مجلة الرسالة/العدد 434/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 434/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 10 - 1941



وفاة الآنسة (مي)

في يوم الأحد التاسع عشر من هذا الشهر استوفت الكاتبة الكبيرة (مي) أنفاسها في مستشفى (المعادي) وكانت قد نقلت إليه على أثر إغماء غشيها ثلاثة أيام وهي في بيتها لا يعلم بها أحد، حتى فطن إلى ذلك بواب المنزل فأبلغ أمرها إلى الشرطة. والسنوات الأخيرة من حياة (مي) كانت مأساة يرتاع لها الضمير ويلتاع القلب. وقد أشارت الرسالة إلى بعض فصولها في أعدادها السابقة.

والآنسة (مي) تنتمي إلى أسرة زيادة من قضاء كسروان في لبنان، وقد ولدت هي بالناصرة حيث كان يعمل والدها المرحوم إلياس زيادة، وتلقت علومها الابتدائية بمدرسة عين طورة، ثم جاء بها والدها إلى مصر فاستكملت ثقافتها وتميزت بالذهن البارع والذوق السليم، والمشاركة في سائر العلوم، وحذقها للغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والأسبانية. ثم أخذت تنشر فيض قريحتها الخصبة في المحروسة ومجلة الزهور والمقتطف والهلال والأهرام والسياسة والرسالة؛ وغذت المكتبة العربية بطائفة من الكتب الممتعة موضوعة ومنقولة. ومنذ بضع سنوات توفى والدها ثم والدتها فظلت بعدهما حزينة وحيدة، ثم مالت إلى العزلة وانقطعت عن الكتابة والتأليف. ثم أصابها مرض نفسي ساعد على ضعف أعصابها وانحلال قواها، فنقلوها إلى لبنان تستشفي فيه، حتى إذا أحست روح العافية رجعت إلى مصر فألقت محاضرة في الجامعة الأمريكية أعادت إلى الذاكرة وقفاتها على المنابر. ثم عادت صحتها فساءت في الأيام الأخيرة حتى توفاها الله. وفي عدد قادم ستقول الرسالة في الفقيدة الكريمة كلمة الإنصاف.

مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية

كنت أحب أن أعفى نفسي من دراسة الكتب التي قررتها وزارة المعارف في مسابقة الأدب العربي لطلبة السنة التوجيهية، بعد الذي عانيت من المتاعب في دراسة الكتب التي قررتها الوزارة في السنة الماضية، وإنما يتعبني هذا النوع من الدراسة لأنه يوجب النزاهة المطلقة في إصدار الأحكام الأدبية، وليس هذا بالشيء الهين، فأكثر أصحاب هذه الكتب أحياء، وقد تكون بيني وبين فريق منهم تراث وأحقاد، وتخليص النفس من الهوى مطلبٌ شاق، ولن أستطيع القول بأني مبرأ من الأهواء.

ولكن الرغبة الكريمة التي أبداها بعض كبار المربين من أمثال الأستاذ أحمد نجيب هاشم ناظر مدرسة فاروق الأول الثانوية، والأستاذ سامي عاشور ناظر مدرسة شبرا الثانوية، والأستاذ حبيب إسكندر مدير مدارس التوفيق القبطية، هذه الرغبة الكريمة قوّت عزيمتي وأعانتني على صد هوى النفس في معاملة بعض خصومي من رجال الأدب الحديث، فأنا ماض بعون الله في درس الكتب المقررة لمسابقة هذه السنة بالنزاهة التي التزمتها في السنة الماضية، لأن مقامي في نقد هذه الكتب مقام المدرس، والمدرس لا يجوز له أن يواجه تلاميذه بغير الصدق، وإن كان في الصدق ما يجرح هواه.

وقد أرسلت الوزارة منشوراً بالكتب المقررة إلى جميع المدارس الأميرية والأهلية والأجنبية، فلا موجب للنص عليها في هذه الكلمة الوجيزة. وهل يفوت المدرسين الأوائل أن يبلغوها إلى جميع الصفوف؟ إنما يهمني أن أنص على أن كتاب (المنتخبات) لأستاذنا أحمد لطفي السيد باشا مقرر تحريرياً على جميع المتسابقين، وليس عندي ما أقوله في هذا الكتاب بعد الذي قلته في العدد 388 من مجلة (الرسالة)، ويستطيع الطلبة أن يجدوه في مكتبات المدارس الأميرية والمكتبات العمومية.

فإلى العدد المقبل، وسأبدأ بتشريح كتاب (الأخلاق عند الغزالي) فلي بمؤلفه صلة شخصية، وإن كنت أخشى أن يفسد النقد ما بيني وبين المؤلف، وهل جاملتُ صديقاً حتى أجامل هذا الصديق.

