مجلة الرسالة/العدد 421/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة/العدد 421/الحديث ذو شجون

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 07 - 1941


للدكتور زكي مبارك

ليسمع مدير الجامعة ووزير المعارف - فرنسي يستمصر

فيستغرب - الشيخ حسين علي - إلى بعض النواب

والصحفيين - منارة أبي العباس

ليسمع مدير الجامعة ووزير المعارف

كنت شغلت نفسي عدداً من السنين بالدعوة إلى جعل اللغة العربية لغة التدريس في جميع كليات الجامعة المصرية، وانتهزت فرصة اشتراكي في المؤتمرات التي تعقدها (الجمعية الطبية)، فجعلتها مواسم لبث هذه الدعوة بين المشتغلين بالعلوم من أبناء الأمم العربية، وما زالت ألح حتى مللت وأمللت، فانصرفت عن نشر تلك الدعوة وأنا آسف حزين

واليوم أطلع على عبارة تستحق التفات مدير الجامعة ووزير المعارف، فقد جاء في النشرة التي أصدرتها الجامعة العبرية بالقدس أن جميع الدروس في تلك الجامعة تلقى باللغة العبرية ما عدا بعض دروس اللغات

فما معنى ذلك؟

معناه أن اليهود يرون لغتهم قديرة على التعبير عن جميع المعاني في مختلف الأغراض، وإنهم يرون من القومية أن يدرسوا آداب اللغات الأجنبية باللغة العبرية، مع استثناء طفيف يوجبه الحرص على التعمق في بعض اللغات

فكيف تعجز لغة العرب عما قدرت عليه لغة اليهود؟

إن اللغة العبرية لم تكن يوماً لغة علم ومدنية على نحو ما كانت اللغة العربية، فكيف استطاع اليهود أن يخلقوا من لغتهم أداة صالحة لدرس مقومات التمدن الحديث، بعد أن ظلت في غيابات السجن عشرات الأجيال؟

الجواب حاضر، ولكن أين من يسمع؟

والجواب أن اللغات لا تقوم بنفسها، وإنما يقوم بها أهلوها الجواب أن اللغات من صنع الناس، وإن كانت في بعض صورها من مواريث التاريخ، فما كان يجب على العرب ف العصور الخوالي أن يبتكروا أدوات التعبير عن شؤون لم يشهدوها ولم يعرفوها، وإنما يجب علينا أن نعبر عما شهدنا وعرفنا، كما عبروا عما شهدوا وعرفوا، لنستطيع القول بأننا أهل للإنشاء والإبداع، وكان أسلافنا من أكابر المنشئين والمبدعين

كان يجب على لغة العرب - كما يتوهم أهل الغفلة - أن تحيط بكل شيء، وإلا فهي جديرة بما يصبون عليها من عذابا العقوق!

فهل كان الأمر كذلك في لغات الإنجليز والفرنسيين والألمان، حتى نطالب لغة العرب بخلق المستحيل؟

لغات العالم والمدنية في هذا العصر كانت فقيرة ثم أغناها أهلوها بالنحت والاشتقاق والاقتباس، فمتى نصنع كما صنع الأحياء من أبناء هذا الزمان؟

أكبر هموم علمائنا اللغويين أن يعترضوا على نيابة حرف عن حرف، وأن يقول قائلهم: إن للعرب كيت ولا تعرف زيت، وأن يثوروا على أي تعبير لا يجدون له شواهد في لأقوال القدماء، كأن من الحرام أن يكون لنا في اللغة حق الاجتهاد، وهو حق لم يحرم على أبناء البوادي، ولو كانوا من أكلة الضباب واليرابيع!

