مجلة الرسالة/العدد 437/مواسم الأدب

مجلة الرسالة/العدد 437/مواسم الأدب

ملاحظات: بتاريخ: 17 - 11 - 1941



للأستاذ كرم ملحم كرم

يوم لنا ويوم علينا. هذا حال الأدب؛ فلا بد فيه من يقظة وهجعة. والأدب وليد الحس، والحس تتفق له حيناً وثبات يصاول بها الفلك، ويدهمه حيناً سكون تغلب عليه فيه نومة. . . ضجعة الموت أهنأها!

فكأن للأدب مواسم يشع فيها ويكشف عن جبينه وقد دانت له مغلفات الوحي، وتفتحت عليه سموى الإلهام. كأنه يتقلب بين سعود ونحوس؛ فيضيء نجمة وقادة ليخبو كمصباح عطش إلى الزيت. فما إن تعصف به الغاشية حتى تذهب باليانع من أطايبه، والنامي من أغصانه؛ ويحييه غيث ندى فيتلألأ بسخاء، ويزكو بسماح، ويعلو أبداً فيطول عين لشمس وينفذ إليها ساطعاً منها على الدنيا، مالئاً كل زاوية وهجاً وسنى!

ولقد بحثت عن الأدب فما اهتديت إليه بغير أبواب الملوك، وانه ليجالس الملوك؛ يهشون له فيبش لهم، ويصدون عنه فيغمز بهم. فإن يهبوا له العطايا ينفحهم ببدائعه، وإن يمسكوها عنه وينتضوا في مقاتله سيفاً حديداً يناهضهم بلسان أمضى من القاطع الفتاك

وما هي عطاياهم تجاه بدائعه؟. . . عطاياهم تذوب ونفائسه تبقى؛ عطاياهم تذوب لا تنبت على الأيام، على حين أن نواجبه تفل من عزم الأبد، ولولاه، لولا ما يخلع عليهم من مديح، لتناست الأجيال المتعاقبة معظمهم؛ وحتى أهاجيه تمد آجالهم، فيصونهم الخلود، لكون الأدب تغنى بمآتيهم، أو أحسن النيل منهم وأبى على الزمن أن يبيد آيات سمت عن التلاشي والاضمحلال

بيد أن فضل الأدب على الملوك لا يمحو فضل الملوك على الأدب. فما بلغ الأدب أشده، بل هو لم يتنفس وتختلج فيه الحياة المطمئنة الوضيئة، لولا أن هؤلاء الملوك يغذونه بعطاياهم، وتوحي به مجالي الأبهة والجلال في معيشتهم وسكناهم. فالمهابة والندى من باعثات الوحي وحوافز البيان. فلا بد لمن تكمن فيه آيات البلاغة أن يحسسهما ويبوح بما يجيش في نفسه من إعجاب وإجلال. . .

فالتاج والصولجان ينطويان على عظمة ملموسة تفتق العاطفة على جمودها، وتستل من أعماق القلوب الكلام المجنح والمنطق الحلال. فيفيض الأديب الموهوب بالبيان الصافي، وينتزع المعاني من مخابئها؛ بل هو يغوص عليها في مظانها يجلو بها العقد النظيم ويدفعه أنيق الصياغة، ساطع الجبين!

وقد تندفع إليه هذه المعاني عفواً، دون ما كد ذهن ولا إجهاد نفس. فالعظمة المنبسطة أمامه بسلطانها وبهائها تبعث في لبه القوة على توليد كل معنى جليل ليعادل بنسخ بيانه المشهد السامي المتعة، المحفوف بالنعمة، المتوهج في عينيه

والملك الضليل نفسه لم يبلغ مكانته الشامخة في أدب الضاد لو لم يعش في أحضان ملوك، ويستنشق في بلاط أبيه شميم العزة، ويلمس بيديه فخامة السلطان. فأقبل إلى ساحة الأدب مثقلاً بفخفخة الملوك، وكان أدبه صدى هذه الفخفخة البعيدة اللمعان المجلببة بالنعمى، اللينة الجانب، المكينة البنيان

