مجلة الرسالة/العدد 399/من دروس الحرب

مجلة الرسالة/العدد 399/من دروس الحرب

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 02 - 1941


بين اللاتينية والجرمانية

كان بعض المولعين بتصنيف الناس من علماء الأجناس يقولون أن الله اصطفى الآريين على الساميين بمواهب العقل الأصيل فآتاهم الحكمة؛ ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي العلم والحكم وهيئ فطرته لملك الأرض وتمدين العالم. واستغل المستعمرون هذه الفكرة فسرقوا بها ملك العرب، ونسوا أن العرب، وهم ساميون، كانوا خلفاء الله وورّاث المعرفة في الدنيا؛ واستغلها النازيون آخر الأمر فسرقوا بها مال اليهود، ونسوا أن اليهود، وهم ساميون، كانوا الرأس الخلاق واليد المصرفة في ألمانيا.

ولعل هؤلاء المصنفين لخلق الله يشغلون بالهم اليوم بما يتجلى من الفروق بين اللاتينية والجرمانية وهما شعبتان من الآرية، ليعلموا أن من عوامل البيئة والتربية وطريقة العيش ما لا يقل أثراً في اختلاف العقل وتغير الخُلق عن عوامل الجنس والوراثة. ولئن كان في فكرة الآرية والسامية أكثرُ الكذب الذي يسنده الغرض؛ فإن في فكرة اللاتينية والجرمانية أكثر الصدق الذي يؤيده الواقع. وإذا كان الغربيون قد انتفعوا بفكرتهم في أن يسودوا، فإنا حريون أن ننتفع بفكرتنا في أن نتحرر.

لأمر ما تنهار اللاتينية وتتماسك الجرمانية وقد مسهما من هذه الحرب الطحون عذاب لا يختلف!

هنا الديمقراطية الوادعة تتمثل في دولة جرمانية هي إنجلترا، ودولة لاتينية هي فرنسا؛ وهناك الدكتاتورية الباغية تتمثل في دولة من الدول الجرمانية هي ألمانيا، ودولة من الدول اللاتينية هي إيطاليا؛ فما هو إلا أن امتحنت الحرب بنارها معدن الفريقين حتى ذابت فرنسا هنا وتفككت إيطاليا هناك، وظلت الأمتان الجرمانيتان ثابتتين، تتصارعان بعبقريات الذهن، ومبتكرات العلم، ومهلكات المادة، والعالم كله يشهد هذا الصراع العنيف المخيف وهو من هوله الهائل لا يتقارُّ ولا يتمالك. وسيكون النصر ولا ريب للفريق الذي يحالفه الحق والصدق والصبر؛ ويومئذ تنقسم الجرمانية كذلك إلى سكسونية تعتمد على قوة الخُلق، وتوتونية تعتمد على سعة الحيلة.

ليت شعري من أين أُتِيت اللاتينية حتى انخرعت فما تقوم، وانماعت فما تتماسك؟ لم تُؤت يا زعماء الشرق إلا من جهة خصائصها التي تبجحت بها حيناً من الدهر، وهي الإفراط في الأدب والفن والكلام، حتى غلب فيها النظر على العمل، والحفظ على التفكير، والخيال على الواقع. وقاعات التمثيل على أندية الرياضة؛ فمن المعقول ألا يقام لها وزن مع الجرمانية التي كان من أظهر خصائصها الممتازة أن ألَّفت ثقافتها وحضارتها من عناصر معلومة المقادير مضبوطة النِّسب من كل ما يتصل بالمادة والأدب، ويدخل في غذاء الجسم والروح، فلا يطغى منى على معنى، ولا يجوز شئ على شئ؛ ثم هي لا تفهم الفرد إلا بالأمة، ولا العلم إلا بالتطبيق، ولا العمل إلا بالتجويد، ولا رياضة العقل إلا برياضة البدن، ولا غاية الآخرة إلا بطريق الدنيا. وكل ما يصدر عن الجرمانية من نتاج الفكر واليد موسوم بسمات القوة والدقة والجد.

ماذا عسى أن نصنع يا زعماء الشرق العربي وهذه اللاتينية المتخلفة العجفاء قد غلبت علينا لوجودنا على البحر الأبيض المتوسط، واتصالنا بشعوبها المختلفة في العمل والتجارة، واعتمادنا على رسلها الدينيين في التربية والتعليم، فأخذنا من أهلها حب الكلام وشهوة الجدل. فقادتُنا كتاب ومحامون، وجيشنا هُتَّاف ومتظاهرون، وعُدتنا أحزاب وصحف! وإذا لم يكن زعيمنا من صاغة الكلام وراضة المنابر انصرفت عنه الأسماع ونبت عليه النفوس ولو كان ملء سكوته العمل المثمر!

من صفات اللاتينية فينا أننا لا نزال نتعلم بالحفظ، ونتقدم بالمحاباة، ونعمل بالواسطة، ونقنع بالشكل، فلا يهمنا من النظام إلا أن يبقى مظهره وإن ذهب جوهره.

ومن مظاهر اللاتينية فينا أن ضعف إيماننا بالمثل الأعلى والخير الأعم. فالأمة معناها: أنا أكون، والوطنية مغزاها: أنا أعيش. فإذا تناقضت منفعة الفرد ومنفعة الأمة، وتعارضت رغبة النفس وإرادة الوطن، وقع الضمير الاجتماعي في غشية ثقيلة لا يبالي المرء فيها أن يخون أو يسعف أو يسقط.

ومن بلايا اللاتينية فينا أننا نسرف في الوعود، ونتزيد في الحديث، ونداجي في النصيحة، ونكابر في الحق، ونجاحش في النقاش، ونركن إلى شعبذة الحظ، ونستكين إلى معابثة القدر، ونستأمن إلى مخادعة السلامة.

فإذا شئنا أن نتقي العواقب المحتومة لهذه التربية الفاشلة، فلنطهر قلوبنا من رواسبها المتراكمة، ولنهيئ نفوسنا لحياة جديدة تنكشف عنها هذه القيامة القائمة. فإن مما لا شك فيه أن الحياة الحاضرة بمذاهبها ونظمها تنصهر الآن في نار هذه الحرب لتصوغها يد الخالق المصور صياغة أخرى تتفق مع تقدم الإنسانية في سبيل الخير المحض والكمال المطلق؛ ومتى خلصت العقول من الهوى، وبرئت النفوس من الأثرة، وطهرت القلوب من الحقد، عاد الناس إلى شريعة الحق الخالد فيلتقي الشرق والغرب، ويأتلف الأحمر والأسود، وتطمع الأمم والشعوب أن يعيشوا في عالم من الإخاء والرخاء جديد. وهل ذلك على الله بعيد؟

أحمد حسن الزيات