اليهود لهم لغة يدرسون بها جميع العلوم؟؟؟

هو ذلك، لأن اليهود يريدون أن يقيموا الدليل على أنهم أحياء

ولو جاز أن يفتن قوم بأوربا ولغاتها، لكان اليهود أولى بذلك الفتون، لأن لهم طلائع في جميع البلاد الأوربية، فممن أخذنا نحن فتنة الخضوع الأحمق للغات الأجنبية، ولنا وجود أدبي واجتماعي لم تفلح في زعزعته الكوارث والخطوب؟

نستطيع بدون صعوبة ولا عناء أن نجعل لغة العرب لسان العلم والمدنية في الشرق، فنزاحم بها ألسنة الأجانب، ونستبقي أعمار أبنائنا فلا نضيع في (رطانات) لا ينتفع بها منهم غير آحاد

وأنا لم أبتكر القول بجناية اللغات الأجنبية في تعويق مواهب الشبان المصريين، فقد أعلن الأستاذ محمد بك حسين هذا الرأي في خطبة ألقاها بالمنصورة في السنة الماضية، وكانت حجته أن الشبان يقضون أطيب أعمارهم في دراسة اللغات، وهي دراسة لم تنتقل من الحفظ إلى الفهم، حتى تعود أذهانهم بالصقل والتهذيب ولكن ما الذي نصنع ونحن في احتياج إلى معرفة اللغات الأجنبية، لنتصل بالتيارات العلمية في العصر الحديث

نكون طائفة خاصة تكون مهمتها الاشتغال بالترجمة لنغني اللغة العربية بإمداد جديدة في ميادين العلم والطب والاقتصاد والتشريع، وعندئذ تنفعل اللغة العربية بتلك الإمداد، وتصبح مورداً غنياً بآثار الأفكار والعقول، فيمكن الاجتهاد في ميادين كثيرة عن طريق اللغة العربية، كما اتفق المرحوم الشيخ أحمد الإسكندري أن ينتفع بالمترجمات، فصار يفكر على الأساليب الحديثة في التفكير بدون أن يتصل بإحدى اللغات الأجنبية، وبدون أن يتتلمذ لأحد من الأجانب، وله أبحاث تؤيد ما نقول منها بحثه المشهور في اصطلاحات الكيمياء.

فرنسي يستمصر فيستغرب

في هذه الفقرة أسوق حديثاً يشهد بما تصنع العزائم الصوادق في تذليل الصعاب:

كانت البعثة المدنية الفرنسية رأت أن تقصر مهمة مدارسها في مصر على إعداد تلاميذها للبكالوريا الفرنسية، إلا مدرسة واحدة هي الكلية الفرنسية بالظاهر، فقد رأت البعثة أن يعد تلاميذها للبكالوريا المصرية من القسم الفرنسي

ومدير هذه المدرسة هو المسيو مارسيل بونان، وقد أقام في مصر أكثر من عشرين سنة فلم يعرف من اللغة العربية غير ألفاظ معدودات، مثل مدرسة وقهوة وفراش!! وكان المنطق يوجب أن يجعل أبنه من تلاميذ الليسيه ليفوز بالبكالوريا الفرنسية بدون عناء، ولكن الرجل أصر على أن يجعل ابنه تلميذاً في مدرسته ليفوز بالبكالوريا المصرية مع صعوبة اللغة العربية على شاب لغته الفرنسية ودروسه بالفرنسية وحديثه في البيت بالفرنسية

وظل الشاب يتعثر من عام إلى عام في امتحان البكالوريا المصرية، وكان مفروضاً على من كان في مثل حاله بحكم النظام الجديد أن يؤدي امتحان اللغة العربية في مقررات أربع سنين، وذلك عبء ثقيل!

ونصحت للمسيو بونان مرات كثيرة أن يعدل منهج أبنه في الدراسة فلم يقبل، وكان جوابه أنه يريد أن يمحو الخرافة التي تقول بأن التفوق في اللغة العربية مستحيل على الأجانب!

وأخيراً، وبعد جهاد عنيف، نجح الشاب جاك بونان في امتحان الثقافة العامة بتفوق، فهو أول فرنسي يزاحم الطلبة المصريين في الامتحانات العمومية بقيت خطوة واحدة، هي أن يعرف هذا الشاب أن حي الظاهر في رعاية سيدي عبد الوهاب الشعراني، فمتى يصلي معي الجمعة في مسجد الشعراني؟

أسلم تسلم، يا جاك؟!

