأحايين، وتكون النتيجة أن ينعدم التآلف والتعاطف، ولذلك تأثير في سير الأعمال المدرسية، لأن التجاوب الروحي بين النظار والمدرسين يعاون على تخفيف ما في مهنة التدريس من أعباء ثقال

أنا أحب لمن يشتغل بتدريس اللغة العربية في مدرسة أجنبية أن يضمر في قرارة نفسه أنه لن يفارق مدرسته أبداً وأنه سيجعلها داره إلى أن يفكر في الراحة من عناء التدريس

وقد اتفق لي فيما سلف أن أقضي أعواماً كثيرة في التدريس بالمدارس الأجنبية، وما أذكر أبداً أني لقيت من أصحابها ما أكره، وما زلت أذكر بالخير والعطف والحب أيامي بالليسيه فرانسيه والجامعة الأمريكية، وإن كنت أذكر بالحسرة واللوعة أنه فاتني أن أنتفع بصحبة أولئك القوم أكثر مما انتفعت، فقد كانت قلوبهم مفتوحة أمامي، وكنت أستطيع الانتفاع بمعارفهم وتجاربهم في كل وقت.

وخلاصة القول أنه يجب على مدرسي اللغة العربية بالمدارس الأجنبية أن يعتبروا أنفسهم في دورهم، وأن ينسوا أنهم (أجانب في دور الأجانب)، فما كانوا ولا كان رؤسائهم بتلك المدارس إلا جنوداً في الميدان العلمي، وهو ميدان تظهر فيه المواهب وتختفي الأجناس.

إلى الوكيل المساعد لوزارة المعارف

لم يتفضل سعادة الأستاذ شفيق غربال بدعوتي إلى الاشتراك في اللجنة التي ألفها لوضع القواعد الأساسية لاختيار المدرسين الذين ينتدبون للتدريس بمدارس العراق، ولم أتطفل فأتشرف بعرض آرائي عليه في هذا الموضوع الدقيق، وليتني فعلت فقد يجب التطفل في بعض الأحيان!

فماذا صنع وصنعت اللجنة البصيرة بالعواقب؟!

أعلنوا في الجرائد عن موضوع يضر فيه الإعلان أكثر مما ينفع، فاستجاب لهم مئات المدرسين، إن صح ما أذيع!

فهل من الحق أن عندنا مئات تسمح لهم المواهب والكفايات بأن يكونوا أساتذة بالمدارس الثانوية والعالية بالعراق؟ ولنفرض أننا نملك هؤلاء المئات من المدرسين الأكفاء، فهل نراهم جميعاً صالحين للتمرس بأعباء مهنة التدريس في ديار الرافدين؟

لم يبق إلا أن نتخير، ولكن كيف نتخير عشرات من أولئك المئات؟ وقد تخيرنا بالفعل، فماذا وقع؟

وقع أن بعض من تخيرناهم عادوا فآثروا التخلف، فهل فكرت الوزارة في معاقبة أولئك الجنود الفارين، وقد اكتفوا من التشريف بخطورهم في بال وزارة المعارف؟

يجب أن تكون للوزارة سياسة ثابتة في هذه الشؤون، ويجب أن تكون عندها إحصائية دقيقة بالمدرسين الذين يصلحون لأمثال هذه الواجبات وعندئذ يكون من حق الوزارة أن تنقل المدرس المنشود من القاهرة إلى بغداد أو البصرة أو الحلة أو الموصل كما تنقله من القاهرة إلى دمنهور أم المنصورة أو أسيوط أو أسوان، ثم لا يكون من حق ذلك المدرس أن يتخلف لأنه جندي ينقل من ميدان إلى ميدان

أكتب هذا وأنا أعرف أن وزارة المعارف العراقية في انتظار جواب وزارة المعارف المصرية عن هذا السؤال: (ما الرأي في المدرس الذي يتخلف عن موعد افتتاح الدراسة أسبوعاً أو أسبوعين أو أسابيع، وإلى من يحتكم التلاميذ الذين تضيع منافعهم بتخلف المدرسين؟).

ولكن لا بأس، فالمصريون والعراقيون أشقاء، ومن واجب الشقيق أن ينسى تقصير الشقيق، فهو على كل حال أخ (شفيق)!