زكي مبارك

1 - شكر ووعد

قرأتُ ما تفضّل بكتابته الأستاذ محمد عبد الغني حسن، في العدد 426 من الرسالة الغراء، فشكرتُ لحضرته وافر أدبه وحسن ظنه بي. وأود أن أذكر الآن، أنني بعثت اليوم إلى هذه المجلة بمقال يحتوي على ما أمكنني الوقوف عليه من ترجمة جميل تخلة المدور. فعساي قمت ببعض الواجب نحو رجلٍ خدم الآداب العربية خدمة جليلة.

أما طلبه الكتابة في (قصور سامرا)، فذاك بحثٌ وفّيناه حقه من العناية في بعض الملحقات التي أضفناها إلى كتاب (الديارات) للشابشتي، ذاك الكتاب الذي نرجو من الله أن يوفقنا لنشره بالطبع في وقت نرجو أن يكون قريباً.

2 - كتاب الشعور بالعور

بينما كنت أقلب فهرس المخطوطات العربية المصونة في خزانة كتب برلين، وقع نظري على ذكر نسخة من كتاب (الشعور بالعور) لعلامة عصره صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة 764 للهجرة. وهذه النسخة برقم 9867 من قائمة أهلوردت فتذكرت حينئذ أنني قرأت نبذاً منشورة في مجلة الرسالة. ولما رجعت إليها ألفيتها خمساً، كتبها ثلاثة أفاضل في شأن هذا الكتاب ونسخه المعروفة. ويؤخذ من الفهرس المشار إليه أن نسخة برلين تقوم في (112) صفحة متوسطة، في كل منها 27 سطراً، وأنها كتبت قبل نحو من مائتي سنة وبذلك، تكون النسخ المعروفة لهذا الكتاب ثلاثاً، وهي:

1 - نسخة المغفور له أحمد زكي باشا، المصورة عن مخطوط في بعض خزائن استانبول.

2 - نسخة الخزانة الخالدية في بيت المقدس، وتاريخها سنة 841 هـ.

3 - نسخة برلين، وهي التي ألمعنا إليها في هذه الكلمة

(بغداد)

كوركيس عواد

تأبين الأستاذ يوسف أسعد

أقام شعراء المنصورة وأدباؤها في الأسبوع الماضي حفلة تأبين بنادي الأرز للأستاذ يوسف أسعد الشاعر الذي توفى في الشهر الماضي. وقد كانت هذه الحفلة صورة لوفاء الشعراء والأدباء في الدقهلية نحو شاعر هتف بأعذب الشعر في جميع المناسبات القومية والاجتماعية والخيرية، وكان له أقوى الأثر في تشجيع النهضة الأدبية بالدقهلية.

وقد ولد المرحوم يوسف أسعد في لبنان، وأتم علومه بمدارسها، واشتغل في أول أمره مدرساً لعلوم البلاغة في المدرسة الوطنية اللبنانية؛ ثم اشترك في تحرير مجلة الحقيقة التي كان يصدرها المرحوم نعيم بك صوايا بلبنان؛ ثم هاجر إلى مصر، واختار المنصورة داراً، واشتغل بالتجارة والزراعة، فنجح فيهما؛ إلا أن ذلك لم يصرفه عن قرض الشعر ومعالجة الأدب، وقد كان أميل إلى الحكم والمواعظ، وله في هذا المعنى كتاب قيم اسمه (رأس الحكمة مخافة الله). رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله الصبر عليه، وعوض أمته الخير من فقده.

(المنصورة)

علي عبد الله

الأسود بن قنان

ورد هذا الاسم في كتاب مسهب بليغ بين النثر والشعر، للأمير أبي عبد الله بن الأحمر الغرناطي، بعث به إلى سلطان فاس متوسلاً مستغيثاً متوجعاً من بني الأسبان ومناكرهم! وهو من إنشاء الشاعر الناثر أبي عبد الله محمد ابن عبد الله العربي العقيلي، وقد سماه (الروض العاطر الأنفاض، في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس)

وفي ثنايا الكتاب يقول مادحاً السلطان المذكور: (. . . أعز جاراً من أبي دُوَاد، وأحمي أنفاً من الحارث بن عُباد. . . إن أغاث ملهوفاً فما الأسود بن قنان يذكر، الخ)

فمن هو الأسود بن قنان؟

يقول الأساتذة الإجلاء (السقا والإيباري وشلبي) الذين قاموا بضبط وتحقيق كتاب (أزهار الرياض في أخبار عياض) تعليقاً على هذا الاسم في الهامش: لم نجد شيئا عن الأسود ابن قنان هذا في المظان التي رجعنا إليها.