الشيخ حسين علي

ما فجع رجل بأبيه إلا تجدد جزعي لفجيعتي بأبي، فما استطعت دخول البيت الذي مات فيه إلى اليوم، ولا تمثلت وجهه الأصبح إلا غلبني البكاء

من أجل هذا رأيت الحزن يعصر قلبي حين قرأت في الجرائد أن الدكتور طه حسين فقد أباه، ورثه الله عمر أبيه، ومنّ عليه بالصبر الجميل!

أبو الدكتور طه هو الشيخ حسين علي، وكان رجلاً في غاية من اللوذعية والأريحية، وإن لم يظفر من الألقاب بما يحفظ له مكانة بين رجال التاريخ

وقد أكد عندي فكرة الوراثة العقلية والروحية؛ فقد كان عقله على جانب من الرجاحة، وكان روحه على جانب من الصفاء.

قضى الشيخ حسين حياته في عملٍ بسيط بإحدى قرى الصعيد، ولكن بعده عن الحياة الفكرية في العاصمة لم يحل بينه وبين الاتصال بما كان يجد من تطورات الآداب والفنون، فكان يحدثك عن المدنية الحديثة بأسلوب يقنعك بأنه من أبناء الجيل الجديد، على بُعد بلده من التأثر بأفكار الجيل الجديد.

كان الشافعي يقول: (الحر من راعى وداد لحظة)، وقد واددت هذا الرجل لحظتين، فمن واجبي إن اذرف عليه دمعتين

والى الدكتور طه وأخوته أقدم أصدق العزاء.

إلى بعض النواب والصحفيين

يطيب لجماعة من النواب والصحفيين أن يتحدثوا عن مصر بعبارات لا تخلوا من ازدراء واستخفاف، وقد تصل إلى الطعن والتجريح في بعض الأحيان، وأنا انظر إلى هؤلاء نظر الإشفاق، لأن أقوالهم تشهد بأن فهمهم للمجتمع المصري فهم ضعيف، ولأنهم نشئوا في أوقات لم تخرج فيها طرائق الوعظ عن البكاء والأستبكاء.

وأضرب المثل بقول الأستاذ الشيخ محمد دراز وهو يهدد في مجلس النواب:

(أصبحت هذه البلاد لا هي بالبلاد الدينية، ولا هي بالبلاد اللادينية، ولا هي بالبلد الشرقي، ولا هي بالبلد الغربي، وذلك ظاهر في كل مظاهرها، ليس في الزي فقط، ولكن في الثقافة والخلق وكل ما يتصل بحياتنا الخلقية والاجتماعية)

وهذا النائب هو أيضاً مفتش الوعظ والإرشاد بالديار المصرية، فان كان صادقاً فالأمة في بلاء، وألا فهو نفسه بلاء، والله الحفيظ!

كان الظن برجل مستنير مثل الشيخ محمد عبد اللطيف دراز أن يدرك أنه لا يجوز الجهر بمثل هذا الكلام في مجلس النواب، لأنه طعن صريح في الأمة المصرية، ولأنه كلام أجوف لا طائل تحته ولا غناء

ولكن ما ذنبه وهو يتوهم أن رجال الدين يجب عليهم أن يصرخوا في كل وقت، وأن يشهدوا بأن أبناء اليوم ليسوا إلا شر خلف لخير سلف، وأن سعادة الدارين لن تكون إلا من نصيب من يعيشون بقلوب لا تحس روح المدنية في القرن العشرين؟

هذا الواعظ مسئول عن تغيير منهجه في الوعظ، وألا كانت عظاته أقاويل مشئومة لا تُدخل البشاشة الدينية إلى صدور المؤمنين

وقد استراح الأستاذ علي الغاياتي إلى صرخات الأستاذ محمد دراز فعلق عليها في مجلته منبر (الشرق) بعبارات هي غاية في الإيذاء، فقد قرر أن أكثرنا مسلمون جغرافيا فقط، وأن الواقع لا يقر لكثير منا بوطنية ولا بمصرية!

وماضي الأستاذ علي الغاياتي يصدنا صداً عن محاسبته على هذا الجور البغيض، فلم يبق إلا أن نرجوه أن يترفق في الحكم على أمته وأن ينظر إليها بمنظار لا يحجب عنه ما فيها من نضارة وإشراق.

