مجلة الرسالة/العدد 421/الوحدة العربية ووحدة اللغة

مجلة الرسالة/العدد 421/الوحدة العربية ووحدة اللغة

مجلة الرسالة - العدد 421
الوحدة العربية ووحدة اللغة
ملاحظات: بتاريخ: 28 - 07 - 1941



للأستاذ يوسف كمال حتاتة

استمر حكم العرب في الأندلس ثمانية قرون من عام الفتح (سنة 91هـ) إلى العام الذي سقطت فيه غرناطة سنة 897 هـ)

وكانت في الأندلس سبعمائة مكتبة عامة يرتادها الناس لدراسة أنواع العلوم وبينها مكتبة قرطبة التي كانت تحوي نصف مليون كتاب.

فلما دالت الأيام وأُخرج العرب من ديارهم أحرق أعداؤهم الكتب التي ألفوها وبقيت البلاد ترسف في قيود الجهل وأصبحت كلمة كتاب إحدى الجرائم التي ينبغي الحذر منها، وظلت مدريد - عاصمة الحكم الذي خلف حكم العرب - لا تضم مكتبة عامة واحدة إلى القرن الثامن عشر الميلادي

في هذه الفترة كان المتحدث عن نظريات نيوتن وأبن رشد يساق إلى محكمة التفتيش فتحكم عليه بالموت بعد التعذيب، والتعذيب هو قطع الأرجل والأذرع في شريعة القساوسة؛ أما الموت فهو إلقاء المحكوم عليهم في التنانير المسجورة

في زمن عبد الرحمن الناصر لدين الله كان المبشرون يقفون أمام جامع قرطبة الكبير ويخطبون داعين الناس إلى اعتناق الدين المسيحي في أثناء اجتماع المسلمين لصلاة الجمعة، وكان الخليفة يسمعهم فلا يقول لهم كلمة ولا يأمر رجال شرطته باعتراضهم أو الوقوف في طريقهم

هذا في الأندلس؛ أما في بغداد فقد وضع الرشيد جميع المدارس في مملكته تحت رقابة يوحنا بن ماسويه الشهير، وكان الإشراف على أمور التعليم في الدولة العباسية يفوض تارة إلى النسطوريين وطوراً إلى اليهود

وكان جيورجيس الجنديسابوري طبيباً للمنصور، وقد علت منزلته عنده، وسبب ذلك أنه كانت له زوجة عجوز لا تشتهى فأشفق عليه المنصور وأرسل إليه ثلاث جوار حسان فردهن وقال: (إن ديني لا يسمح لي أن أتزوج غير زوجتي ما دامت حية) فأعلى المنصور مكانته وقدمه حتى على وزرائه. ولما مرض أمر المنصور بنقله إلى دار العامة وخرج إليه ماشياً يسأل عن صحته فأستأذنه الطبيب في الرجوع إلى بلده ليدفن مع آبائه فعرض عليه الإسلام ليدخل الجنة فقال له:

رضيت أن أكون مع آبائي في الجنة أو في النار

فهش له المنصور وبش وأمر بتجهيزه ووصله بعشرة آلاف دينار، وهو المنصور المشهور بالإمساك وكزازة اليد

على أن هلا كوخان الوثني قد أمر بإلقاء الكتب العربية في نهر دجلة، فقضى على مدينة بني العباس بعد تقويض عرش خلافتهم التي استمرت من سنة 132هـ إلى سنة 656 هـ

فأنت ترى أن هلا كوخان التتري الوثني لم يعمد لتقويض بنيان الدين الإسلامي، ولكنه أراد القضاء على لغة العرب ومدينتهم في العراق، وحذا حذوه قساوسة الأسبان في الأندلس الشهيدة، لان الأمة تحيا وتموت بحياة لغتها وموتها. أما كتاب الله وسنة نبيه، فإن هلا كوخان التتري الوثني وقساوسة الأسبان الذين هدوا هديه في الأندلس كانوا يعلمون أن المصاحف وكتب الحديث قد انتشرت في جميع المشارق والمغارب في بلاد فارس وفي الهند وبلاد الجزيرة العربية وجاوة وبخارى وما إليها.