وللإخوان الكرام كل العذر، فالأسود بن قنان لم يسعده الحظ بالشهرة مع ما أوتيه من فتوة وأربحية وبأس ونجدة.

وقد عناني أن أعرف هذا الرجل الهمام الذي وصفه العقيلي بأكرم خلة يتصف بها إنسان: وهي إغاثة الملهوف! وخيل إلىّ أنني مررت بهذا الاسم فيما قرأت وإن غاب عني المصدر، حتى كنت ذات ليلة أتصفح (ديوان المعاني لأبي هلال العسكري) فبعثرت به مصادفة في فصل المديح من كتاب المبالغة.

قال أبو هلال رواية عن أبي الحسن البرمكي عن محمد ابن ناجية الرصغاني، قال: كنت أحد من وقعت عليهم التهمة أيام الواقعة بمال مصر، فطلبني السلطان طلباً شديداً، حتى ضاقت علىّ الأرض برجها! فخرجت إلى البلاد مرتاداً رجلاً عزيزاً منيع الدار أعوذ به وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان بن ثعلبة، فدفعت إلى بيت مشرف بظهر رابية منيعة، وإلى جانبه فرس مربوط ورمح مركوز يلمع سنانه، فنزلت عن فرسي وتقدمت فسلمت على أهل الخباء، فرد على نساء من وراء السجف، يرمقنني من خلل الستور بعيون كعيون أخشاف الظباء! فقالت إحداهن:

اطمئن يا حضري، فقلت: وكيف يطمئن المطلوب أو يأمن المرعوب! وقلما ينجو من السلطان طالبه، والخوف غالبه دون أن يأوي إلى جبل يعصمه، أو معقل يمنعه. فقالت: يا حضري، لقد ترجم لسانك عن قلب صغير وذنب كبير، قد نزلت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا يجوع فيه كبد، ما دام لهذا الحي سَبد أو لبَد. هذا بيت الأسود بن قنان، أخواله كلب، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، لا ينازع ولا يدافع، له الجوار وموقد النار وطلب الثار، وبهذا وصفته أمامة بنت الجلاح الكلبية حيث تقول:

إذا شئت أن تلقي فتى لو وزنته ... بكل مَعَدِّيٍَّ وكل يماني

وفي بهمُ حلماً وجوداً وسؤدداً ... وبأسا فهذا الأسود بن قنان

فتى كالفتاة البكر يصفر وجهه ... كأن تلالي وجههِ القمرَان

أغرّ أبرْ ابنيْ نزارٍ ويعرُب ... وأوثقهم عقداً بكل لسان

وأوفاهمُ عهداً وأطولهم يداً ... وأعلاهمُ فعلاً بكل مكان

وأضربهم بالسيف من دون جاره ... وأطعنهم من دونه بسنان

كأن العطايا والمنايا بكفه ... سحابان مقرونان مؤتلفان

فقلت: الآن ذهبت عني الوحشة، وسكنت الروعة، فأنَّى لي به؟! قالت: يا جارية، اخرجي فنادي مولاك، فخرجت الجارية فما لبثت إلا هنيهة حتى جاءت وهو معها في جمع من بني عمه، فرأيت غلاماً حسناً قد أخضر شاربه، واختط عارضه، وخشن جانبه. فقال: أي المنعمين علينا أنت؟ فبادرت المرأة فقالت: يا أبا مرهف، هذا رجل نبتْ به أوطانه، وأزعجه سلطانه، وأوحشه زمانه، وقد أحب جوارك، ورغب في ذمتك، وقد ضمِنا له ما يضمنه لمثله مثلك! فقال: بلَّ الله فاك! قال: فأخذ بيدي وجلس وجلست؛ ثم قال: يا بني أبي وذوي رحمي، أشهدكم أن هذا الرجل في ذمتي وجواري، فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني، وما يلزمني من أمره في حال إلا ويلزمكم مثله: فليسمع الرجل منكم ما يسكن إليه قلبه، وتطمئن إليه نفسه. قال: فما رأيت جواباً قط أحسن من جوابهم؛ إذ قالوا بأجمعهم ما هي أول منة منَنتَ بها علينا، ولا أول يد بيضاء طَوَّقتناها، ومازال أبوك قلبك في بناء الشرف لنا ودفع الذم عنا، فهذه أنفسنا وأموالنا بين يديك!

ثم ضرب لي قبة إلى جانب بيته، فلم أزل عزيزاً منيعاً حتى صنع لي السلطان ما أملت فانصرفت إلى أهلي.

إذاً فالأسود بن قنان من شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل من ربيعه.

علي الجندي