مجلة الرسالة/العدد 395/رسالة الفن

مجلة الرسالة/العدد 395/رسالة الفن

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 01 - 1941



شيء فظيع

أربعة قتلى، والخامس له الله

للأستاذ عزيز أحمد فهمي

أيام العصر الذهبي لشركة ترقية التمثيل العربي، أخرجت هذه الشركة رواية عن (محمد علي الكبير). وأسرفت الشركة في الإنفاق على إخراج هذه الرواية إسرافاً كان يريد أن يناسب ذكرى ذلك الأسد الذي جاء مصر جندياً صغيراً ثم استولى عليها بأخلاقه وعقله وشخصيته، ثم نفخ فيها من هذه الأخلاق وهذا العقل وهذه الشخصية الملكية ما استطاعت مصر أن تستولي به على غيرها من جاراتها القريبات والبعيدات، حتى لقد هجمت على تركيا الشائخة بقوتها الفتية الحقة، وحتى لم تجد تركيا مفراً من أن تستنجد بإنجلترا وفرنسا، وروسيا أيضاً على ما أظن، لتقف هذه الدول مجتمعة تيار الهجمة المصرية الجارفة. . .

هذه الذكرى الجبارة، أرادت شركة ترقية التمثيل العربي أن تخلدها برواية (محمد علي الكبير) فلم تأل جهداً في إعداد العدة لها، ولقد استعانت الشركة أيامها بالسراي الملكية نفسها، فاستأذنتها في أن يطلع مندوبون منها على مخلفات محمد علي الكبير في متحف القصر، وأن يأخذوا لها صوراً ورسوماً ما أرادوا ذلك، وكان أن تم كل الاستعداد على أكمل الوجوه، وكان أن وعد المغفور له الملك الأسد المسلم فؤاد الأول بشهود التمثيل في الليلة الأولى. . .

وهنا نقف وقفة أمام طيف فؤاد الأول فقيدنا الكريم

لقد كان رحمه الله رجلاً فذاً له جلال وله رهبة. وكانت تنبعث من ذاته ملكية طبيعية تنتشر حوله كل ما اشتملته خاضع لها خضوعاً طبيعياً لا إرادة فيه، وكان فيه من الحيوية ما ينشر هذه القوة إلى أفق بعيد قد لا تستطيع شخصية أخرى أن تمد سلطانها الطبيعي إليه. وقد لحظت هذا عند ما افتتح رحمه الله الجامعة المصرية في سنة 31 أو 32 إذ أعدت الجامعة له سر داقاً هائلاً في الفضاء الذي كان خلف كلية الآداب، وأعدت له الجامعة عرشاً نصبته على منصة عالية، فلما جلس جلالته على العرش مستمعاً إلى الخطباء، ولما وقف الجارم بك يلقي شعراً انصرفت أنا عن الشعر، وكنت بين الطلاب، إلى مشاهدة هذا الجمع والتأمل فيه، وكان أن مددت بصري إلى نهاية السرادق أو نهاياته جميعاً، فإذا بي أرى كل فرد من هذا الزحم قد ترك الشعر مثلما تركته أنا، وأسلم نفسه بحواسه جميعاً إلى هذا الملك كأنه ينتظر منه أن يلقي إليه إشارة فيسرع إلى تلبية الإشارة. . . كل فرد كان على هذه الحال، ومن يومها آمنت بأن فؤاد الأول لو لم يكن ملكاً لكان ملكاً. . .

أمام هذه الشخصية. . . من الذي يستطيع أن يمثل دور محمد علي الكبير تمثيلاً حياً، يبدأ حياً، ويستمر حياً وينتهي بانتهاء الرواية حياً لا تخلخل فيه ولا هبوط؟!. . .

لقد كانت مشكلة، ولقد حلتها شركة ترقية التمثيل العربي بأن عهدت بالدور إلى عبد العزيز خليل. . .