عندما ضمت ولاية الألزاس إلى ألمانيا بعد حرب السبعين الأخيرة، قام أحد المدرسين الفرنسيين في تلك المنطقة الشهيدة إذ ذاك بين تلاميذه وقال لهم: إن درسي هذا هو آخر الدروس التي ألقيها عليكم. فإذا أردتم أن تحتفظوا بفرنسا في قلوبكم، فلا تفرطوا في لغتها

والوحدة العربية التي استشهد الحسين بن علي رافع علمها في سبيل الذود عنها وأضاع ماله وتاجه، هذه الوحدة التي يسعى لها العرب وعلى رأسهم صاحب السمو الأمير عبد الإله حفيد الحسين، لا يقدر العرب على الوصول إليها - على الرغم من الجهود المبعثرة التي يبذلها أصحاب الزعامات الزائفة الذين يشبهون الذباب الملوث في الإناء الطاهر - إلا إذا وحدنا لغة الجرائد والمجلات، ليفهم ابن العراق وابن اليمن والحجاز ونجد وفلسطين ودمشق ما يكتبه ابن مصر.

لو عرف الرجل الذي ناطوا به قتل اللغة العربية في مصر وحكموه في وزارة المعارف المصرية من عام 1891 إلى عام 1919 أن جماعة من تجار الأدب الزائف والثقافة العرجاء، سيصدرون هذه المجلات التي يكتبونها بلغة طمطمانية، لا تمت إلى العربية الصحيحة بصلة ويحشونها بمقالات لا صلة لها بالأدب ولا بالتاريخ ولا يعلم من العلوم الحديثة ولا القديمة، لبرأ ذمته من جناية قتل اللغة العربية في مصر وتخلص من لعنة التاريخ الأبدية، لأن هذه المجلات قد قضت على اللغة العربية وهبطت بها إلى أقصى دركات الحضيض فخدمت الاستعمار وقضت على الوحدة وعلى الأخلاق

وهذه الكتب التي تدرس في المدارس التابعة لوزارة المعارف ما قول صاحب المعالي الدكتور محمد حسين هيكل باشا فيما حوته من الأغلاط اللغوية والتاريخية، فقد أحصيت في أحدها ثلاثمائة غلطة لغوية وتاريخية تكاد تخرج الكتاب من حظيرة الكتب التي يشرف على انتخابها عدد من العلماء، وعلى رأسهم هيكل باشا المشهور بغيرته على لغة الضاد ومحاولته إحيائها بعد موتها

وأني لا أتحدى أحداً إذا طلبت إلى معاليه الرجوع إلى سجلات مخزن كتب وزارة المعارف في زمن إدارة (المستر دجلاس دنلوب) ورؤية أسماء الكتب التي أمر ببيعها بالقنطار فبيعت بأبخس من ثمن الورق قبل الطبع؛ إنه إذا فعل فسيرى بين هذه المجلدات التي بيعت بالقناطير عدداً كبيراً من الكتب اللغوية القيمة مثل: القاموس ولسان العرب وصحاح الجوهري، ومن الكتب النحوية التي لا يوجد نظيرها من المؤلفات الحديثة في مكاتب مصر ولا بين كتب التدريس

وهذا معناه أن يد هلا كوخان أو يد عضو محاكم التفتيش قد حاربت ثقافة مصر من سنة 1891 إلى سنة 1919، فإذا كان العرب يريدون الاحتفاظ بمجدهم، فإن الواجب يحتم عليهم حفظ لغتهم، وهذا لا يتم إلا بنبذ المجلات الموبوءة، والاعتناء بتصحيح لغة كتب التدريس

