مجلة الرسالة/العدد 431/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 431/البَريُد الأدبي

مجلة الرسالة - العدد 431
البَريُد الأدبي
ملاحظات: بتاريخ: 06 - 10 - 1941



جواب

وأجيب عن السؤال الثاني بأن (الهناء) في (تاج اللغة وصحاح العربية) من صحاح اللسان العربيّ، دام الهناء للسائل الفاضل.

وحيد

هما لابن عبد ربه

سأل الأديب أحمد حسن علي شعيب في (العدد 429) عن مقطوعتين من الشعر نسبتا في اليتيمة إلى حبيب بن أحمد الأندلسي وعزاهما ابن عبد ربه إلى نفسه في (العقد). والذي نرجحه أنهما لابن عبد ربه، لأن الفتح بن خاقان ذكرهما مع شعر لا بن عبد ربه في ترجمته من (مطمح الأنفس) ص58، ولأنه عرف عن الثعالبي أنه ينسب شعراً إلى غير قائليه، وقد نبه على ذلك الأستاذ الصاوي في كتابه (المراجع العربية) عند الكلام على (يتيمة الدهر) وأورد أمثلة (ص45 و46) منها نسبته شعراً إلى سيف الدولة. قال ابن رشيق إنه لابن الرومي، وأبياتاً أخرى لسيف الدولة أيضاً.

قال ابن خلكان إنه رآها في ديوان عبد المحسن الصوري. بل إنه - أي الثعالبي - عزا مقطوعة لأبي المطاع الحمداني ذي القرنين، ثم نسبها بعينها إلى ابن طباطبا الرسي المصري، وهي تروى ليزيد بن معاوية وغيره، انظر ص32 المراجع العربية. وإنا لتحقيق الأستاذ النشاشيبى لمرتقبون.

أحمد صفوان

تحقيق في نسبة حديث

جاء في مقال غزوة حنين (العدد 417) من الرسالة:

أن النبي سئل عن الخوارج: (أكفارهم أم منافقون)؟ فأجاب: (من الكفر فروا). لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراّ). فكتبت في العدد (422) أستبعد نسبة هذا الكلام إليه، وقطعت بأنه من كلام علي بن أبي طالب.

فجاء الكاتب الفاضل صاحب المقال يسأل في العدد (423) عن المصدر الذي نسب هذا القول إلى علي، ويذكر أن مصدره هو: (السيرة الحلبية ج 3 ص140). ويقول في ختام كلمته: (ليس هناك ما يمنع صحة هذه النسبة إلى النبي على سبيل القطع)

فمن الخير أن نبين ما يمنع صحة هذه النسبة:

1 - كانت نشأة الخوارج بعد وفاة النبي بأكثر من ربع قرن وعرفوا بهذا الاسم لخروجهم على علي في حرب صفين.

2 - إذا جعلنا صدور هذا الكلام عن النبي من باب الإخبار بالمغيبات اعترضنا أمران: الأول أن الأحاديث المأثورة في هذه الباب تذكر صفات عامة ولا تسمى أشخاصاً ولا فرقاً بأسمائها.

والثاني أن الصحابة الكرام لا علم لهم بالمغيبات، فكيف وقع إليهم اسم (الخوارج) حتى يسألوا عنه. ونحن نعرف أحاديث كثيرة يجعلها المحدثون في باب الكلام على الخوارج، إلا أنها جميعاً ليس فيها هذا الاسم؛ حتى أن ابن عمر وغيره كانوا إذا سئلوا عن الخوارج (بعد سنة 36هـ طبعاً) حدثوا هذه الأحاديث التي فيها صفات قد تنطبق عليهم باجتهاد الراوي. وانظر في ذلك ما جاء في كتب الحديث بدلالة (مفتاح كنوز السنة: الخوارج) في أكثر من عشرين موضعاً.

3 - هذا الكلام المنسوب إلى رسول الله، المنقول من السيرة الحلبية يناقض ما قبله وما بعده فيها من الأحاديث الصحيحة كل المناقضة: فبينا يورد صاحب هذه السيرة (140: 3) أحاديث في كفرهم ووجوب قتالهم نرى هذا الكلام ينفى عنهم الكفر والنفاق صراحة.

