مجلة الرسالة/العدد 426/الفقر مسألة اجتماعية

مجلة الرسالة/العدد 426/الفقر مسألة اجتماعية

ملاحظات: بتاريخ: 01 - 09 - 1941



للأستاذ رمسيس يونان

كتب الأستاذ العقاد في عدد مضى من (الرسالة) فصلاً قيماً في مشكلة الفقر كان من بين ما كتب الكاتبون جديراً بالدرس والتحليل

وبالرغم من دفاع الأستاذ العقاد القديم المتواصل عن العامل العاطفي في حياة الإنسان، فلا شك في أنه من رجال الفكر المفتونين بالمنطق العقلي؛ وهذه ميزة في بيئة تعمه في الخرافات والآراء المنقولة والحكم المسطورة. ولكن للمنطق العقلي حدوداً ونقائص، وأولى هذه النقائص أن عرض المشاكل الاجتماعية كما تعرض القضايا المنطقية كثيراً ما يوهم المفكرين بأن حل المشاكل الاجتماعية رهين بحل قضية اجتماعية؛ وليس هكذا يحل المجتمع مشكلاته، وليس هكذا تتطور وتسير الحياة. ونقيصة ثانية تلازم المعتمدين على المنطق العقلي وحده هو نزوعهم في أغلب الأحيان إلى صياغة آرائهم في قالب الحقائق المجردة الثابتة، وليس هناك حقائق بوجه عام - وحقائق اجتماعية بنوع خاص - مجردة عن ظروف الزمان والمكان. فالمجتمع ظاهرة متطورة، ومع تطوره تتطور حقائقه ومثالياته وأحكامه. . . على أن أهم هذه النقائص هو أن رجال المنطق العقلي كثيراً ما يقعون في شرك خدعة نفسية كبرى، فهم إذ يعرضون آرائهم على أنها أحكام مطلقة أو حقائق لا مراء فيها أو بديهيات أولية، لا ينتبهون إلى أن هذه الآراء هي - عن غير وعي منهم - ليست في صميمها غير انعكاس في أذهانهم لصور مادية يحيطهم بها مجتمع بعينه

وأول ما ألاحظه - تفسيراً لما أقول - أن الاهتمام الحديث المتزايد الذي بدأ من كتابنا بدراسة المشاكل الاجتماعية المتصلة بتوزيع الثروات لم يأت عفواً، ولا من شهوة ذهنية طارئة هبطت على عقولهم من عالم الفكر المجرد. . . وإنما هناك حقائق مادية جديدة قد نشأت في المجتمع المصري هي التي انفعلت في أذهان هؤلاء الكتاب وبعثتهم على التفكير فيها وعرض الآراء والحلول؛ وهذه الحقائق - ككل الحقائق الاجتماعية - في حركة وتطور مستمر، وهي لا تتحرك وتتطور تبعاً لما يرتأى لها المنطقيون، بل يفعل مطالب إنسانية تكشفت وتمت إذ مهدت لتحقيقها وسائل مادية جديدة

وعلى ذلك فأنا أعتقد أن الأسلوب الصحيح الذي يجب أن نسلكه في دراسة مشك مثل مسألة الفقر، هو أن نبدأ أولاً ببحث هذه الحقائق المادية الجديدة، وقبل أن نبدي الآراء والحلول المنطقية أو غير المنطقية، يجب علينا أن نتبين جيداً الاتجاه الذي تسير إليه هذه الحقائق، وبهذا فقط يمكن أن يصبح تفكيرنا قوة إيجابية مجددة، بدلاً من أن يكون مجرد انعكاس سلبي، قد يعبر عن (إحدى صور المجتمع)، ولكنه لا يعبر عن (الحركة الاجتماعية) في تطورها الخالق

والعقاد - إذ يعتمد على المنطق العقلي - لم يستطع أن يأتي بحكم واحد لا يقبل الجدل

فالفقر عند العقاد، ولكنا لن نعدم أديباً آخر يقرر أن الفقر عقاب، أو أنه تجربة من رب السماوات

