مجلة الرسالة/العدد 439/المصريون المحدثون

مجلة الرسالة/العدد 439/المصريون المحدثون

ملاحظات: بتاريخ: 01 - 12 - 1941


15 - المصريون المحدثون

شمائلهم وعاداتهم

في النصف الأول من القرن التاسع عشر

تأليف المستشرق الإنجليزي أدورد وليم لين

للأستاذ عدلي طاهر نور

الفصل الخامس

الحياة المنزلية

الآن - وحسبنا ما نظرنا في حالة مسلمي مصر الأخلاقية والاجتماعية - نستطيع أن نلقي نظرة على حياتهم المنزلية وعاداتهم المألوفة. ولنبدأ بالطبقتين العليا والوسطى

يطلق على رب العائلة أو من يبلغ سن الرجولة إذا لم يكن خادماً أو خاملاً لقب (شيخ) احتراماً وتشريفاً. والمعنى اللغوي لكلمة شيخ هو عجوز؛ ولكن كثيراً ما تستعمل مرادفة لفظة (سيد)، وإن أطلقت بصفة أخص على رجال الدين وأولياء الله. ويقال للشريف (من سلالة النبي ) (السيد) أياً كان منصبه. وكثير من الأشراف يشتغلون خدماً وزبالين وسائلين ومع ذلك يلقبون بالسيد، ويميزون بالعمامة الخضراء؛ إلا أن غالبهم، يفضلون على هذه الامتيازات لقب الشيخ والعمامة البيضاء. ويسمى من قام بفريضة الحج (الحاج). على أن هناك جملة حجاج، مثل الأشراف، يفضلون لقب الشيخ. ويطلق على العقائل بوجه عام لقب (الست)

وقبل أن أصف عادات رب العائلة يجب أن أشير إلى الطبقات المختلفة التي تتكون منها العائلة: (الحريم)، أي نساء المنزل، ولهم غرف خاصة بهن يطلق عليها، كما يطلق على النساء، الحريم ولا يسمح للرجال بدخولها ما عدا رب العائلة وبعض الأقارب الأدنين والأطفال. ويتألف الحريم من زوجة أو أكثر، ثم من الجواري. والبيض من الجواري والحبشيات أو نساء الجلا يقتنين على العموم للتسرى، وأما السود منهن فيتخذن للخدمة، وأخيراً الخادمات الحرائر. أما التابعون الذكور فهم عبيد سود أو بيض، ثم خدم أحرار وه الأكثرية. وقلما يبيح المصريون لأنفسهم ما أباح الدين من تعدد الزوجات. ولا يزال عدد من يعاشر أكثر من امرأة بالزواج أو التسري قليلاً حتى أن أغلب الذين يكتفون بزوجة واحدة لا يتسرون ليتمتعوا بالهدوء المنزلي، إذا لم يكن لسبب آخر. ولكن بعضهم يفضل اقتناء جارية حبشية للتسري على القيام بالنفقات الزوجية المرهقة، ويجعل لخدمتها جارية سوداء أو خادمة مصرية.

ويندر أن يحتفظ الرجل بزوجتين أو أكثر في المنزل نفسه، وإلا خصص لكل منهن غرفة متميزة. ويقوم على خدمة رب الدار وضيوفه خادم أو أكثر، ومنهم خادم يسمى (سقا)، ولكنه على الأخص يقوم على خدمة السيدات وهن خارج المنزل فقط، ثم البواب وهو يجلس دائماً على باب المنزل، والسائس للاعتناء بالاصطبل. وقلما يمتلك المصريون مماليك إذ أن أغلبهم في حوزة أغنياء الترك. ويندر أيضاً أن يكون لأحد غير عظماء الأتراك أغاوات. ويفتخر أغنياء التجار المصريين عندما يسير في ركابهم، أو يحمل شبكهم، عبد أسود.

يبكر المصري في نومه وفي استيقاظه، وهو ينهض للصلاة قبل الفجر، وبينما يقوم بفروض الوضوء والصلاة تجهز له امرأته أو جاريته القهوة، وتحشو له شبكه تبغاً وتقدمهما له حين ينتهي من فروضه الدينية

وكثير من المصريين لا يتناولون شيئاً قبل الظهر غير القهوة وتدخين الشبك؛ وبعضهم يتناول أكلة خفيفة في ساعة مبكرة. ويتكون الفطور من الخبز والبيض والزبد والجبن والقشدة أو لبن الزبادي. . . الخ أو فطيرة تؤكل وحدها أو بالعسل يصب فوقها أو بالسكر. ومن الألوان المألوفة في الفطور الفول المدمس، وهو يدمس بإنضاجه على مهل ليلة بطولها في إناء من الفخار يدفن إلى رقبته في نار الفرن أو الحمام بعد أن تسد فوهته سداً محكماً. ويؤكل الفول بزيت بذر الكتان أو بالزبد، وقد يعصر عليه قليل من الليمون. ويباع هذا الفول في أسواق القاهرة وغيرها من المدن. ويتكون طعام الفقراء من الخبز (والدقة) وهي خليط من الملح والفلفل مع الزعتر أو النعناع أو الكمون وأحد المواد الآتية أو أكثرها أو جميعها: وهي الكزبرة والدارصيني والسمسم والحمص. ويصنع الخبز مستديراً مسطحاً، بطول الشبر تقريباً وفي عرض الأصبع أو أقل ويتمتع بالتدخين والقهوة كل من يستطيع لنفسه هذا الترف، في الصباح المبكر وأحياناً أثناء النهار. وهناك كثيرون يندر أبداً أن تراهم بدون شبك، إما بين أيديهم وإما مع الخادم. ويجعل المدخن، لاستعماله اليومي، دخانه في كيس من الصوف أو الحرير أو المخمل، يضعه في عب قفطانه، وكثيراً ما يكون معه كيس آخر به الزناد والصوفان.

