مجلة الرسالة/العدد 445/الصوم عن القاهرة في يوم العيد

مجلة الرسالة/العدد 445/الصوم عن القاهرة في يوم العيد

مجلة الرسالة - العدد 445 المؤلف زكي مبارك
الصوم عن القاهرة في يوم العيد
ملاحظات: بتاريخ: 12 - 01 - 1942


(رسالة مهداة إلى الأستاذ الزيات، وإلى من تعنيهم مكانة القلم

البليغ)

للدكتور زكي مبارك

كان من السنن الجميلة أن أقضي يوم العيد بين أهلي في الريف وكان للعيد في حياتي تأثير جميل؛ فقد كنت أسمع من أمي وخالاتي وعماتي دعوات أكاد أشهد صعودها إلى السماء

وما أذكر أني قضيت العيد بعيداً عن أهلي إلا في الأعوام التي قضيتها بين الاعتقال والاغتراب، ولله حكمة عالية في ابتلاء القلوب بألوان من الضجر والضيق تؤهلها لإدراك بعض المجاهيل من بيداء الوجود

وفي صيحة أحد الأعياد مضيت إلى (سنتريس) وأنا خالي الذهن من المفاجئات، فراعني أن أرى أبي يجذب يدي فيقبلها بحرارة وشوق، وكنت أنا الذي يقبل يمناه في جميع فرص اللقاء ولو أتيحت في اليوم الواحد عشرات المرات، فماذا فهمت من ذلك العطف الجديد؟

قدرت أن أبي سيموت، وأنه لم يقبل يدي إلا إيذاناً بالوداع، وأنني لن أره في مثل ذلك اليوم من السنة التالية، وأن الدنيا لن تسمح بأن أرى العيد في صحبة صديق كان غايةً في صباحة الوجه، وحصافة العقل، وطهارة الوجدان. وهل رأت عيناي رجلاً أفضل من أبي؟

وصفه المسيو دي كومنين لأحد محدثيه بهذا الوصف الطريف:

'

يرحمك الله، يا لأبي! ويرحم أيامي في رعاية قلبك الرفيق!

كان أبي يحبني إلى حد الإسراف، وكنت خليقاً بذلك الحب، فما بات من أجلي ليلة واحدة وهو مخزن ومكروب. وهل جشمت أبي ما لا يطيق، أو فرضت عليه أن يحسب لمتاعبي أي حساب. مع أنه لم يمت إلا بعد أن تمرس كاهلي بحمل الألوف من المصاعب الثقال؟

ثقل على قضاء العيد في الريف بعد موت أبي، فكيف كان العوض من ذلك الحرمان؟

أشار أخ كريم بأن أزور قصر جلالة الملك يوم العيد لأقيد اسمي في دفتر التشريفات، فماذا غنمت من تحقيق ذلك الاقتراح الجميل؟ كنت أبكر قليلاً، لأسير في شوارع القاهرة لحظات قبل أن أصل إلى قصر جلالة الملك، فعرفت من جمال القاهرة ما لم أكن أعرف. وما ظنكم بمدينة لا يستطيع العيد أن يزيدها جمالاً إلى جمال؟

كان يروعني أن أرى القاهرة لا تتأثر بالعيد، وكيف وجميع أيامها أعياد؟

وهل يمكن أن تمر بأحد شوارع القاهرة في أي وقت، ثم تعود وأنت في أمان من الفتون؟

إني أحسد من يرى القاهرة لأول مرة، أحسده وأحقد عليه. فالبرغم مني أن يكون لي في هواها شريك، ولو كان من أكابر أهل الوفاء

وأقول (أول مرة) لأني أخشى أن يكون طول الإلف قلل من طرافتها في عيني، وإلا فكيف جاز أن يكون طوافي بشوارعها مقصوراً على أوقات الأعمال؟ ألا تمر أسابيع في أيام الإجازات بدون أن أستصبح بنورها الوهاج؟

وأرجع فأدون أني كنت أصل إلى قصر جلالة الملك بعد أن أطوف بشوارع القاهرة لحظات، فأرى القصر يموج بالمهنئين من الوزراء والقضاة والمحامين والنواب والشيوخ والأعيان، وألتفت فأراني أستقبل كل قادم، وأودع كل ذاهب، كأنني في داري، وأنتهب الفرصة فأدير المناقشات الأدبية والاجتماعية مع من أصادف هنالك من رجال القلوب والعقول، ولا أنصرف إلا بعد أن أطمئن إلى أني عيدت على أكثر من أجب أن أراهم في يوم العيد

وكان جلالة الملك رأى أن يخفف على شعبه الأمين تكاليف التشريفات، فكان الوافدون على القصر للتهنئة لا يشعرون بالفروق الموروثة بين الطبقات، وكان حظ أي زائر مماثلاً تمام المماثلة لحظ رئيس الوزراء

ثم ماذا؟ ثم جاء هذا العيد بجديد لم ألتفت إليه من قبل

نظرت في منهاج التشريفات فهالني أن لم أجد فيه مكاناً لرجال القلم البليغ، مع أن لرجال القلم نصيراً في قصر جلالة الملك، هو الرجل أحمد محمد حسنين، وكان من لطائفه أن يراعى هذا الشأن الدقيق