4 - لو صح عن النبي شيء فيهم بصراحة، ما وسع علياً أن يقول موصياً فيهم: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من صاحب الحق فأخطأ كمن طلب الباطل فأدركه)، ولو صح ذلك ما جاز لابن عباس أن يقول فيهم لعلي: (والله ما سيماهم بسيما المنافقين وإن بين أعينهم لأثر السجود وهم يتأولون)، وإنما المعقول أن يستشهدا بما قال النبي . ولو صح ذلك أيضاً لما جعلهم المحدثون (البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجدْ) ممن تنطبق عليهم أحاديث المروق اجتهاداً منهم. أما سندي في عزو هذا الكلام إلى صاحبه علي بن أبي طالب فهو العقد الفريد وقد سهوت فذكرت الخوارج في العدد (422) وإنما هو أصحاب الجمل وراى على في الخوارج هو نفسه في أصحاب الجمل على ما ذكرت لك آنفاً في وصيته فيهم. جاء في العقد الفريد: (ج 3 ص105 المطبعة الأزهرية) سنة 1928. سئل علي عن أصحاب الجمل: (أمشركون هم؟) فقال: (من الشرك فروا) قال: (فمنافقون؟) قال: (إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً) قال: (إخواننا بغوا علينا).

ولعل أطرف الأشياء وأعجبها السند الجديد الذي أظفرني به السائل. إن سندي في نفي هذا الكلام عن النبي هو السند نفسه الذي أحتج به في نسبته إليه، وسأنقل الفقرة نفسها مع ما قبلها ليتبين الحق على وجهه. جاء في السيرة الحلبية (ج 3 ص120) ما نصه: (وقد قاتلهم (يعني الخوارج) علي كرم الله وجهه وقد سئل عن الخوارج (أهم كفار) فقال: (من الكفر فروا) فقيل: (أمنافقون؟) فقال: (إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً وهؤلاء يذكرون الله كثيراً) فقيل: (ما هم؟) فقال: أصابتهم فتنة فعموا وصموا) فلم يجعلهم كفاراً لأنهم تعلقوا بضرب من التأويل.

ألا يرى معي الكاتب الفاضل والقراء الكرام أن () الواردة بعد (سئل) وبعد يجوز أن تكون (يجعلهم) خطأ من ناسخ أو طابع، وأن الكلام يستقيم بدونها ويتجه إلى الصواب، فيكون من كلام علي ويطابق ما جاء في المصادر الصحيحة كلها. وذلك من أغرب ما يوقع به سهو أو خطأ.

وسيبقى هذا خطأ حتى يثبت بطريق صحيح يشتبه إلى النبي

(دمشق)

سعيد الأفغاني

حول نقد كليلة ودمنة

طالعت باهتمام ما كتبه الأستاذ عبد السلام هارون في نقد وتعليق على الطبعة الأخيرة لكتاب (كليلة ودمنة) وقد رأيت أن أعلق على تعليقه الثالث المنشور بعدد (الرسالة) رقم 428 على نقاط ثلاث لم يصحبه التوفيق فيها:

الأولى: (إذا جئتني بالليل من غير نداء ولا رمي، ولا شيء يرتاب به)؛ يتساءل الأستاذ بعدها بقوله: (فما ذلك الرمي؟) ويرجح أنها مصحفة (من الرمز)، والحقيقة أن كلمة (الرمي) صحيحة وملائمة، وليس هناك ما يحمل على العدول عنها، بل يوجد ما يوجب التمسك بها، فالرمي بحجر أو حصاة وسيلة معروفة من وسائل التنبيه عند القدامى والمحدثين وهو أدعى إلى الارتياب، ويفسر له ذلك ما روى في نوادر ابن أبي عتيق: (عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) قيل: وتعشى عبد الله ليلة ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر الدار، ووقع آخر وثالث؛ فقال للجارية: اخرجي فانظري أذَّنوا المغرب أم لا؟ فخرجت وجاءت بعد ساعة وقالت: أذَّنوا وصلوا؛ فقال الرجل الذي كان عنده: أليس قد صلينا قبل أن تدخل الجارية!؟ قال: بلى، ولكن لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرُجمنا إلى الغداة أفهمت؟ قال: نعم قد فهمت!

وواضح من هذا أن صديقاً للجارية كان يدعوها بالرمي الثانية: (رأس الخنازير) و (سيد الخنازير)، يرجح الأستاذ أنها (رأس الخبّازين)؛ ولا أدري لمن يخبز هذا الخباز ومن الذي سيأكل خبزه من السباع الضاربة!؟ ويؤيد الأستاذ ظنه بأنه قد أشير إليه في بعض النسخ بعبارة (صاحب المائدة)

وهذا دليل لا يقدم ولا يؤخر، فما المانع من أن يكون (رأس الخنازير) هو (صاحب المائدة) في نفس الوقت، وهذا هو الواقع، وهو من دلائل الحبكة القصصية عند المؤلف، حيث جعل الأسد يأمر بعزله عن وظيفة القيام على مائدته بعد ما تحدث (دمنة) عن قذارته ودمامته، ولا أفهم كيف تدل كلمة (صاحب المائدة) على الِخبازة، ومائدة الأسد معروفة ألوانها؟ وقد التفت إلى ذلك الأستاذ المرصفي في طبعته المصورة فقال: (وسيد الخنازير هذا كان خادماً على مائدة الملك، كما يفهم مما بعد. . . الخ).