وإن أراد المنطق فليسمع:

لقد أراد السخرية من زعامة مصر الأدبية والدينية، وكانت حجته إننا عجزنا عن توحيد كلمتنا والذود عن حمانا

أما توحيد الكلمة فهو مطلب براق ولكن انعدامه لا يؤذينا في شيء، لأن الخلاف من أقوى مظاهر الحيوية في الشعوب، ونحن نختلف أقل مما يجب، ويا ويلنا إذا لم نختلف! وأما عجزنا عن الذود عن حمانا، فلا يرجع إلى جبن أو استخذاء، وإنما يرجع إلى ظروف يعرف الأستاذ منها أضعاف ما أعرف، وما مر يوم بدون أن يجاهد المصريون ليكون لهم جيش قادر على دفع العدوان بالعدوان

وأذن فسخريتك ضرب من الشماتة وأنت تجهل!

وما أظلم من يشمت بأمة لم يكن نكولها عن الحرب إلا إشفاقا على بنيها من الفناء، وذلك مصير من يواجه الحرب بلا استعداد.

أليس من الإثم الموبق أن تقول: إن الشعب قد فقد شخصيته وبات عالة على الأمم والشعوب؟

الشعب المصري لن يفقد شخصيته أبداً، ولن يبيت عالةً على أحد، فاتق الله في أمتك، أيها الرجل المفضال، وأحذر من العودة إلى مثل هذا التجني المقيت، فقد نستطيع القول بأن القلوب الصحاح ليست من المرض في أمان

ولفضيلة الشيخ دراز أن يسمع هذا النذير، إن أراد!

منارة أبي العباس

من أعظم الأعمال التي قامت بها وزارة الأوقاف تجميل مسجد أبي العباس المرسي بالإسكندرية، فله منارة ستصير علم الهداية للسفن الضوال بعد انتهاء الحرب، وستكون بشيراً لكل قادم بأنه يفد على مدينة إسلامية.

وإذا تذكرنا أن أبا العباس كان من أعلام الصوفية، وأن لقبه (المرسي) سُمي به ألوف وألوف من أبناء الأمة المصرية كان من السهل أن ندرك كيف خصته وزارة الأوقاف بذلك الالتفاف!

ولكن بعض الوعاظ الذين آذاهم أن نقول بوجوب زخرفة المساجد ردوا علينا في إحدى مجلاتهم بان مسجد أبي العباس بلغت تكاليفه نحو المئتين من ألوف الجنيهات، ولو انفق ذلك المبلغ في إعداد طائرات لوقى الإسكندرية من أخطار الغارات الجوية!

وهذا كلام معقول، ولكنه كلام العوام الذين يرتدون ثياب الخواص.

وكيف تكون الحال لو عم هذا المنطق (المعقول) فدعونا الحكومة إلى إلغاء ميزانية المعاهد الدينية لنشتري بها طيارات ودبابات؟ وكيف تكون الحال لو عم هذا المنطق (المعقول جداً) فقلنا أن الأمة لا تحتاج إلى وعاظ بقدر ما تحتاج إلى جنود، وإن من الواجب أن نأخذ مرتبات الوعاظ لننفقها في إعداد الجنود؟

وإذا تم هذا، أو بعض هذا، فما مصير من يأكلون العيش باسم الدين، وهتلر - رضي الله عنه أو غضب عليه - يقول: هذا عصر دبابات لا عصر ديانات؟ حدثوني كيف تصنعون، إذا عم هذا المنطق (المعقول) فأنا أعرف مصايركم إذا احتكمت الدنيا إلى هذا الميزان المخلول؟

كان يكفي أن تقولوا إن زخرفة المساجد ليست من تقاليد الدين الإسلامي، أما دخولكم في شعاب تحتاج إلى دليل من الفكر والمنطق فهو المأزق الذي أرجو أن تخرجوا منه سالمين، إن كانت السلامة من نصيب من يواجه الشمس بعين رمداء

زكي مبارك