وامرؤ القيس، الملك الضليل، في طليعة موكب الأدباء في لغة الضاد. فما لقي الأدب بيانه المنشور في سوى بدائع ذلك الفتى وقد جمحت به العاطفة فانطلقت من كبده حافلة بالقول الشهي والصوغ المحكم الأداء. وتوالت من بعده السلسلة حلقة حلقة، وكلها تنم عن طيب أصحاب الجلالة، أو من يستوي في معاقلهم من أصحاب الجاه الوسيع، والظل المأنوس؟

ومن أنطلق بالأدب المصفى المتلمس، وابن أخته طرفة بن العبد، وابن كلثوم، وابن حلزة اليشكري سوى الملك عمرو بن هند؟. . . فإن هذه القافلة من أدباء العهد الجاهلي مدينة لابن هند في الإبداع في النظم والإنشاد. وأنى لابن كلثوم أن يسمعنا معلقته التياهة:

إلا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

لولا عمرو بن هند الملك الأثيل المجد الأبلج المنتمي؟

وهذه الشعلة المتأججة في منظوم النابغة الذبياني، أين كنا نجدها لولا النعمان بن منذر، أبو قابوس؟. . . فالنابغة لم يسحب في أبياته وقوافيه ذيل الدل والإعجاب لولا هيبة السلطان وعاصمة الجليل:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

ومثله لبيد. فالنعمان مهد له السبيل إلى النظم والإجادة وهو في سن تقصر عن البلوغ. فطعن في حضرة صاحب السلطان على الربيع بن زيادة العبسي طعنات دامية أزاله بها عن مكانته السامقة وقد صاح بالنعمان والربيع يؤاكله: مهلاً، أبيت اللعن، لا تأكل معه!

ولن ننسى ابن أبي سلمى، زهيراً، صاحب الحوليات القائل:

سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش ... ثمانين حولا، لا أبالك يسأمِ

فإن عليه لهرم بن سنان يدا في إفاضة النظم وفي تذيل المعاني الحسان:

تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله

والأعشى. ماذا نقول في الأعشى المتكسب، جواب الآفاق؟

أما أقام بباب الأسود، أخي النعمان، يغالي في المدح ويسأل العطاء - واللهُّي تفتح اللهَّا؟

هذا في العهد الجاهلي. ولقد كان العهد الإسلامي في مستهله أمضى حافز على النظم والإبداع. فالدعوة الإسلامية بحاجة إلى من ينادي بها، ويذيع فضائلها، والخصوم يتألبون عليها. فانتصب المنافحة عنها حسان بن ثابت الأنصاري. واعتمده النبي العربي في الكفاح. وأسمعنا كعب يتيمته:

باتت سعاد فقلبي اليوم متبولُ. . .

وطاف الخطيئة بالأبواب يستندي ويستجدي. ومن أمسك عند يده هدده بقحمات لسانه؛ فأنجده في الجاهلية أبو سفيان، وأجزل له في الإسلام العطاء عمر بن الخطاب، فابتاع منه لسانه بثلاثة آلاف درهم لئلا يطلقه في سب المسلمين لا يخشى، ولا يتحامى فحش القول والتهشيم

ونبض العهد الأموي بالحياة، فإذا الأخطل يبدو ويقبل في أثره الفرزدق وجرير. ثلاثة معاول للهدم ودك المشمخرة. وبسط معاوية يده في استمالة الأدباء فكان للأدب في عهده موسم خصب وسوق نافقة. فكل من أحس في نفسه ميلاً إلى الأدب تبع ميله وماشى هواه. فالعهد بات عهد نظم وخطابة وإنشاء، يمدح الأدباء معاوية ويزيد ابنه فتمتلئ أيديهم بالعطايا النفيسة، ويغنم الخلفاء ويكسب الأدب!

