مجلة الرسالة/العدد 449/كيف عالج الإسلام الفقر

مجلة الرسالة/العدد 449/كيف عالج الإسلام الفقر

ملاحظات: بتاريخ: 09 - 02 - 1942


ألق عن عينيك هذا المنظار السحري الذي صنعه الأدب والفن؛ ثم أنظر إلى الحياة في شتى مظاهرها تجدها معركة هائلة على القوت لا تنقطع ولا تفتُر. وهذه المعركة التي لا ندرك لها طولاً في الدهر، ولا عرضاً في الكون، لا تنفك رحاها تلفظ على جنباتها قتلى وجرحى؛ وأولئك هم الذين خذلهم الضعف فماتوا شهداء، أو عاشوا فقراء. أما الموت فلا حيلة لأحد فيه؛ وأما الفقر فهو الداء العياء الذي خامر الإنسانية منذ طبعها الله على القدرة والعجز، وبرأها على الكمال والنقص. وهذا الداء كان وما زال موضوع الطب الاجتماعي يخفف بُرَحاءه بالمُرقد، ويكفكف غلواءه بالتمائم؛ ولكن دواءه الناجع ظل من وراء إمكانه حتى وصفه الله في دينه، وطبقه في شرعه، فانحسمت العدوى وانكشفت البلوى وبرئت العلة. فإذا رأيت في وطن الإسلام طرائد للفقر وفرائس للجوع فصدِّق الله وكذِّب نفسك. إن ما ترى لم يعد ذلك الوطن الذي أشرق بنور الله وتعطر بريح الجنة، إنما هو طلل ترَّحل عنه أهله، ومريض فرط فيه أساته، ومسلمون انطمست فيهم معاني القرآن فتعبدوا بألفاظه، وحاكمون أعضلت بهم أصول الحكم فاكتفوا بصوره. فلو كان للإسلام رأي في الحكومة وسلطان على الأمة لكان الوطن كله أسرة، والناس جميعهم إخوة، تجد فيهم الفقير ولا تجد المحروم، وترى بينهم الضعيف ولا ترى المظلوم؛ لأن شريعة الله جعلت بين الغني والفقير سبباً هو البر، وأنشأت بين القوي والضعيف نسباً هو الرحمة!

عالج الإسلام الفقر علاج من يعلم أنه أصل كل داء ومصدر كل شر. وقد أوشك هذا العلاج أن يكون بعد توحيد الله أرفع أركان الإسلام شأناً، وأكثر أوامره ذكراً، وأوفر مقاصده عناية. ولو رحت تستقصي ما نزل من الآيات وورد من الأحاديث في الصدقات والبر، لحسبت أن رسالة الإسلام لم يبعث بها الله محمداً آخر الدهر إلا لتنقذ الإنسانية من غوائل الفقر وجرائر الجوع. وحسبك أن تعلم أن آي الصيام في الكتاب أربع، وآي الحج بضع عشرة، وآي الصلاة لا تبلغ الثلاثين؛ أما آي الزكاة والصدقات فإنها تُربى على الخمسين.

كأنما أختار الله لكفاح الفقر أشح البلاد طبيعة وأشد الأمم فقراً ليصرعه في أمنع حصونه وأوسع ميادينه! فإن الفقر إذا أنهزم في قفار الحجاز كانت هزيمته في ريف مصر وسواد العراق أسرع وأسهل. ثم أختار الله رسوله فقيراً ليكون أظهر لقوته، كما أختاره أمِّياً ليكون أبلغ لحجته.

كانت جزيرة العرب إبَّان الدعوة العظمى مثلاً محزناً لما يجنيه الفقر على بني الإنسان من تَضْرية الغرائز، وتمزيق العلائق، ومعاناة الغزو، ومكابدة الحرمان، وقتل الأولاد، وفحش الربا، وأكل السُّحت، وتطفيف الكيل، وعنت الكبراء، وإثراء الأغنياء، وفقد الأمن، وانحطاط المرء إلى الدرك الأسفل من حياة البهيم. فلما أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق كان معجزته الكبرى هذا الكتاب المحكم الذي جعل هذه الأشلاء الدامية جسماً شديد الأسْر عارم القوة، ونسخ هذه النظم الفاسدة بدستور متين القواعد خالد الحكمة؛ ثم كانت بوادر الإصلاح الإلهي أن قلَّم أظفار الفقر، وأَسا كلوم الفقراء، وقطع جرائر البؤس، فألف بين القلوب، وآخى بين الناس، وساوى بين الأجناس، وعصم النفوس من القتل الحرام، وطهر الأموال من الربا الفاحش؛ ثم عالج الداء الأزلي نفسه بما لو أخذ به المصلحون لوقاهم شرور هذه الحرب التي أمضَّت حياة الناس، وكفاهم أخطاء هذه المذاهب التي قوضت بناء المجتمع: عالجه بالسفارة بين الغني والفقير على أساس الاعتراف بحق التملك، والاحتفاظ بحرية التصرف، فلا يدفعُ مالك عن ملكه، ولا يعارَض حر في إرادته، إنما جعل للفقير في مال الغني حقاً معلوماً لا يكمل دينه إلا بأدائه، ذلك الحق هو الركن الثالث من الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام، فلا هو فرع ولا ناقلة ولا فضلة. وليست الزكاة بالقدر الذي يخفي أثره في حياة الفقير، فهي ربع العشر في المال، وما يُقَدر بنحو ذلك في غيره. فإذا جُبيت الزكاة بالأمانة على حسابها المقدَّر، ووُزعت بالعدالة على نظامها المفروض، شفت النفوس من الحقد، وأنقذت المجتمع من البؤس، فلا تجد سائلاً في شارع، ولا جائعاً في بيت، ولا جاهلاً في عمل.