ووجدها عبد العزيز خليل فرصة العمر

وفي ليلة الملك هدر عبد العزيز خليل ساعتين أو ثلاث ساعات من ساعات يقظته الفكرية وهي الساعات القليلة التي تعد في حياة الفنان الإنتاجية في إعداد شكله ونفسه بالمكياج، أما شكله فقد لعب فيه بالأدهان والشعر والأصباغ، وأما نفسه فقد لعب فيها بالكبر ليكون كالرجل الكبير الذي سيمثله، وبالتقوَّى حتى يكون كالرجل القوي الذي سيعيده إلى الأنظار والأسماع والأفئدة، وبالتسلط حتى يكون كذلك السلطان محمد علي

ورفعت الستار، وبدأت الرواية ودخل محمد علي. . . محمد علي الممثل دخل إلى المسرح

ولكن حدث أن حضرة صاحب الجلالة الملك بالقوة والحق فؤاد الأول وقف احتراماً لمحمد علي. . . فوقف الشهود معه أمراء ووزراء ومن هم دون ذلك

فهل كان جلالته يقف لأي ممثل آخر. . . مهما كان الممثل! لا. وإنما جلالته وقف جزاء وتكريماً لهذا الممثل الذي أفنى نفسه واستحضر بدلاً منها نفس محمد علي، فلم يبد من نفسه شيء وإنما دخل إلى المسرح وهو محمد علي فلم يكن عجباً من حفيد محمد علي أن يقوم إجلالاً لمحمد علي هذا الذي يراه ماثلاً أمامه. . .

لقد اضطرب عبد العزيز خليل ولم يعرف كيف يتخلص من هذا الموقف المربك، فكان أن ألهمه الله الخلاص إذ أشار بيده إشارة كاملة إلى الممثلين من حوله وقال: تفضلوا يا أولادي وانتهى التمثيل، وبلَّغت السراي إعجابها إلى الأستاذ عبد العزيز خليل، ومنحت شركية ترقية التمثيل العربي ممثلها هذا الفذ مبلغاً كبيراً من المال مكافأة له على تشريفها في عيني الملك

ودارت الأيام، وانفضت شركة التمثيل العربي. . . وإذا بعبد العزيز خليل ممثل معطل، حتى الفرقة القومية التي تضم الأساتذة: محمد علي إسماعيل، وإبراهيم محمود عبد الله، وعبد الله محمود إبراهيم، لا تريد أن تعترف بالأستاذ عبد العزيز خليل ممثلاً

لماذا. . .؟

ليس هناك سبب إلا أنه ممثل عظيم، وأنه وصل إلى ما لم يصل إليه ممثل مصري؛ وهذا عند أهل التمثيل كاف جداً لأن يكون مبرراً للقتل؛ فكلما جاء ذكر عبد العزيز خليل جاءت معه الغيرة وجاءت معه النميمة، والاغتياب، والتهم الحقة والتهم الباطلة، وكل ما يمنع عنه الرزق والخبز والماء والهواء إذا أمكن. . .

فإذا ثار عبد العزيز من شدة هذا الضغط الحرام وقال كلمة نابية، أو كلمة خارجة استشهد على هذه الكلمة الشهود وحوسب عليها أشد الحساب. . . وغيره يا ما أكثر ما يقول، ويا ما أكثر ما يفعل، ولكنه مسامح ومقبول منه كل ما يقول وكل ما يفعل إذ لا خطر منه على أهل الفن كالخطر المنظور من عبد العزيز خليل والرؤساء يسمعون المداهنين المتملقين، ولا يسمعون الصادقين

وعلى هذا الأساس سيموت عبد العزيز جوعاً في مصر بعد أن مات عطشاً إلى فنه. . .

فإلى من يشكو عبد العزيز وأمثاله؟!. . .

إلى الله وإنه سميع مجيب. . . وهو الرزاق وحده، وهو المنتقم الغفار، الجبار الرحيم

وعبد الحميد الديب، الشاعر الذي يهجو بالشعر الأستاذ العقاد ويأخذ منه أجر الهجاء

لماذا يعطيه الأستاذ العقاد أجراً على هجائه وهو الذي إذا عمد إلى القلم هاجياً تقصفت أمام هجائه الأقلام؟. . . لا ريب أن العقاد يشعر بحلاوة في هجاء الديب، وهذا الشعور اعتراف من العقاد بأن الديب أديب كبير وشاعر يفاجئه بمعان وأخيلة يستحسنها ويطرب لها. . . وشهادة العقاد واعترافه لهما أثرهما في حياة الكثيرين من الأدباء في مصر؛ فهناك ناس أصبحوا بين الأدباء المعدودين والشعراء الملحوظين، وما كانوا ليكونوا شيئاً مذكوراً لولا أن العقاد زكاهم بكلمة أو كلمتين. . .