ونفهم من كلام العقاد أنه يريد أن يكون ربح الأفراد مساوياً لما يقدمون للمجتمع من نفع؛ وكلمة (المجتمع) هنا خداعه غامضة المدلول، فأي مجتمع يقصد؟ هل يقصد المجتمع الإنساني شمولاً؟ إذا كان ذلك كذلك فالمجتمع الإنساني كما نرى مقسم إلى مجتمعات كثيرة تتضارب مصالحها إلى حد يصل بها إلى حرب شنيعة كالحرب الحاضرة. وعلى ذلك فالرجل الذي يعد نافعاً أكبر النفع بالنسبة للمجتمع الألماني مثلاً قد يعد مجرماً بالنسبة للمجتمع البريطاني. أما إذا كان العقاد يقصد (بالمجتمع) أمة بعينها، فالأمم كما نرى مقسمة إلى طبقات ذات مصالح متعارضة.

فإذا اكتشف عامل مثلاً وسيلة جديدة يلجأ إليها العمال ليرغموا بها أصحاب المصانع على زيادة أجورهم، عد هذا العامل مفيداً أكبر الفائدة بالنسبة لطبقة العمال، ولكنه لن يعد كذلك في نظر الطبقة التي تملك المصانع

والربح عند العقاد منه الحلال ومنه الحرام؛ وليس لمقاييس الحلال والحرام ثبات؛ فلكل مجتمع مقاييسه التي تنشأ معه لتوافق مصالح الطبقة الحاكمة. فاغتصاب ثروات الآخرين بالقوة مثلاً يعد إجراماً في معظم المجتمعات الحاضرة، ولكنه لا يعد كذلك في كل المجتمعات، ولم يكن يعد كذلك في كل العصور، بل هو ما زال يعد عملاً من أعمال البطولة في ساحات الحروب. . .

ويستنكر العقاد أن (يكون الجزاء الوافي حظ الممثل الذي لا يستحي أن يعرض رجولته للفضوليات من المتفرجات)، وقد يشارك العقاد في هذا الرأي قوم كثيرون، ولكنه من المؤكد أن (الفضوليات من المتفرجات) لا يشاركنه إياه

ومن الحقائق التي لا مراء فيها عند العقاد (أن حياة الإنسان كائناً ما كان انفس من القوت والكساء. . .) فلماذا لا نضيف إلى ذلك أن حياة الإنسان كائناً ما كان هي أنفس أيضاً من سيارة رشيقة، ودار أنيقة، تحيطها حديقة موردة؟. . . فإذا قيل لنا: إن الإنسان يموت إذا حرم القوت والكساء، ولا يموت إذا حرم سيارة أو حديقة، فلنقل: إن الحياة لا تعني عدم الموت فقط، وأن الحياة بغير متعة إيجابية هي والموت سيان

ومن الحقائق أيضاً عند العقاد أن (الأمان كل الأمان خطر على الهمم والأذهان)؛ وهو يريد أن يقول بذلك أنه لو اطمأن كل فرد إلى قوته وكسائه، فقدنا من بني الإنسان العنصر المقتحم المغامر (ومني العالم بخطر من جراء ذلك، هو أخطر عليه من الإجحاف في تقسيم بعض الأعمال، وتوزيع بعض الأرزاق). . .

ولو صدر هذا القول من إسماعيل صدقي مثلاً لعذرناه. . . ولكن الغريب حقاً أن يصدر من العقاد. . .! فكيف يستطيع العقاد الشاعر أن يقول إنه لا تكون مغامرة أو اقتحام إلا حيث يكون طلب الرزق، وإن الإنسان لا يغامر في سبيل غرام، أو في سبيل كشف علمي أو إنتاج فني؟. . . ولماذا لا نقول: إن روح المغامرة إذا تحررت من هموم العيش وأعباء الثروات، فسوف تكتشف لنفسها ميادين وآفاقاً جديدة هي أجدر بعواطف الإنسان؟. . .