ولم يقف الإسلام في علاج الفقر عند فرض الزكاة، وإنما شرع للبر في العبادات والمعاملات موارد لا يأسن لها مَعين ولا ينقطع عنها رافد:

يحنث الرجل في يمينه فيكفر بإطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.

ويقسم ألا يفعل شيئاً، ثم يرى أن فعله خير من تركه فيكفر بإطعام المساكين ثم يفعله.

ويظاهِر من زوجه ثم يبدو له أن يعود، فيطعم ستين مسكيناً أو يحرر رقبة.

ويرمي فيقتل نفساً من غير عمد، فيطعم أو يعتق فضلاً عن أداء الدية.

ويعجز عن صوم رمضان، لسَقَم أو هَرم، فيفطِر ويطعم كل يوم مسكيناً.

ويفطِر عامداً في رمضان من غير علة، فيطعم ستين فقيراً أو يفك رقبة.

ويخل الحاج بشرط من شروط الحج فيكفر عنه بِذَبحٍ يقدمه للمساكين.

ويتجرد عن المخيط فإذا لبس شيئاً منه لزمته الفدية.

ويُرزق الرجل غلاماً فيعُّق عنه بذبيحة يطعمها الفقراء يوم أسبوعه.

ويقبل عيد الصوم أو عيد الحج فيجب على الأغنياء أن يرفهوا عن الفقراء بزكاة الفطر أو بلحوم الأضاحي.

وينذر المسلم لله نذراً فيوجب الدين عليه أن يفي به براً بالفقراء وعوناً للمساكين.

ويعجز الرجل عن تكاليف العيش فيوجب الدين على من يرثه بعد موته أن ينفق عليه! فينفق الابن على الأب، والأب على الأبن، والأخ على الأخ، والزوج على الزوج، عملاً بالقاعدة الإسلامية الحكيمة: (الغُرم بالغُنم). ولقد رأى الفاروق عمر بن الخطاب يهودياً لا يقدر على شيء، فوقف به ثم قال له: ما أنصفناك أيها الذمي! أخذنا منك الجزية في قوتّك، فيجب أن لا نضيعك في ضعفك. ثم أجرى عليه من بيت المال ما يمسك نفسه.

وجاءت الشريعة بالوصية لمن حضره الموت: يوصى بثلث ماله لوجوه البر فضلاً عن الوصية للوالدين والأقربين.

ونوهت السُّنة بالصدقة الجارية، فكان بركة من بركات الرسول الكريم على المرضى والزَّمْنَي وذوي الخصاصة وأبناء السبيل وطلاب العلم وحجاج البيت، بما يوقف عليهم أولو الفضل والسعة من المستشفيات والملاجئ والخانات والزوايا والأربطة والمدارس والمساجد والمكاتب. وكفى شهيداً على أثر (الصدقة الجارية) في علاج الفقر وإشاعة البر، أن تحصى الأوقاف في الأقطار الإسلامية؛ ثم ننظر فيما حبست عليه من وسائل الإصلاح ووجوه الخير؛ ثم نحكم على ما قدمت لذوي الحاجات والعاهات من إحسان لا يغبُّ وإسعاف لا يغيب.

كل أولئك إلى ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله من الحث على الإنفاق في سبيل الله، والترغيب فيما عند الله من حسن المثوبة، بفنون من القول الرائع والتشبيه المحكم.

كذلك عالج الإسلام الفقر من طريق آخر غير طريق الزكاة والصدقات والكفارة: عالجه من طريق الكسر من حِدة الشهوة، والكف من سَورة الطموح، والغضّ من إشراف الطمع؛ فرغَّب الغنى في الزهد، وأمر الواجد بالقناعة، ومدح الفقير بالتعفف.

ذلك ما عالج به الإسلام داء الفقر الذي أعيا الإنسانية منذ الدهر الأول. وهو على إحاطته وبساطته ونجوعه ينهض وحده دليلاً على أفَن الذين يقولون إن دستور القرآن لا يأتلف مع المدنية، وشريعة نابليون أصلح للناس من شريعة الله، ونظام مَرْكس أجدى على العالم من نظام محمد.

فلو أن كل مسلم أدى حق الله في ماله، ثم استفاد لأريحية طبعه وكرم نفسه، فأعطى من فضل، وواسى من كفاف، وآثر من قلة؛ ثم قيض الله لهذا كله من ولاة الأمر من يجمعه على أكمل حال، ويدبره على أفضل وجه، ويوزعه على أعدل قسمة، لكان ذلك عَسِيَّاً أن يُقر السلام في الأرض، ويُشيع الوئام في الناس، فتهدأ ضلوع الحاقد، وترقأ دموع البائس، ويسكن جوف الفقير، ويذهب خوف الغني، ويتذوق الناس في ظلال الرخاء، سعادة الأرض ونعيم السماء.

أحمد حسن الزيات