كان صاحب الجلالة المغفور له علي الأول ملك الحجاز السابق ووالد صاحب السمو الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق اليوم يقيم في حي الكرادة على ضفة نهر دجلة في مدينة دار السلام، وكنت أيمم قصره في كل يوم فأرفع إلى جلالته خلاصة الجرائد العربية والتركية وأحمل بعضها معي لإعادة قراءتها عند عودتي في المساء. وفي أحد الأيام قرأ أحد أصدقائي جريدة هزلية تصدر في مصر ودسها في الجرائد التي تأبطتها ودخلت على الملك الوديع فوجدته منفرداً في بهو الاستقبال.

وبعد حديث قصير أمرني بقراءة مقال لي قد نشرته جريدة العراق في ذلك اليوم فقرأته. وفي هذه الأثناء انتثرت الجرائد التي أحضرتها بسبب الهواء المتسرب في النافذة المفتوحة وسقطت على الارض، وكنت قد وضعتها على مقعد بالقرب من جلالته، فرأى الجريدة الهزلية وسألني عن مصدرها وخطتها، وأخذت في قراءة أحد فصولها، فأتممت قراءته وشرعت في قراءة فصل آخر، وتراءى لنا صاحب السمو الأمير عبد الإله فأومأ أليَّ جلالته بطرفه فأخفيت الجريدة وغيرنا مجرى الحديث. وعرف الأمير الفتى أنه قد فَجَأنا في خلوتنا فسلم وودع ولم يزد على قوله لكاتب هذه المقال: جئت للسلام عليك وقد قرأت مقالتك اليوم في جريدة العراق فاسمح لي بالانصراف لأني ذاهب إلى المدرسة.

وبقيت مع جلالة والده فقال لي بعد انصراف ولده وهو يشيع سيارته بنظراته من نافذة القصر:

- لقد فطنت لما أشرت به إليك، لأني لا اقرأ ولا أريد أن يقرأ عبد الإله الجرائد والمجلات التي تنهش الأعراض؛ وهذه هي المرة الأولى التي منيت فيها برؤية جريدة من هذا النوع

فقلت لجلالته: إن هذه الجريدة قد دست في جرائدي ولم أرها إلا بعد شروعي في القراءة، ولو عثرت عليها قبل دخولي من باب القصر لحرقتها وذريت رمادها في الهواء، لان هذا النوع من الجرائد لا فرق بينه وبين جراثيم الأمراض الوبائية.

ومضى جلالته في حديثه فقال:

- يقول لك عبد الإله إنه قد قرأ مقالتك في جريدة العراق وقد رمى بقوله عصفورين بحجر، فقد أذنت له في قراءة الجرائد التي تنشر مقالاتك لا غيرها، لأنك لا تتعثر في الأغلاط اللغوية ولا تدنس قلمك بالهجر من الألفاظ التي تجرح العواطف ولا تغلظ لمناظرك في القول، وهذا ما حدا بي إلى النصح لعبد الإله بقراءة ما تكتبه في الصحف وما تختاره له من الكتب.

فقلت لجلالته: أن المتنبي حكيم العرب وشاعر الأجيال يقول يا صاحب الجلالة:

وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد

ويقول أرسطا طاليس إن الفضائل ليست طبيعية فينا، وإلا عجزنا عن تغيير طبائعنا؛ فالعادة لا تستطيع أن تغير ما هو فطري، مثلُ ذلك مَثلُ الحجر الذي يهوى بطبيعته إلى اسفل فإنه لا يمكن أن يتعود الصعود ولو حاول به المرء ذلك ألف مرة؛ وكذلك النار فطرتها الصعود بلهبها ولا يمكن أن تتجه إلى أسفل؛ وليس في الوجود جسم واحد يمكن أن يفقد خاصته التي تلقاها من الفطرة ليستبدل بها عادة غيرها.

