مجلة الرسالة/العدد 39/الإسماعيلية الملقبون بالحشاشين

مجلة الرسالة/العدد 39/الإسماعيلية الملقبون بالحشاشين

مجلة الرسالة - العدد 39
الإسماعيلية الملقبون بالحشاشين
ملاحظات: بتاريخ: 02 - 04 - 1934



مقدمة

هذا بحث موجز لطائفة الإسماعيلية التي عرفت أخيرا عند أهل التاريخ بطائفة الحشاشين، والتي تركت في تاريخ الإسلام في القرن الرابع الهجري أثرا كبيراً، وتاريخ الإسماعيلية قديم يرجع إلى عام ثمانمائة وأربعين للميلاد، بعد ان أنتشر الدين الإسلامي وساد كثيراً من الأقاليم والبلاد، فقام بانتشاره دعاة في أقاصي الجهات وأدانيها يحاولون الحط من قدر الرسول، ويخترعون الأحاديث الملفقة اختراعا يقلل من هيبة الدين الإسلامي، وينزل به من مستواه الرفيع، وكان انشط أولئك القوم وأكثرهم تحمسا (ابن ديصان) ويقال انه الجد الأعلى لعبد الله المهدي الفاطمي صاحب الدعوة بأفريقية، فقد كان يكره بني العباس ويود لخلافتهم الزوال، فبث دعاته في بلا د الفرس حوالي عام840 م حيث تبعه خلق كثير، وألف كتابا في الزندقة سماه (الميزان) وألف ممن تبعوه عصابة سرية نسبتنفسها إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسميت بالإسماعيلية، ثم انتشر اتباعه بمرور الزمن في جزيرة العرب والشام وأفريقية، وظلوا نحو قرنين ونصف قرن، تسري تعاليمهم في جسم الدولة الإسلامية كسريان السم في العروق، حتى جعل منهم الحسن (ابن الصباح) أخيراً عام تسعين وألف للميلاد طغمة سياسة تقلب الممالك وتخرب العامر من الديار، وتسفك الحرام من الدم، وتعمل في مختلف البلدان سلبا ونهباً وقتلاً، وتدمن تعاطي الحشيش حتى لقبوهم بالحشاشين وسماهم الفرنجة وأطلقوا هذا الاسم على كل قاتل سفاك، وبقوا على تلك الحال حتى قضي عليهم عام 1256م، أي سنة 654 هـ بوفاة خليفة الحسن ابن الصباح الأخير ركن الدين بن محمد، ولا يزال للإسماعيلية إلى يومنا هذا اتباع ومريدون، ولكن شتان بين مالهم الآن وما كان لهم في تلك القرون الغابرة من قوة وسلطان، وهم متفرقون في فارس والهند، وزعيمهم آغا خان الهندي الثري المعروف.

وقد كان لتلك الطائفة عدا اسم الإسماعيلية أسماء أخرى فسموا بالقرامطة نسبة إلى قرمط إحدى قرى البحرين التي تفشى فيها مذهب ابن ديصان في القرن الثالث الهجري بدعوة من رجل يقال له حمدان قرمط، يقول ابن خلدون (وكان من هؤلاء الإسماعيلية القرامطة واستقرت لهم دولة بالبحرين، وكان من أسمائهم (الباطنية) وذلك لأنهم كانوا يبط دعوتهم وينشرونها متكتمين في عهد المستضيئ العلوي لابنه نزار، وقيل إنما سموا بذلك أيام الحاكم بأمر الله العبيدي الذي انشأ في القاهرة في القرن الثالث الهجري مدرسة سماها دار الحكمة كان الطلاب يعلمون فيها معنى مكتوما لمتن القرآن، وسواء أكان السبب هذا أم ذاك، فالتسمية راجعة إلى تكتم القوم في دعواهم وتعاليمهم. وكان من أسمائهم أيضاً اسم الحشاشين، وقد لقبوا به اخيراً، واطلق على طائفتهم التي عاشت أيام الصليبين. وسنذكر فيما بعد اثر ذلك المخدر عندهم، وكيف استغلوا فعله في قضاء مآربهم. وسموا كذلك بالفدائية لأنهم كانوا يجعلون انفسهم، وخاصة في عهدهم الأخير، فداء لرئيسهم ينفذون أوامره ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس في سبيله. والمصادر الشرقية تطلق عليهم غالبا اسم الإسماعيلية والملاحدة والنزارية. وهذه الأسماء الكثيرة هي لطائفة واحدة تعددت باختلاف الملابسات والظروف. فهم إسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر، وهم فدائية لأنهم يضحون بأنفسهم فداء لرئيسهم، وهم ملاحدة لأنهم عند البعض ينكرون الإله، وهم قرامطة نسبة إلى قرمط وهكذا. . غير ان اسم الحشاشين هو الذي عرفوا به آخر أمرهم.