ويرى العقاد - كما يرى غيره - أن (العالم مدين للعصاميين)؛ وهذا رأي أقل ما يقال أنه مشكوك فيه. . . فأن عدد الفلاحين الهنود والصينيين يزيد على نصف سكان هذا العالم؛ فهل يمكن أن يقال مثلاً: إن هؤلاء الفلاحين مدينون بشيء للعصاميين؟. . . ولكن لنفرض جدلاً أن هذا الرأي صحيح، فمن الصحيح أيضاً أن نقول: إن الفلسفة والفنون الإغريقية مدينة لنظام الرق. . . وإن الديمقراطية الإنجليزية مدينة للفقر المدقع الذي يعانيه فلاحو الهند. . . فلولا وجود العبيد عند الإغريقلما استطاع (السادة) أن يتفرغوا للتفكير المجرد والبحث عن المثل العليا، ولما ازدهرت عندهمفلسفة أو فنون. . . ولولا الأجور المنحطة التي ينالها فلاحو الهند لما أمكن المستعمر أن يربح هذه الأرباح الطائلة التي بدونها لما يتيسر للحكومة الإنجليزية أن تتقدم لعمالها بمشروعات الإصلاح وبالإعانات والهبات الكثيرة. ولكن لولا هذه الإعانات والهبات لانتظرنا أن تنشط بين العمال الإنجليز الحركة الشيوعية كما نشطت في ألمانيا؛ وفي هذه الحالة، لا يكون غريباً أن الطبقة الحاكمة الإنجليزية كانت تلجئ إلى النظام الدكتاتوري لقمع هذه الحركة

ولكنا إذا قلنا أن الفنون الإغريقية مدينة للعبيد، وأن الديمقراطية الإنجليزية مدينة لفقر الفلاحين الهنود، فليس معنى ذلك أن نظام الرق كان يجب ألا يزول، أو أن فقر الفلاحين الهنود ينبغي أن يستمر. . . وكذلك إذا صح أن العالم مدين للعصاميين، فليس صحيحاً أن العالم سيبقى مديناً لهم أبد الآبدين. فمهما تكن قيمة الدور التاريخي الذي لعبه العصاميون في تطور الاقتصاد العالمي في القرنين الماضيين، فأن كل الحقائق تدل على أن ما يسميه العقاد (البراعة المالية) ليست في الوقت الحاضر كما يقول (لازمة لتأسيس المرافق الاجتماعية والأخلاق القومية وتنظيم العلاقات واستثارة الهمم وتوزيع الأعمال التي لا يستبحر بنيرها عمران. . .) بل إنها على العكس من ذلك تؤدي بالعالم الآن إلى أشنع تمزيق وتخريب وتدمير عرفه الإنسان

فلا وجود للعصاميين بغير تنافس اقتصادي؛ وللتنافس الاقتصادي العالمي هو المسؤول الأول عن الحرب الماضية وعن الحرب الحاضرة. ولسنا ننتظر من مخلوق به مسكة من الشعور الإنساني أن يقول إن هذه الحرب في ذاتها بركة للإنسان. هذا وإن كنا نأمل - بعد أن فشلت الحرب الماضية في تنبيه الشعوب تنبيهاً كافياً إلى عواقب التنافس الاقتصادي - أن تكون نتيجة هذه الحرب الحاضرة هو القضاء فعلاً على النظام الاقتصادي الذي يؤدي التكالب فيه على جمع الثروات إلى الدجل والاحتيال من ناحية، وإلى الشقاء والمرض والحروب الهمجية من ناحية أخرى. . . .

