مجلة الرسالة/العدد 424/تحت ظلال الكافورة

مجلة الرسالة/العدد 424/تحت ظلال الكافورة

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 08 - 1941


من أحاديث القهوة

- 1 -

المنصورة بلد الطبيعة الساحرة والطبع الشاعر هي الآن مصيف ومهجر

هي مصيف، لأن موقعها على ملتقى النهر الصغير والنهر الكبير جعلها كرأس البر على ملتقى النيل والبحر؛ والفرق بينهما أن (رأس البر) رمله من رمال الصحراء، والمنصورة روضة من رياض الجنة. وهي مهجر، لأن بعدها عن الأهداف الحربية والثغور البحرية صرف عنها لحظات المغيرين والغِيَر

ومن جملة المصطافين بها والمهاجرين إليها تتألف في القهوات والندوات جماعات في الأدب والسياسة والتجارة واللهو والفضول ترتسم من مجموعها صورة مقاربة لمجتمعنا العام تصلح للتأمل والدرس. ومن جعل الله ديدنه وصف ما يبصر، وتسجيل ما يسمع، لا يملك أن يشاهد هذا العالم الصغير دون أن يعرض بعض أحاديثه للبحث، وبعض حوادثه للنظر

تتفيأ القهوة التي نجلس فيها الدوح الباسق والشجر الوريف بين شارع الكرنيش وشاطئ النيل. فهي تنظر عن اليمين فترى في الطريق أخلاطاً من الأجناس أكثرها الإغريق، وأنماطاً من اللباس أغربها القلانس، وصوراً من الحسن أبدعها الأوانس، وهُوَلاً من القبح أشنعها المتسولون والباعة. وتنظر عن الشمال فترى في النهر زوارق العبور تنساب حابسة في شُرُعها طلق الهواء، أو ضاربة بمجاديفها وجه الماء، وشباك الصيد يطرحها الصيادون في المكان الضحل فلا تصيب إلا صغار الحصى أو شَبار السمك، وخواطف الطير تحلق فوق الصائد فتخطف ما ثار أو تأخذ ما ترك

يندو إلى هذه القهوة طوائف من الناس ألفت بينهم وحدة الحرفة أو مصافقة المودة أو مبادلة المنفعة: فهنا المعلمون قد تكوفوا على بعض المناضد القاصية، يجادلون بالصوت الجهير في الحرب والأخبار، أو يخوضون في حديث المفتشين والنظار، ومذباتهم التقليدية تتحرك آلياً في أيديهم فتذود الغبار عن الثياب والذباب عن الأوجه. وهناك التجار يتعاقب على مناضدهم الوسطى شُكول من السماسرة والمنتجين فيقيمون في حدودهم الضيقة سوقاً تصطرع فيها طباع المتسوقين من الإغراء والإباء، والصخب والغضب، والمشادة والملاينة، والمسارَّة والمسايرة، ثم ينجلي الأمر عن صفقة من الشعير أو الرز. وهنالك في أقصى الشرق مناضد بُسطت عليها أغطية من القماش المفوَّف وقد أحاط بها عقائل من حسان الروم يفسرهن شباب منهن، قد أنقذهم من نار الحرب سلام النيل، وأفرغ عليهم وضاءةَ النعيم خير مصر، وضمن لهم عيش الأمان سماحة المصريين؛ فهم يتساقون أقداح الزبيب، ويتناقلون أحاديث الأنس، ويتطارحون أضاحيك الحياة، كأن شعبهم لم يذل ووطنهم لم يحتل ومَلكهم لم يشرَّد!

وفي خلال هذه الزمر ترى شاعراً وسنان الحركة نشوان الحس يقرأ على صفحة النهر الوردية أشعار الطبيعة، أو طارئاً من ضخام القرويين لم يطق صبراً على عبث النسيم فنام على كرسيه أثقل النوم، وغط في نومه أقبح الغطيط. وعلى حفافي القهوة ومماشيها تتهافت أفناءٌ من ذباب البشر يقولون إنهم من رعايا وزارة الشؤون الاجتماعية، فيهم المعتوه المخيف، والمريض المعدي، والشيخ المتهدم، والشمطاء الخاوية، والناشئ الضرير، وكلهم يسأل بإلحاف، أو يبيع بسماجة، أو يحتال في سخف!

وتحت الدوحة الكبرى وفي مكان لا يكاد يتغير تجلس جماعتنا طرفي النهار وزلفاً من الليل. وهذه الجماعة من تأليف الحب وحده. تقارب في أفرادها الذوق والرأي والهوى فتمكنت بينهم الألفة، واستكمل بعضهم من بعض ما نقص من عوامل أنسه ومباهج نفسه. واحسبني لا أعدو الحق إذا قلت إنها كثيراً ما تشقق الحديث في شجون من الأدب والتاريخ، وفنون من السياسة والنقد، وشؤون من التجديد والإصلاح، إذا هي سجلت في الرسالة على إيحاء الخاطر وإملاء الطبع كانت نوعاً من الإنتاج الأدبي له قيمته وأثره. ولعلني أستطيع أن أنقل إليك الحين بعد الحين مقطعات من هذه الأحاديث تجد فيها لوناً طريفاً من ألوان المعرفة

واسطة عقد الجماعة رجلان كل منهما طراز وحده في مناقلة الحديث ومبادهة الرأي: أحدهما الأستاذ توحيد السلحدار، والآخر الأستاذ الزناتي. أما صديقنا السلحدار فكنز مدفون لم يشأ الله أن يعرف: نفس كريمة لا تخلق إلا في ملك، وحس مرهف لا يكون إلا لشاعر، وذوق سليم لا يوهب إلا لفنان، ورأي حصيف لا يختمر إلا في حكيم، وثقافة شاملة لا تجتمع إلا لعالم، وخبرة واسعة لا تتهيأ إلا لأريب. درس الأستاذ توحيد وقرأ، ثم رحل وشاهد، ثم ذاق وجرب، ثم عايش النبلاء بحكم نشأته، ولابس الدهماء بحكم وظيفته، وأعانه على الإفادة من كل أولئك أسرة غنية ويد سخية ونفس طُلَعة. فأنت لا تكاد تبدأ الحديث أو تلقى السؤال في ناحية من نواحي الأدب أو الفن أو السياسة أو التاريخ أو الطب أو الطعام أو الشراب أو اللهو إلا بادرك بقول تظنه لصوابه تفكير يومه، أو بادهك بجواب تحسبه لسداده اطّلاع ساعته

وأما أخونا الزناتي فحديثٌ حسن المنطق عذب الأسلوب جامع لطائفة مختارة من أخبار العلماء والأدباء ورجال الحكم، شهدها بنفسه، أو سمعها من أبيه، أو قرأها في مخطوط من نوادره؛ ومن هذه الأخبار ما لا تجده في كتاب ولا تسمعه من أحد. وللزناتي تطلَّع الجبرتي وملاحظته، فهو يستقصي أطراف الخبر، ويستوعب أحوال الأشخاص، ثم يخزن ذلك في حافظة واعية ليؤديه متى شاء لا يند منه حرف ولا وصف. ولقد أقترح أحد الأصدقاء على الأستاذ توحيد أن يُطرف قراء (الرسالة) بأحاديث (من جانب الذاكرة)، وعلى الأستاذ الزناتي أن يمتعهم بنوادر (من فيض الحافظة)؛ فعسى أن ينزل الأستاذان على مقترح الصديق، وان يعجلا إلى القراء الظِّماء بهذا الرحيق!

(المنصورة)

احمد حسن الزيات