مجلة الرسالة/العدد 445/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 445/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 01 - 1942



نظرات في كتاب:

أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث

للأستاذ حسن حبشي

(ترى ما نصيب المكتبة العربية من التآليف والتراجم عن بلادنا؟ وما نصيب المترجم في بلاد الضاد؟. . .) سؤالان تبادرا إلى خاطري حين أنهيت مطالعة هذا السفر القيم الذي تناول فيه مؤلفه الغربي (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) والذي أبت همة مترجمة الأستاذ جعفر الخياط إلا أن ينفح به المتكلمين بالعربية، والمهتمين بدراسة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشرق الحديث عامة، والعراق خاصة

قد يكون من اليسير على المؤرخ تدوين الأحداث السياسية في العراق الحديث لكثرة ما يقع تحت يده من المصادر والوثائق الموجودة في دور وزارات الخارجية، وإلى ما قد يحصل عليه من الأخبار الواردة بالرواية، لكن كلما رجعنا بالزمن القهقرى ألفينا قلة المصادر، حتى ليجد الباحث نفسه يضرب في مجاهل مظلمة، فالروايات معدومة، والمراجع نادرة. . . فإذا عرفنا هذا أدركنا أهمية هذا الكتاب الذي ألم فيه مؤلفه (مستر ستفين هملي لونكريك) بتاريخ العراق في حقبة كان القطر الشقيق خلالها نهبة أطماع الدول الأجنبية

تناول المؤلف في هذا الكتاب الظروف التي مرت على العراق منذ مطلع القرن السادس عشر، ودرس الصراع العنيف بين الأتراك والإيرانيين، هذا الصراع الذي يسميه (بالجوع)، حتى إذا طلع القرن السابع عشر ظهر اتحاد قبلي مؤلف من بني مالك، والأجود، وبني سعيد، وتلا ذلك هجرات قبلية بشرية بقصد الاستقرار

ويشير المؤلف إلى تدهور موقف البرتغاليين؛ والواقع أنهم كانوا من أشد المستعمرين تطلعاُ لامتلاك لعراق وفارس، ولا سيما بعد أن عقدوا معاهدة مع الشاه إسماعيل 1515م، مما أدى ببريطانيا إلى التطلع هي الأخرى شطر هذه الجهات لتحد من مطالع البرتغاليين، حتى استطاعت بعد قرن من الزمان أعني عام 1622م أن تقضي بمساعدة الفرس على نفوذهم، لكن وجد الإنجليز أنهم قد أخرجوا البرتغاليين من الميدان ليحل محلهم الهولنديون، مما هو معروف للملمين بتطورات الشرق الأدنى السياسية في العصر الحديث

وأن الكاتب ليلتفت لدراسة الحركة الوهابية، ذلك الانفجار الديني الذي ولد في واحات نجد وكان ما كان له من الأثر الفعال البارز في تاريخ الشرق الإسلامي في ذلك الحين، والذي كان شوكة في جانب الدولة العثمانية، ويظهر أن المؤلف ممن يعتنقون الفكرة القائلة بأن نشأة هذه الجماعة ترجع إلى عدائها للأتراك، فيقول ص 277: (إن أخشن رعاياهم أو أوحشهم من القبائل والمقاتلين كانت لا تعرف من القرآن والسنة إلا النزر اليسير. . . وكانوا يضمرون للخليفة ولكل شيء تركي استهانة لا تحتمل، وهذه التفاته جديدة في تفسير دواعي نشأة المذهب الوهابي يمكن أن تضاف إلى الأسباب المعروفة في تكوينه.

ويتناول الكتاب بعد ذلك تطور العراق حتى يصل إلى نهاية القرن التاسع عشر في شيء من التفصيل، وحكومة مدحت باشا. ومن الفصول الجديرة بالمطالعة الدقيقة بحثه عن الخطة الجديدة في إسكان القبائل، والتي تتضمن بيع أراض من أراضي الحكومة بأقساط قليلة سهلة. وتتبين روح المؤلف العلمية في هذا الفصل الذي خصصه لدراسة المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه، وهي تربى على مائة وعشرين مرجعاً ما بين تركية وفارسية وعربية وأخرى باللغات الأوربية، وكتب السياحات، وكذلك سجلات شركة الهند الشرقية الإنجليزية. وخلاصة القول أن مراجعة ثبت المصادر أبرز دليل على ما تكبده المؤلف من عناء البحث والتدقيق ومقارنة المصادر بعضها ببعض حتى أخرج كتابه هذا

أما الترجمة العربية فقد وفق الأستاذ خياط كل التوفيق فيها، لما اجتمع له من تمكن في الإنجليزية وهو خريج كاليفورنيا، وحسن تبصر في العربية، وسلامة الأسلوب، ودقة الاختيار للألفاظ. وليس هذا الكتاب بأول كتاب يخرجه المترجم الفاضل بل لقد سبق له أن نقل إلى العربية كثيراً من المؤلفات العلمية، مما يشهد له بطول الباع والمران. وعجيب أن يجد من وقته - وهو المشرف على التعليم الثانوي في العراق - فراغاً يستغله في هذه الترجمة العربية الرائعة. وإن المقدمة التي مهد بها الأستاذ جعفر الخياط بين يدي كتابه هذا لنفحة شعرية، تحس فيها بالحسرة التي تغمره وتغمر كل عربي حر حين يذكر مجد الإسلام في هذه البلاد وما ألم به من محن دامية، قضت على مدنيته الزاهرة، وهي توشك اليوم أن تعود سيرتها الأولى وكم كنا نود أن الأستاذ جعفر أبقى أسماء المراجع الغربية كما هي ولم يترجمها وهي ما زالت بعد في لغاتها الأولى وعلى كل ففضل المترجم غير منكور.

(بغداد)

حسن حبشي