مجلة الرسالة/العدد 4/في الأدب الغربي

مجلة الرسالة/العدد 4/في الأدب الغربي

ملاحظات: بتاريخ: 01 - 03 - 1933



معنى الشعر

للشاعر الإنكليزي درنكووتر

(المستر جون درنكووتر نزيل مصر الآن من أقطاب الشعر الإنكليزي الحاضر وله عدة مجموعات شعرية وقطع مسرحية شهيرة، ولد سنة1882 وبدأ حياته العملية كاتبا في إحدى وكالات التأمين. وهو الآن أستاذ الأدب الإنكليزي بجامعة برمنجهام. وأشهر مؤلفاته (إبرهام لنكولن). وهي قطعة مسرحية رائعة. ومنها مجموعة شعرية عنوانها (رجال وساعات) وهي أولى مجموعاته و (العصيان) وغيرها. وقد دعت الجامعة المصرية المستر درنكووتر ليلقي خمس محاضرات عن الشعر الإنكليزي. فألقى الأولى منها يوم الخميس 17 فبراير في الجمعية الجغرافية الملكية، وموضوعها

(معنى الشعر) وهذه خلاصتها):

قال مستر درنكووتر:

تقوم اليوم كثير من الصعاب الخطيرة والمسائل الهامة التي تزعج معظم دول العالم. وهذه المسائل تشغل عقول المفكرين جميعا. ولكن أحدا لم يوفق إلى حلها، بيد أنهم على يقين من أمر واحد: هو أن هذا الحل لا يحقق ما لم تتناول مسائلنا بروح متبادل من التفاهم وحسن النية، وهذا هو الجوهر، فالناس لا يود بعضهم لبعض سوى الخير، ولكن ذلك لا يتم إلا بالاحتكاك الشخصي: فإذا ما اقتنعنا بوجوب التعامل بتعقل، خفت متاعبنا.

ورمز هذا الروح المشبع بالتفاهم وحسن النية: هو الشعر، فالشعر يعني بالأشياء الكونية الخالدة الخالقة، والشعر يبغض الظلم، وتبديد النشاط البشري، وخيبة الأمل، وقد خلق للاحتشام، والتسامح، والاحترام المتبادل.

فمما يشجع إذن أن يعمل شيء في تلك الأيام العصيبة لتقوية التفاهم بين الشعوب. وهذا بلد (يعني مصر) قد دعا شاعراً من بلد آخر ليأتي ثم يتحدث عن شعر بلاده، وهي بلاد ذات لغة وتقاليد، وذات أغراض سطحية أخرى، فهذا في نظري أمر وافر الحكمة؛ وإني لفخور بأن أنتهز هذه الفرصة التي قد يعدها كثير من الساسة خارجة عن نطاق عملهم، ولكني أراها عملا حرا كريما من أعمال السياسة.

ثم قال مستر درنكووتر: إنه سيحاول أن يبين في محاضراته أمرين: الأول أن يلفت النظر إلى جمال الشعر الإنكليزي في ذاته، والثاني أن يبين أن الخلافات السطحية بين الشعر الإنكليزي والشعر المصري (العربي) ليست في الواقع أكثر من سطحية، وإنه عندما نتأمل الحقائق التي يعنى بها الشعر، نجد الحياة البشرية تضطرم في نفس الشاعر، سواء أكانت بين الفلاحين المصريين أم بين الفلاحين الإنكليز، أو بين طلبة جامعة إكسفورد وكامبردج أم بين طلبة جامعة القاهرة، أو شاعر أيرلندي مثل يتس أو شاعر عربي مثل شوقي. ثم قال أنه قرأ (مجنون ليلى) التي ترجمها مستر أربري، فدهش إذ رأى مبلغ ما هنالك من تشابه بينها وبين ما يكتبه شاعر كمستر يتس.

ولكن يجب أن أقول أني لم أدهش، لأننا نعرف أن هذه هي طريقة الشعر، فالشعر لا يعرف الحواجز التي تقيمها بين الشعوب مصالح التجارة أو السياسة، بل تقيمها العادة والإقليم، والشعر يذهب إلى أعماق الحياة ويرى أن أعماق الحياة لا تختلف بالنسبة لمختلف الشعوب، وأنها واحدة في العالم بأسره.

فإذا كنت أحدثكم فأرجو ألا تعتبروني سائحاً من بلد أجنبي، ولكن صديقا يتحدث باسم الشعر عن أشياء يجب الا يظن متأملاها أن أحدهما غريب عن الآخر: واسمحوا لي أن أكون جريئا، فأستميح عفوكم في بيت لشاعركم شوقي.

ولست أعتقد، بعد الذي غمرني به المصريون من العطف، أنني رجل متعثر ضال.

ثم قال مستر درنكووتر: ما هو الشعر؟ يمكن أن نقول: أنه (الفن) فالفن في كل خواصه الجوهرية كالشعر سواء بسواء. والشعراء لا يخلقهم الشعر، ولكن الشعراء هم الذين يمدون العالم بعلم النظريات الشعرية، وإذن فالشعر هو فهم تام للتجارب، وإبراز هذا الفهم في صيغ الألفاظ. وعقولنا جميعا مهما اختلفنا في الجنس واللون والمركز والآراء والأطماع نستقبل جميعا في كل وقت أسفارا ضخمة من التجارب، والمسألة هي كيف نفهم هذه التجارب، والعقل القوي دائما سيد تجاربه؛ وهنا يتدخل الشاعر، فالشاعر لا يختلف في النوع عن أقرانه، ولكنه يحتاج إلى فهم أعمق لهذه التجارب، وهذا الإجهاد، وهذه الرغبة، وهذه الضرورة هي المجد، وهي المأساة في حياة الشاعر. هي المجد إذا استطاع أن يرضي هذه الضرورة؛ وهي المأساة لأن معظم هذه التجارب لا يمكن أن يحقق ويفهم.

والشاعر يعتبر أحياناً محسناً عاما؛ وهذا صحيح إلى حد ما؛ ولكن الشاعر لم يكن قط باختياره محسناً خلقياً، فالشاعر حين يكتب لا يفكر في فعل الخير؛ فهو يتفهم تجاربه فقط. وإذا اعتقد الشاعر نفسه محسنا عاما، فانه يتعثر في عمله. ذلك لأنه يفكر عندئذ فيما قد يراه الناس في عمله، ويكتب تحت هذا الأثر، بدلا من أن يقول الحقيقة.

ثم قال: أن الشعر في كل أمة يتأثر إلى حد ما بالأقاليم والمناظر وما إليها، وأن مناظر الخريف الإنكليزية وتناثر أوراق الشجر، والسماء الشهباء، وفصل الكآبة، قد أثرت في عقول ألوف وألوف من الإنكليز، ولكن رجلا واحدا لاحظها وفهمها؛ ثم أخرج منها أصدق صورة، وصاغ قطعة من أبدع ما في الشعر الإنكليزي؛ وكان هذا الرجل شكسبير. وكذا البلبل وأغاريده، فقد نفذت إلى ذهن فتى يقيم في ضاحية لندن فاخرج عنها قصيدته الخالدة (نشيد إلى البلبل) وكان هذا الشاعر كيتس.

(والفن كله هو التعبير عن التجارب؛ ولكن الشعر لا يعبر عنها إلا باللفظ. وذلك لأن الألفاظ تستعمل للتعبير عن كثير من الأشياء العادية. ولذا وجب أن يستعمل الشاعر الألفاظ بطريقة تجعلها حية دائما. والشعر أعظم من الشعراء، فهؤلاء يموتون، ولكن شعرهم يبقى دائما حياً صبوحاً)