ولم يعدم هؤلاء الأدباء ساعات للهو يبيحون فيها للنفس سجيتها وينطقون بما ينتفض في قلوبهم من عاطفة مشبوبة وهوى دفين. فيحدثنا الأخطل عن حبه للكأس واستماتته بابنة العنقود وينسب جرير بفاتنته أم عمرو وقد سلبته صفاء القلب؛ وتسبيه حور العيون، فما يتمالك أن يقول: يقتلن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا

ويفضح الفرزدق فسقه في مقاله:

هما دلتاني من ثمانين قامة. . .

وهو هو القائل في زين العابدين، حفيد علي بن أبي طالب:

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد خُتموا

والقصيدة من اسمي المنظوم، وهي في المدح لا عديل لها، فمن أوحى بها؟. . . أبن بنت النبي، ملك من سلالة ملوك وإن هم ناموا في مطلع نهضتهم عن التاج والصولجان

وعظمة سحبان وائل، الخطيب البليغ اللسان، أين تجلت في أبهى جلالتها؟. . . أليس في بلاط معاوية الأول؟. . . وبيان عبد الحميد الكاتب أين سما؟ في بلاط الخليفة الجعدي، خاتمة الملوك الأمويين!

وزحزح العهد العباسي لثامه فإذا أبن المقفع في خدمة أعمام الخليفة، وإذا الخليفة العباسي الثاني يدعوه إليه ويكلفه نقل الكتب الأعجمية الذائعة الصيت إلى لغة الضاد. وهكذا نعمنا بكليلة ودمنة، أنقى مثال للأدب الوزين!

واتسع المجال في منتدى الخلفاء لكل ناظم وكاتب. فقام أبو دلامة وأبو معاذ الأعمى بشار بن برد، في بلاط المهدي.

واشتد الإقبال على الأدب. ولم يكن بيت المال في بغداد دون بيت المال في دمشق، فتألفت المدارس الأدبية، وبدا المنشئون في سطوة وهناءة. فالعباسيون شاءوا أن يبزوا الأمويين في العلم وبث الدعوة. وما خلا الجو للرشيد حتى أصبح أدب الضاد مشعل هدى، وكان قد أضاء في سمائه الخليل بن أحمد، وأبو نواس، وأبو العتاهية، والأصمعي، وأبو عبيدة، وسيبويه، والجاحظ، والكسائي. وجاء المأمون فإذا أوسع نهضة أدبية في لغة الضاد تتجلى. فما شهدت لغتنا عهداً فواحاً خصباً في الأدب والعلم كعهد المأمون!

وقبض المأمون فقامت دولة أخيه المعتصم. وفي كنف المعتصم لمع أبو تمام. وكان المتوكل فنبغ في رحابه الشاعر البحتري. وانتهى الموكب إلى المتنبي فتلظت مواهبه في حمى

الملوك، ولا سيما في بلاط سيف الدولة الحمداني وما شذ الأدب في الأندلس عن القاعدة. فعاش في ظلال الملوك وانطفأ بانطفاء الملوك، مثله في دمشق وبغداد. فما إن تنقضي الدولة حتى يأوي إلى المضجع. ولقد طال هجوعه نحواً من ستمائة سنة، فلم يتنفس بسوى انتظام اليازجي الأول في ديوان الأمير بشير الثاني حاكم لبنان

وكان قد بعث في وادي النيل في عهد محمد علي. وبلغ أوجه في دولة عباس حلمي. وقد زانه شوقي وحافظ وإبراهيم اليازجي ونجيب الحداد وولي الدين يكن ومصطفى لطفي المنفلوطي بأبهى حلل البيان. وإنه ليتهادى اليوم في خطوة متفيئاً دوحة أبناء محمد علي الباذخة. فكأنه يستطيب أبداً صحبة الملوك. فلا تقوم له قائمة في سوى جنابهم، ولا تتقد فيه العزيمة وتلتهب الحياة إلا وهو يجالسهم. فموسمه موسمهم، كأن دولتهم دولته، وكأن أبناءه أشباه لهم وأنداد!

(بيروت)

كرم ملحم كرم