مجلة الرسالة/العدد 401/كلمة أخيرة

مجلة الرسالة/العدد 401/كلمة أخيرة

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 03 - 1941



التقليد في الفنون أو نسخ (الكربون)

للأستاذ سيد قطب

التعبير الفني في كل صورة من صوره - أدباً كان أم تصويراً أم نحتاً أم غناء أم موسيقى - هو انبعاث ذاتي، وفيض نفسي، وانفعال شخصي، يتميز فيه كل فنان عن كل فنان

والله الذي جعل بصمات الأصابع مختلفة في كل إنسان - وهي خاصة جسمية - جعل الشعور الإنساني والطبائع البشرية أشد اختلافاً وأكثر تفاوتاً، لأن الملامح النفسية أجدر بالتفاوت والاختلاف من الملامح الجسمية في بني الإنسان

وتفاوت الطبائع الفنية هو المبرر لظهور الفنان بعد الفنان، حتى يكون للحياة من هذه الطبائع معرض حافل بصورها المختلفة، ذلك أن الفن صورة الحياة في نفس فنان، وحين تختلف الصور وتتعدد، يحفل المعرض الخالد بالصور العجيبة

وحين ينعدم هذا التفاوت والتميز المطلوبان في الفنان، ينعدم المبرر الأول لظهوره على مسرح الفنون، ويفقد حجته في تمثيل دوره في الحياة التي لا تحفل بالنسخ المكرورة المعادة، ولا تبالي سوى الجديد المتميز تكثّر به نتاجها الممتاز، وتزيد في معرضها العجيب

تلك بديهيات مقررة، ولكننا هنا في مصر تحتاج أن نبدأ فيها ونعيد وأن نشرحها ونضرب الأمثلة لها، ولو نقلت هذه الشروح والأمثلة إلى أية لغة لكانت عجباً هناك بين القارئين، ودليلاً أي دليل على مبلغ تأخرنا في فهم وظيفة الفنون، بينما نحن في مصر لا نزال في حاجة إلى المزيد!

وقد كان معيباً أن يقلد شاعر شاعراً، وموسيقى موسيقياً، ومطرب مطرباً، في طريقة إحساسه أو طريقة أدائه، ولو كان هذا التقليد غير مقصود، لأنه يعارض غرض الحياة الأول من إظهار فنان بعد فنان، ويعطل وظيفة الفن الأولى من إبراز النماذج والأنماط

وظل هذا التقليد المستتر العارض معيباً، حتى فوجئنا أخيراً ببدعة فاقت كل ما يخطر على البال من جراء المسخ الذي أصاب الغناء المصري، تلك هي ظهور مطرب أو أكثر يقول علماً: إنه يغني على طريقة مطرب آخر، ويذيع فعلاً، فإذا هو صورة أخرى من أستاذه أو نسخة من نسخ (الكربون)! كنا ننتظر كل مسخ أو تشويه للطبيعة البشرية - ودعك من الطبيعة الفنية الممتازة - إلا أن يصل هذا المسخ إلى رضاء إنسان أن يكون نسخة أخرى من إنسان، ونسخة مشوهة بطبيعة الحال كنسخة (الكربون) بالقياس إلى النسخة الأصلية

ولست أدري ما يبرر وجود النسخة الثانية متى كان في الإمكان الاطلاع على النسخة الأولى. ولست ادري لماذا يكلف إنسان نفسه مشقة الاطلاع على نسختين مكرورتين أو أكثر وفي واحدة غناء عن الأخريات؟

وما أدري أسأل المطرب المقلد أو المطربون المقلدون والمطربات المقلدات أنفسهم هذا السؤال؟ وهل علموا أنهم يلغون وجودهم ويفقدون المبرر الأول لهذا الوجود، أم لم يدر في إخلادهم مثل هذه الأسئلة وهم يندفعون إلى التقليد؟

وبعد فلو عزت الدلائل على المسخ والتشويه الذي بلى به عالم الموسيقى والغناء، ففي هذا التقليد الواضح المكشوف دليل لا ينقض على هذا البلاء، دليل على هؤلاء الذين يتصدون لأرفع وظيفة إنسانية وهم مجردون من المؤهلات البشرية الأولية التي ترتفع بالإنسانية عن التماثل أو التشابه الملحوظين بين حجر وحجر أو زاحفة وزاحفة، قبل أن تتميز الأشكال وتتنوع الأنماط في عالم الطبيعة وعالم الحياة. . .

وهو دليل على أننا لم نكن مبالغين حين نفضنا أيدينا من هؤلاء الناس، ويئسنا من استطاعتهم تغيير أنفسهم وتبديل طبائعهم؛ وحين التفتنا إلى هذه الأمة وحدها نفحص عن نبع مطمور في طبيعتها نرجو أن يتفجر فيكتسح هذه المخلفات

وفي ارتقاب هذه المعجزة نقضي الوقت في تأملات وملاحظات علها تمهد الطريق للنبع المرموق!