وهذا عبد الحميد الديب لا ريب أنه كان يحب من الأستاذ العقاد كلمة عن شعره وأدبه ينشرها فترفعه من صفوف المغمورين الجياع إلى صفوف البارزين المرتاحين. . .

ولكن الأستاذ العقاد له من شغله ما ينسيه عبد الحميد الديب فلا يذكره إلا وقت ما يراه، ووقت ما يستمع إلى هجائه، ووقت ما يدفع ثمن هذا الهجاء. . . ثم ينساه. . .

لقد ضاقت الحياة النظيفة بعبد الحميد الديب. وانجرف في تيار لا ريب أنه أول من يكرهه ويمقته، ولكن كيف سبيله إلى الحياة النظيفة وهو كلما طرق باب عمل في صحيفة طن الذباب وأزت الصراصير في آذان أصحاب العمل بأن هذا رجل فاسد وأنه كيت وكيت، كأن أولئك الذباب والصراصير من مختلسي حرفة الأدب والشعر لا فساد فيهم ولا كيت ولا كيت، والواقع الذي يعلمه الله أنهم كلهم فساد وكيت وكيت. . .

الذباب والصراصير. . .

أنقذ الله منهم عبد الحميد الديب. . .

وحسن سلامة. . . الملحن الذي انجذب إلى حسن الأنوثة وجمالها فانطبعت في روحه بحركاتها وسكناتها، والذي يلحن كلما ضاق به الحال لبديعة أو ببا لحناً أو لحنين ولا يعود إليهما إلا إذا ضاقت به الحال مرة أخرى. . . والذي كلما لحن لحناً اغتصبته (المونولوجيستات) و (العوالم) ورحن يتاجرن به في الليالي والأفراح ملاقيات ما شاء الله من النجاح والترحيب والأجر الكريم. . . وصاحب الحق الأول في هذا كله مغمور مفلس لا يهتم به أحد ظهر في الميدان ظهوراً قد تنكسف معه أضواء الكثيرين من الكواكب والنجوم. . .

وعلى هذا أيضاً تلوثت سمعة حسن سلامة، فكلما اقترح مقترح على واحد أو واحدة من أصحاب العمل باستغلال مواهب حسن سلامة هيأ الشيطان لحسن عتُلاً ذميما مناعاً للخير معتدياً أثيما يقول إن حسن سلامة مجنون بالنسوان وأنه خطر على الراقصات والمغنيات اللواتي يجمعهن به العمل، وأنه خطف فلانة من مسرح كذا، وفلانة من صالة كذا

والمسكين لا يخطف ولا يغتصب وإنما هو يتزوج ويطلق بحثاً وراء الراحة والعيش المطمئن. . .

إن هذا الملحن جدير بأن يعهد إليه أستوديو مصر تلحين الأغاني في أفلام استعراضية قصيرة يتوفر عليها مخرج لبق رشيق وتقوم بأدائها فنيات خفيفات كأولئك اللواتي نراهن في استعراضات هوليود. . .

هذا صحيح. . . ولكن أين هو ذلك المخرج، وأين هن الراقصات، وأين هو ذلك المدير الذي يسمح لملحن شاب بالتجلي والظهور يتبعهما المجد والربح الوفير

لا شيء من هذا في مصر. . . وإنما يجب على حسن سلامة أن يموت. . .

وسيد سليمان. . . الذي لا تنقصه الصبغة ليكون مثل (آل جولسن). . . إنه مغن وممثل ومونولوجست وزجال أيضاً

لو أن الفرصة أتيحت له للظهور في السينما لجذب الجماهير وقفز قفزة قد يعلو بها على مرتبة القابضين والقابضات على خناق الفن في مصر. . . ولو أنه أتيح له أن يلقي مونولوجاته الاجتماعية الحية بين الفصول الدسمة جداً التي تمثلها الفرقة القومية لغطى الفرقة وفنها الهائل جداً. . .

ولكن منذا الذي يسمح له بهذا؟. . . أهم مجانين. . . إن عليه أن يموت. . . ولكنه لن يموت. . .

هؤلاء أربعة. . . والخامس. . .

عزيز أحمد فهمي