مذهب الإسماعيلية

كان للسريان الفضل في نشر الفلسفة اليونانية، وخاصة مذهب الأفلاطونية الحديثة في العراق وما حوله، وقد ترجموا الكتب من اليونانية إلى السريانية فانتشرت فيما بين النهرين، وكان من اشهر رجال الدين والأدب من السريان الذين عرفهم المسلمون برديصان أو ابن ديصان، وقد توفي سنة 222م وله مذهب ديني يجمع بين اليونانية والنصرانية ينكر فيهبعث الأجسام ويقول إن جسد المسيح لم يكن جسما حقيقيا بل هو صورة شبهت للناس أرسلها الله تعالى. وله تعاليم أخرى بقيت بعد الإسلام. ومنها استمد الرافضة بعض أقوالهم. وقد انتسب إليه بعضهم كأبي شاكر الديصاني الذي بعث دعاته في بلاد الفرس والعرب والشام وجمع حوله اتباعا وأنصارا نسبوا أنفسهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسموا بالإسماعيلية وهم غلاة الرافضة. يقول ابن خلدون (افترق الرافضة فرقتين: الاثنا عشرية والإسماعيلية، تلك بعض تعاليمهم أول أمرهم وقد انقلبوا أخيرا إلى فرقة سياسية تعمل على هدم الخلافة العباسية، ولم يعد لهم (مذهب) بالمعنى الصحيح يدعون إليه، وكانوا في العراق يطلق عليهم اسم القرامطة حتى تولى زعامتهم الحسن بن الصباح فلقبوا بعده بالحشاشين، ونحن نجمل تاريخهم قبل زعامته التي بدأت عام 483 هـ وانتهت عام 518 هـ.

بدء القرامطة:

كان لبدء ظهورهم في البحرين على يد رجل يعرف بيحيى بن المهدي نزل في قطيف على رجل يدعى علي بن المعلي بن حمدان مولى الزيادين، وكان يغالي في التشيع، فاظهر له يحيى انه رسول المهدي، وكان ذلك سنة 281 هـ؛ وذكر انه خرج إلى شيعته يدعوهم إلى أمره وان ظهور المهدي قريب، فأرسل علي بن المعلي إلى شيعته من أهل القطيف فأقرأهم كتاب يحيى الذي زعم انه من المهدي فأجابوه، وكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنابي الذي تولى الزعامة فيما بعد وخلفه فيها ابن الصباح، وظل يحيى يغيب عنهم ثم يعود إليهم، وفي كل مرة يطلب منهم المال زاعما انه يذهب به إلى المهدي. وفي عام 289 ظهر بالشام رجل قرمطي اسمه ذكرويه بن نهرويه يدعو إلى مذهب القرامطة، ولقبه اتباعه بالشيخ، وزعم انه من أحفاد إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، واستفحل أمره فسير إليه المعتضد جندا ظفروا باتباعه واسروا رئيسهم أبا الفوارس. وهنا نذكر ما دار بين أبي الفوارس والمعتضد حين جاءوا إليه به لنتبين شدة القوم وجرأتهم على خلفاء العباسيين، يقول ابن الأثير (فأحضره (المعتضد) بين يديه وقال له اخبرني، هل تزعمون إن روح الله وأرواح الأنبياء تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال له يا هذا إن حلت روح الله فينا فما يضرك، وان حلت روح إبليس فما ينفعك، فلا تسأل عما لا ينفعك وسل عما يخصك، فقال له وما تقول فيما يخصني؟ قال أقول أن رسول الله مات وأبوكم العباس حي، فهل طلب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبو بكر فأستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص له، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة انفس ولم يوص له ولا ادخله فيهم، فماذا تستحقون الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها. فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه) فهذا الكلام وتلك اللهجة التي يخاطب بها أحد زعماء القرامطة خليفة المسلمين تدل دلالة واضحة على استبسال القوم وجرأتهم في الإفصاح عن آرائهم ومذهبهم، وقد ظل القرامطة بعد المعتضد في حروب مع المكتفي ومن بعده من الخلفاء طوال القرنين الثالث والرابع إلى قبيل منتصف القرن الخامس يهزمون ويهزمون، حتى دوخوا الدولة وشقيت بهم الناس، وعانت الدولة العباسية في سبيل قمع حركتهم جهدا كبيراً، وشغلوا بحركاتهم الهجومية جانبا عظيما من وقت الخلفاء فحشدوا لهم الجيوش يقاومون دعوتهم الجريئة وخروجهم عليه، وكثيرا ما انهزمت جيوش الخلفاء أمام جيوشهم واستماتتهم في الدفاع، وكم من غنائم ظفروا بها وأرواح أودوا بأصحابها، وكم من أسرى قتلوهم وصفدوهم بالأغلال. واظهر ما في تاريخهم في تلك السنوات العديدة أعمالهم الوحشية واتخاذهم القتل والتعذيب وسيلة إلى دعوتهم ونشر مذهبهم، وأشنع من ذلك اعتداؤهم على قاصدي بيت الله يقتلونهم ويسلبونهم أموالهم وينشرون الرعب في القلوب حتى قل زائرو الكعبة وانقطعوا عن الحج في بعض السنين، وقد سودوا صحيفتهم بالاعتداء على الحجر الأسود ونقله إلى أحد حصونهم حيث بقي فيه نحو اثنتين وعشرين سنة.

هذه الفئة التي أجملنا تاريخها إلى عام 436 وفيه أوقع صاحب ما وراء النهر بجموعهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها منهم والذي أسرفنا في إجماله حتى لا يمل القارئ من تفصيل الحروب وكثرة المواقع، هذه الفئة هي التي ازدادت شوكتها قوة وأمرها خطرا وسدرت في أعمال القتل والنهب وأمعنت في تعاطي الحشيش واستمرت خداع الناس وفتنتهم عن دينهم، وذلك بظهور الحسن ابن الصباح وتوليه زعامتها عام 483 هـ فجعل منها عصابة سياسية مجرمة ديدنها أن تعيث في الأرض فسادا تقتل وتنهب وتقلق الوادعين. تلك هي طائفة الحشاشين في نهاية القرن الخامس الهجري وقبل أن نشرح أعمالها نتكلم عن زعيمها هذا وكيف وصل إلى زعامة القوم فهوى بهم إلى الحضيض الأسفل من الأخلاق والسلوك.

محمد قدري لطفي ليسانسيه في الأدب