مليكنا العظيم الشاب يسره أن يشهد جميع ما في وطنه من القوى الحيوية، وأعظم القوى في مصر هي قوة القلم البليغ، فكيف يصعب علينا أن نصافح جلالة الملك في يوم العيد، ونحن رسل الثقافة المصرية في الشرق؟

إن أقلامنا هي زينة الوطن في أعوام النعماء، وسناده في أيام البأساء، فكيف يحال بيننا وبين مصافحة رمز الوطن في يوم العيد؟

رجال الدين لهم في التشريفات الملكية مكان، وللوزراء والسفراء مكان، ولكبار رجال الأعمال مكان، فأين المكان المحفوظ لأقطاب القلم البليغ؟

أعيذ القارئ أن يتوهم أني أطالب بمغانم رسمية، تغض من سمو المنزلة الأدبية، فما نحن طلاب ظواهر، وإنما نحن طلاب معاني، والقصر هو الرمز المعنوي لروحانية هذه البلاد، ونريد بصراحة أن يكون لنا في ظلاله مكان، باسم الفكر والبيان.

الأدب للأدب. . .

ولهذا المعنى نطالب بأن يكون له في التشريفات الملكية مكان

قد يقال إن حملة الأقلام في مصر يعدون بالعشرات أو بالمئات، ومن الصعب أن يوضع لهم نظام في التشريفات.

وأجيب بأن من السهل أن يكتفي بالطبقة الأولى، وأفرادها لا يحتاجون إلى تعريف، ثم تكون هذه الطبقة رمزاً للقوة الأدبية في التشريفات، ليعرف رجال القلم أن حظهم غير ضائع في هذه البلاد

كان متوسط ما يصدر عن المؤلفين المصريين اثنا عشر مجلداً في كل يوم، قبل أن ترتفع أثمان الورق، فهل أقيم لجهودنا ميزان في وزارة المعارف أو رياسة مجلس الوزراء؟

واسم مصر يرتفع من يوم إلى يوم في أقطار اللغة العربية بفضل القلم البليغ، فهل جوزي حملة الأقلام على ذلك الجهاد؟

نحن أغنياء بأقلامنا وأرواحنا عن ثناء الأمة المصرية، ولكننا نشتهي أن تكون أمتنا غاية في الوفاء، وهو أشرف الخصال، فهل تسمع أمتنا هذا الصوت؟

شاءت المقادير أن تكون لمصر الزعامة الأدبية في الأقطار العربية والإسلامية، أفلا يكون من العيب أن يحفظ قدر القلم المصري في جميع الديار، إلا الديار المصرية؟

بأعصابنا ودمائنا غنمنا المعركة الأدبية، بعد نضال حشدت فيه قوى كريمة تتمتع بالهواء الذي تنسمه ملك بني أمية، وملك بني العباس.

ولن تنزع الراية الأدبية من أيدينا، ولو عاد عهد الخلفاء في قرطبة ودمشق وبغداد، فإن شاء بنو الأعمام والأخوال أن يناضلوا من جديد فنحن على استعداد للنضال

وهل يحتاج بنو الأعمام والأخوال إلى مثل هذا الوعيد؟

إن عطفهم مبذول بغير حساب، ونحن لا نشكو غير تجني الحكومة المصرية، فهي لا تعترف للقلم بحق إلا إن كان صاحبه من السياسيين، وسنؤلب جميع أدباء اللغة العربية على الحكومة المصرية، فلتعرف هذه الحكومة أن صبرنا لن يطول على تجنيها الجميل!

أما بعد فقد عز على أن يحظى ناس بمقابلة جلالة الملك، ثم لا يكون نصيبي غير كتابة اسمي في دفتر التشريفات، وأنا من فئة قليلة تحمل المصابيح لإنارة القلوب والعقول، ولها فضل معروف أو مجهول في بناء هذا الجيل

وكذلك قررت الصوم عن القاهرة في هذا اليوم، والصيام في العيد حرام لا حلال، فهل يغفر الله هذا الذنب الدميم؟

أين أنا من القاهرة؟ وأين القاهرة مني؟

لقد سكنت الدنيا من حولي، ولم يبق غير الأصوات الصواخب في أعماق الوجدان

أهو يوم أضعته؟ لا، والله، بل هو عمر ضاع، فليس من رؤية القاهرة عوض، ولو انتفعت بالاعتكاف لتسجيل أعظم حديث يجود به القلب الخفاق

وهل استوفيت حظي من الحياة حتى أسأل عن نصيبي من القاهرة في مثل هذا اليوم؟

صمت عن القاهرة في يوم يحرم فيه الصيام، فما جزائي؟

الجزاء هو الحرمان من رؤية وجهها الأصبح في يوم عيد، وقد تجمعت الخلائق لشهود معترك الحسن والوجد في ساحتها الفيحاء. . .

للقاهرة في كل يوم مذاق، فكيف أصوم عنها في يوم العيد، وهي فيه ألوان من الأذواق؟ أمن أجل الغضب لقوم لا يغضبون لأنفسهم أصوم عن القاهرة في يوم عيد، وهو فيها صنوف، من الحسن الموصوف؟

لقد ضحيت ما ضحيت لأغنم الثواب في التنويه بجمال بلادي، فما ثوابي عند القاهرة، وقد جعلت الصيام عنها في العيد من المحرمات؟ الجواب عند روحها اللطيف.

زكي مبارك