والأمير عبد الإله كريم الطرفين هاشمي الأبوين لم أره مرة مازحاً ولا عابثاً. ولقد تقدم إليَّ يوماً في طلب كتاب قراءة ليتفكه به في أوقات فراغه فبحثت في خاطري وتخيرت لسموه كتاب كليلة ودمنة وأحضرت له نسخة من الطبعة التي صححها الشيخ خليل اليازجي لخلوها من الأغلاط اللغوية. وبعد قراءة بعض فصولها قال لي: إنه يميل إلى مطالعة الكتب الأدبية واللغوية والتاريخية فأحضرت لسموه شرح ديوان أبي الطيب وفقه اللغة وسر العربية للثعالبي وحاولت أن أُردمهما بكتاب أدب الكاتب لمؤلفه أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة.

بيد أني أردت تمحيص أدب الكاتب لأعرف هل هو من سقط المتاع، أو من البضاعة التي تساوي ما سيبذله الأمير من وقته الثمين فرأيت صاحب أدب الكاتب يقول: (ومن ذلك القافلة يذهب الناس إلى أنها الرفقة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة، وليس كذلك إنما القافلة الراجعة يقال قفلت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم أي رجعوا، ولا يقال لمن خرج إلى مكة من العراق قافلة حتى يصدروا)

والقاموس يقول: (والقافلة الرفقة القفال والمبتدئة في السفر تفاؤلاً بالرجوع)

ويقول في (باب ما لا ينصرف) وما كان منها على ثلاثة أحرف (يريد ما كان من الأسماء) وأوسطه ساكن فإن شئت صرفته وأن شئت لا تصرفه. قال الله عز وجل: (أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين) وقال تعالى: (اهبطوا مصراً) انتهى قول ابن قتيبة. وهذان المثلان يثبتان أن ابن قتيبة يجهل أسرار اللغة العربية، فالقاموس يقول المصر الكورة، والكورة هي المدينة، فقوله في الآية لبني إسرائيل الخارجين من مصر في طريقهم إلى بيت المقدس (أدخلوا مصراً) معناه أدخلوا إحدى المدن؛ وقوله تعالى في الآية (99) من سورة يوسف عليه السلام (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) يريد به مدينة مصر عاصمة وادي النيل واسمها هنا ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة؛ أما في الآية الأولى فإن العلتين قد زالتا فلا علمية ولا عجمة والاسم في قوله تعالى: (اهبطوا مصراً) عربي نكرة ولكنه علم أعجمي في سورة يوسف؛ وعليه فإن ابن قتيبة قد اخطأ في التمثيل ولو تمثل باسم غير هذه الاسم مثل (هند) و (دعد) لأصاب لأن العلم الثلاثي الساكن الوسط يجوز فيه المنع والصرف إذا كان غير أعجمي ولا منقول؛ أما مصر في الآية الواردة في سورة يوسف فإن فيها العجمة والعلمية.

ويقول ابن قتيبة ويقال: (شتان) ما هما بنصب النون، ولا يقال شتان ما بينهما! والقاموس يقول: (وشتان بينهما بفتح النون وما هما وما بينهما وما عمرو وأخوه أي بعد ما بينهما) ويقول ابن قتيبة في أدب الكاتب: (ورجل منهوم من الطعام ولا يقال نهم) والقاموس يقول: (نهم ونهيم ومنهوم)، وفي أدب الكاتب أغلاط لا أضيع الوقت بذكرها

ويسرني أن سمو الأمير قد ذكر لي سبب رغبته عن قراءة كتاب كليلة ودمنة فقال: لقد برمت بما فيه من القصص المتشابكة والإطالة المملة على الرغم من جزالة ألفاظه وسلامة عباراته ورقة أسلوب كاتبه وبلاغة إنشائه الذي هو من نوع السهل الممتنع.

وآن وقت الغداء فتغدينا وودعت جلالته وانصرفت.

يوسف كمال حتاتة

عضو المجمع العلمي بوزارة المعارف في الآستانة سابقاً