أسئلة وأجوبة

استطاع الأديب الذي وجهنا إليه عشرة أسئلة حول بيت من الشعر وقعت فيه غلطة مطبعية لا تحتاج إلى عناء في التصحيح، لأنها لا تزيد عن التنبيه إلى أن خبر المبتدأ واجب الرفع، استطاع ذلك الأديب أن يجيب إجابة صحيحة عن ثلاثة أسئلة، وأن يشرع في الإجابة عن سؤال رابع، ثم حاول الإجابة عن سائر الأسئلة فلم يوفق، فأرجوه أن ينظر من جديد في الأجوبة التي ظنها تخرجه من ذلك الموقف المحرج، إن كان يهمه أن يقال أنه سئل فأجاب

وليعرف إن لم يكن يعرف أني لا أعادي قرائي، وإنما أهتم من وقت إلى وقت بجذبهم إلى المراجعة والاستقصاء، فإن كان تأذى من هجومي عليه فليذكر أني أتحت له فرصة ثمينة للنظر والتعقيب. وقد كنت هممت بشرح الأخطاء التي وقعت في أجوبته (السديدة) ثم رأيت أن أكل ذلك إليه، فتلك فرصة لمحاورة نفسه في الخطأ والصواب.

القلب الذي تلفت

جاء في الكلمة الروحية التي نشرتها (الرسالة) للأستاذ محمد البشبيشي أن قلبه تلفت فرأى وسمع، ثم أكد المعنى فقال

(يا دكتور، إن القلوب لتسمع وترى وتتلفت).

هو ذلك، يا صديقي، منذ الفطرة الأزلية، أو منذ اليوم الذي (تلفت القلب) فيه عند وقفة الشريف الرضي على ديار بعض الأحباب.

ولكن أين حظي من حظك، يا صديقي؟

وما كاد قلبك يتلفت إلى صاحب (النثر الفني) حتى رأيت وجهه وسمعت صوته في مدينة جميلة هي المنصورة العصماء.

وقلبي يتلفت ويتلفت منذ شهور طوال طوال طوال إلى روح غالية كانت خلائقها الروحانية هي الشاهد على أن في دنيانا نسائم من فراديس الجنان.

وعلى طول التلفت والتسمع (تلفت القلب وتسمع القلب) لم أظفر من أخبارها بشيء؛ ولعل الشريف كان في مثل حالي يوم قال:

ومن حَذَر لا أسأل الركب عنكم ... وأعلاقُ وجدي باقيات كما هيا

ومن يسأل الركبان عن كل غائب ... فلابد أن يلقى بشيراً وناعيا

فماذا تضمر الدنيا في أيامها المقبلات؟

وماذا عند القدر من مكنون النعيم أو الجحيم للقلب الذي صير الحديث عن الحب شريعة من شرائع الوجود؟

أين بائع النسيان، يا صديقي، وأين بائع السلوان؟

وأين من يوهمني بأن تلك الزهرة لم تكن نفحة سماوية وإنما كانت نفحة أرضية لا نصيب لأرجها العطر من روح الخلود؟

لقد بدأ قلبي يخمد من لفح اليأس، وإن دام هذا الحال فلن ترى في أحاديثي إليك غير التوجع للقلب الذي أضاعه تقلب القلوب.

وما ذنبي عند تلك الروح؟

ذنبي وذنوبي وعيبي وعيوبي أن لم أطعها بالافتضاح بالحب ولم أسطر في هواها مئات الصفحات كما صنعت مع (ليلى المريضة في العراق) كأنما كان مكتوباً علي أن أقضي الدهر في الهيام بالعيون العسلية والعيون السود، عيون أهل القاهرة وعيون أهل بغداد، والله هو وحده الذي يعلم مواقع هواي، فلن أطيع تلك اللئيمة في الترحيب بمآثم الافتصاح.

وما الموجب لقتل الوقت والعافية في تذكر القلوب الغوادر، وفي دنيانا تكاليف تميد من أثقالها الجبال؟ ما الموجب؟!. . . الموجب معروف وهو الوثاق المسطور في اللوح المحفوظ بألا تعيش روح إلا مجذوبة إلى روح.

أما بعد فإن قال قوم أني كاذب في الحب فقد صدقوا، وإن قال قوم إني صادق في الحب فقد صدقوا، فأنا كاذب في تصوير ما أعاني من شقاء: لأن الواقع يشهد أن الحب لم يشغلني عما أضطلع به في حياتي الخصوصية والعمومية من أعباء ثقال؛ وأنا صادق في تصوير ما أقاسي من لواعج وأشجان: لأن الواقع يشهد أيضاً أن حياتي لم تخل من التأثر بمكايد السحر والفتون.

كم تمنيت أن أكون في الحب من الكاذبين! وكم تمنيت أن أكون في الحب من الصادقين، لو كان في المقدور أن ينال الرجل ما يتمناه! وأنا على كل حال أحكمت أحبولة الرياء فقلت ما قلت وأنا في أمان من كيد الوشاة والعذال. . . وكيف يعظم علي الرياء وأنا أول من تقرب إلى الله بالرياء؟

إني أرائي من أحب، ولكني لا أرائي من أبغض، فلأعدائي الويل إن توهموا أني سأجازيهم رياء برياء. كتب الله لي في تأريق جفونهم الهواجد أجر المجاهدين.

زكي مبارك