ويبلغ طول قصبة التدخين (وأسماؤها عديدة منها الشبك والعود الخ) أربعة أقدام أو خمسة، أقصر من ذلك والبعض الآخر أطول بكثير. وما يستعمل عادة في مصر يصنع من خشب (الجرمَشق) وأكثر طول القصبة، من الفم إلى ثلاثة أرباعها، يغطى بالحرير الذي تحد طرفيه سلوك ذهبية محبوكة بالحرير الملون أو تحدهما ماسورتان من الفضة المذهبة؛ ويتدلى من الغطاء الحريري في الحد اسفل شرابة حريرية، وكان هذا الغطاء مخصصاً بادئ الأمر ليبلل بالماء فيبرد بالتبخر الشبك وبالتالي الدخان. ولكن الشبك لا يغطى إلا إذا كان عتيقاً أو قبيح الشكل. وكثيراً ما يستعمل أيضاً الشبك المصنوع من خشب الكرز خصوصاً في الشتاء وهو لا يغطى أبداً. ولا يبرد الدخان في شبك الكرز صيفاً مثل ما يبرد في الشبك السابق ذكره. أما (الحجر) فهو من الآجر؛ وأما الفم أو (التركيبة) فيتكون من قطعتين أو أكثر من الكهرمان الفاتح اللون، يصل ما بينهما زخارف من الذهب المرصع بالمينا والحجر اليمان واليشب والعقيق أو غير ذلك من الأحجار الكريمة أو المعادن النفسية. والفم أثمن ما في الشبك، وقد يرصع بالماس. ويبلغ ثمن الشبك الأكثر شيوعاً بين الطبقة الوسطى من جنيه إلى ثلاثة جنيهات إسترليني. ويوضع فوق الشبك أنبوبة من الخشب كثيراً ما تغير كلما تلوثت بزيت الدخان. والشبك ذاته يتطلب النظافة كثيراً، وينظف بألياف الكتان مشدودة في سلك طويل. ويعيش كثير من فقراء القاهرة على تنظيف الشبك

ويدخن أفراد الطبقة الراقية في مصر تبغاً له عطر لطيف لذيذ، يجلب أكثره من جوار اللاذقية في سوريا. وأحسن الأصناف (الدخان الجبلي) يزرع على تلال هذه المدينة. وهناك صنف قوي ينسب إلى مدينة صور، وهو الدخان الصوري، يخلط أحياناً بالصنف السابق ويستعمله أفراد الطبقة الوسطى. وعندما يدخن المصريون أو الشرقيون يسحبون نفساً طويلاً، فيصل كثير من الدخان إلى الرئة، ويعبرون عن التدخين عادة بشرب الدخان أو شرب التبغ. والقليل يبصق عندما يدخن. ولم أر أحداً فعل ذلك إلا نادراً جداً.

ويستعمل بعض المصريين الشبك الفارسي الذي يمر فيه الدخان خلال الماء، وهذا النوع يستعمله عادة أفراد الطبقة الراقية ويسمى (نارجيك) لأن الوعاء الذي يحوي الماء جوزة هندية (واسمها بالعربية نارجيلة) وهناك نوع آخر ذو وعاء زجاجي يسمى (شيشة) وكلا النوعين له أنبوبة طويلة لينة. انظر (شكل 33) وهناك نوع خاص من التبغ الفارسي يسمى (تنباك) يستعمل في شبك الماء. وهو يغسل أولاً عدة مرات ويجعل بعد ذلك حجر الشبك وهو رطب، ثم يوضع عليه جمرتان أو ثلاث من الفحم. وللتنباك عطر لطيف مقبول. ولكن شدة استنشاق الدخان في هذا النوع من التدخين يضر الرئة الضعيفة. ومدخن الشبك الفارسي يشد الدخان إلى رئتيه مثل ما يستنشق الهواء الخالص. وترجع كثرة أمراض الكبد في بلاد العرب إلى استعمال النرجيلة، كما أنه في مصر يتألم الكثيرون جد الألم بسبب هذا. وهناك نوع يسمى (جوزة) يشبه النرجيلة إلا أن أنبوبته عصا قصيرة بدلاً من أنبوبة النرجيلة القابلة للانثناء، ويستعمله رجال الطبقة السفلى لتدخين التنباك والحشيش.

(يتبع)

عدلي طاهر نور