ولا شك أن الفقر - كصفة لاصقة بحياة الأغلبية من الشعب المصري - ظاهرة قديمة ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ. فما الذي جد إذاً على فقراء مصر حتى أصبحت لهم مسألة تشغل بال كثير من الأغنياء، ويهتم لها المفكرون، وتقلق أدباء كانوا يؤثرون الدعة والراحة في مخادع البرج العاجي. .؟

قد يكون صحيحاً أن بعض الأدباء والمفكرين المصريين قد تأثروا بالأدب والتفكير الأوربي الحديث الذي يعالج مشاكل الاقتصاد وتوزيع الثروات، وهي أم المشكلات في الحياة الأوربية المعاصرة، ولكن هذا التأثر كان يبقى شيئاً خاصاً بأفراد، لا قيمة اجتماعية له، ولا يثير اهتمام الرأي العام، لو لم تكن حياتنا الاجتماعية قد تأثرت مادياً بالمدنية الغربية

ولقد اقتبسنا عن الغرب أشياء كثيرة، منها مظاهر سطحية كأساليب الأكل واللباس، ومنها مظاهر أعمق كأساليب التشريع والقضاء والتعليم، ولكن وراء كل هذه المظاهر يكمن تأثر مادي أساسي، هو اقتباسنا لبعض الأساليب الحديثة في إنتاج الثروات، أي لبعض الصناعات الآلية التي نمت في مصر نمواً مطرداً في السنوات الأخيرة

ودخول الصناعة الحديثة في مصر معناه نشوء طبقتين جديدتين: طبقة رجال الأعمال من ناحية، وطبقة العمال من ناحية أخرى. ورجال الأعمال يعيشون في جو مادي، ولهم أساليب في التفكير، ولهم مصالح اقتصادية تختلف عن نظائرها عند أولئك الذين تعتمد ثروتهم على ملكية الأراضي المزروعة. فمن مصلحة رجال الأعمال مثلاً أن ينتشر التعليم، لأن المصانع محتاجة إلى العدد الوفير من العمال الفنيين وإلى العلماء والمهندسين وماسكي الدفاتر. . . وليس لطبقة ملاك الأرض مصلحة ما في أن يستخدم نصيب من الضرائب المفروضة عليها في إنشاء المدارس الفنية. . . فالزراعة في مصر ما زالت تسير على الطرق البدائية التي كانت تسير عليها في عصور الفراعنة. ومادامت الأيدي العاملة في الزراعة رخيصة إلى الحد الذي نراه، فلن يسعى ملاك الأرض إلى استخدام الآلات الزراعية الحديثة الغالية الأثمان، ولن يحتاجوا تبعاً لذلك إلى المتعلمين تعلماً فنياً إلا بقدر ضئيل. وهذا هو السبب الأساسي في نكبة خريجي مدارس الزراعة على قلتهم في بلد تعيش أغلبيته على الإنتاج الزراعي

وهذا في رأينا هو بعض التفسير المادي للمجادلات الصحفية التي كثرت في السنوات الأخيرة عن التعليم في مصر وضرورة توسيعه أو تحديده أو تغيير مناهجه

وقد تنبه رجال الأعمال في مصر من وقت ظهورهم إلى أن العقبة الأولى التي تقف في سبيل توسعهم الصناعي ورواج بضائعهم هي المنافسة الأجنبية. ومن هنا كانت الدعوة إلى الوطنية الاقتصادية التي لعبت دورها أولاً في حركة الاستقلال وإلغاء الامتيازات، ثم استحالت دعوة مستقلة لتشجيع المصنوعات المصرية. . .

أما العقبة الثانية - وقد بدأ التنبه إليها حديثاً - فهي ضعف السوق المحلية. وما دامت الصناعة المصرية لا تطمع في منافسة الصناعة الغربية في الأسواق الأجنبية، فهي مضطرة إلى الاعتماد قبل كل شئ على السوق المحلية. ولكن ما دام هناك أربعة عشر مليوناً من سكان مصر لا يكادون لفقرهم أن يستهلكوا شيئاً من المصنوعات، فلا أمل لأرباب الصناعة المصرية في الإنتاج الضخم الذي يدر الأرباح الطائلة على زملائهم في الغرب.

(البقية في العدد القادم)

رمسيس يونان