الثالثة: (وانقلبت ظهراً لبطن، وانجررت حتى دخلت جحري) ويسأل حضرته قائلاً: (فماذا جره حتى انجر؟ إنما هي: وانحدرت) ونحن نسأله على طريقته (ماذا قلبه حتى انقلب؟ وماذا حدره حتى انحدر؟)، فهذا الفعل المطاوع لا غبار عليه البتة، وأمثاله كُثْرٌ في اللغة، وهذا الفعل بالذات تقول عنه المعاجم: وقد جَرّت الإبل تجر جراً إذا رَعَتْ وهي تسير، أو الجرُّ أن تركب الناقة وتتركها ترعى، وقد جرها يجرها (كالانجرار) فيهما، وأنشد ابن الأعرابي: (إني على أَوْنِي وانجراري)

وهذه الأفعال المطاوعة - كانتشر وانكمش وانتقل - مطاوعة لعامل ذاتي لا لعامل خارجي، أي تتجاوب مع عاملٍ طبيعي فيها، فهو قد قلب نفسه فانقلب، وجر نفسه فانجر، وحدر نفسه فانحدر.

هذا ما وجدته حرياً بالتنبيه عليه حتى لا يتهم الأستاذ الفاضل بالتكلف أو التحامل. . . وأُعيذه منهما.

حسين منصور

حول كتاب (محمد فريد) أيضاً

في العدد 429 من الرسالة وفينا هذا الكتاب القيم حقه من التقدير، وأشرنا إلى أن المؤلف الفاضل قد تعقب زعيماً بعينه في مواضع لم يكن التعقب فيها حتماً عليه. وقد أنكر علينا أديب في العدد الماضي هذا القول وطالبنا بالمثال. ونحن نكتفي بأن ندله على الصفحات الآتية من الكتاب وهي صفحات: 188 و 260 و 355 و 356 و 388 و 412، فان فيها مقنعاً لمن يريد أن يقتنع.

لبيب السعيد

محنة التعليم

أخي الأستاذ علي عبد الله

قرأت في العدد 423 كلمتك في محنة التعليم الإلزامي، فلم أعجب للفوضى التي وصفتها فيه، والنظم الجائرة المطبقة عليه؛ ذلك لأن المصيبة عندنا في نظم التعليم وأساليبه ليست بأقل من مصيبتكم فيه إن لم أقل أشدو أفدح. أما العدل فلا عدل، أما التقدير فلا تقدير. ترى المعلم النشيط ذا الوجدان الطاهر يلقى دروسه على طلابه من الصباح إلى المساء، باذلا من الجهد ما يضنى جسمه، مجرباً كل الوسائل الممكنة لإفهام الطلاب تنشئة صالحة قويمة، وترى إلى جانبه المعلم الجاهل يقضي نهاره في راحة ودعة، لأنه فقد الضمير والوجدان. فماذا تجد؟

يحزنني والله أن أخبرك أن الأول مظلوم مهمل مغضوب عليه، وأن الآخر مرضى عنه حائز ثقة رؤسائه، يزيد مرتبه على مرتب ذاك زيادة قد تبلغ الضعف أحياناً. ولملك تستغرب هذا وتود أن تعلم السبب في ذلك:

هناك أسباب كثيرة أجدرها بالذكر أن الأول لا ينافق ولا يمارى، ولا يتملق أولى الأمر، وأن تقدير قيمة المعلم وقيمة عمله متوقف على تقارير المفتشين، ولا أكتمك أن في هؤلاء المفتشين من برع في الرياضيات والطبيعيات براعة فائقة، ولكنه لا يعرف من اللغة العربية إلا مبادئ لا تغنيه. ولو أن وزارة المعارف ولتهم تعليم ما اختصوا به لما عدت سبيل الحق، ولأفاد الناشئون منهم ومن علمهم.

وناحية أخرى، هي أن قيمة المعلم - لدى أولى الأمر - لا بعلمه وفضله، ولكن بما يحمل من شهادات! فكلما كانت شهادته أكثر كان أعلم وأفضل، وهذه طريقة لا نراها عادلة كل العدل - وعلى الأخص في دروس اللغة العربية.

وأنا مشفق بعد هذا - مثلك - من أن أذكر كل ما أعرف، فلا تحزن يا صاحبي، وليكفك أن وجدانك مستريح وان ثوابك غداً عند الله لا في هذه الدنيا.

(دمشق)

ناجي الطنطاوي