يتشقشق العصفور حين تمتلئ حويصلته بالحب والماء، ويحس بالدفْ والراحة، ويأمن المخاوف والأخطار، ويستشعر في قواه فضلة دافقة يناجي بها الأليف، ويطلب لها كفئاً من الأنيس

ويغني الإنسان - على مثال ما تشقشق الطير - حين يجد في نفسه فيضاً من شعور، وفضلة من طاقة، ويحس براحة التعبير، ولذة في التنفيس. يستوي أن تكون هذه الطاقة من لذة أو ألم وأن يكون ذلك الشعور من نعمة أو بلاء، والألم في هذه الحالة دليل قوة كاللذة سواء، ومبعثه امتلاء النفس بعاطفة ملحة، لإفراغها من الطاقة الدافعة

ولن يكون الغناء في أية حالة من الحالات دليل ضعف وانحسار في الوجدان، ولن ينبعث حين ينطوي المرء على نفسه وتفرغ الطاقة الدافعة في شعوره، فهذه الحالة حين توجد تبعث على الصمت لا على التعبير، وتنزع إلى الانزواء لا إلى الظهور

فالذين يغنون فينضح الضعف في أغانيهم، ويسيل التخاذل في نبراتهم، والتهالك في ألحانهم، هم جماعة من الممثلين الزائفين لا يليق بأمة أن تطمئن إلى قيامهم بأرفع وظائفها وهو التعبير الفني والقيادة الروحية والتطلع إلى الكمال

والحب المظلوم مع المؤلفين والملحنين والمطربين، هو الآخر دليل فيض في القوة لا دليل انحسار. فلن يحب المحب وهو مضعوف هزيل، ولن يبحث عن الحب إلا حين تفيض قواه، ويطلب لهذا الفيض إنساناً آخر يعاطفه ويكافئه؛ حتى الحيوان - لا يحب! - إلا حين تصح بنيته وتفيض غريزته فيطلب الأنثى، ويجهر بالحب على طريقة الحيوان!

وقد يبعث الحب الألم في بعض الأحيان، ولكنه لن يبعث الضعف في حالة من حالاته، ولا التميع في صورة من صوره؛ إلا أن يكون هذا الحب (السوقي) المصطنع الذي يفيض به الغناء في هذه الأيام

إن حرقات الحب في حرمانه غريزة قوية كلذائذه في متاعه، وما كل هذه التكسرات و (المياعات) إلا دنس يلطخ وجه هذا الحب العزيز الكريم، ويشوه جبينه الطاهر النبيل، وما هو إلا مسخ للطبائع وتحريف للغرائز، أوقح ما فيه أنه يتزيا بزي الفنون

ومن المؤلم ألا يكون الغناء وحده هو الذي يقارف هذه الجريمة، بل يشاركه الشعر فيها؛ فإذا الحب بكاء ودموع ولا شيء غير البكاء والدموع. ولن يصاب الحب بالمسخ فوق هذا المصاب، ولن يبلي هذا البلاء إلا حين تشيخ الأمم ويصيبها الانحلال. ومن هنا نحن نشتد في مقاومته خيفة أن يصدق نذيرة في شعب يهم بالنهوض!

إن للحب ألواناً وأنماطاً، وإن له صعوداً وهبوطاً، وإقبالاً وأدباراً، ولذة وألماً، وفيه رجاء وقنوط، ويقين وشكوك، وجموح وانحسار، وقلق واطمئنان؛ وهو في كل حالة من حالاته يثير أحاسيس ويلهم تعبيرات؛ فأين هذا الغنى كله من ذلك الفقر المدقع في عواطف الشعر والغناء، ومن ذلك الثوب الواحد الذي يرتديانه في كل حال؟

ووراء الحب عوالم أخرى من مباهج الحياة، ومجالي الأطياف والظلال، ومعارض الصور والأشكال، في الطبيعة والكون؛ فأين هذا كله في الموسيقى والغناء؟

أيتها الأمة: إن هؤلاء الذين يهتفون لك بأحط غرائزك، ويتملقون فيك أردأ أحاسيسكن ويخاطبون عندك أسوأ وجداناتك، هم جماعة من التجار المهرجين، يختلسون إعجابك، وينهبون نقودك، ويجزونك على هذا بنشر أسباب الانحلال، وبث عوامل التفكك. وغريزة الدفاع عن النفس في أبسط صورها كفيلة أن تنبهك أيتها الأمة إلى الذود عن نفسك، وإلى نبذ كل من يخاطبك بغير ما تخاطب به الأمم الناهضة والشعوب الكريمة

وإلى اللقاء - أيتها الأمة - حين تقع المعجزة فينهض فيك فنان في عالم الموسيقى والغناء

سيد قطب