مجلة الرسالة/العدد 45/ما هو الكون؟!

مجلة الرسالة/العدد 45/ما هو الكون؟!

ملاحظات: بتاريخ: 14 - 05 - 1934



خلق الله للجمال قلوباً ... اجتباها من صفوة الشعراءِ

سكبَ النور في قلوبهم السو ... دِ فعادت تموج بالأضواء

واستحالت مرائيا يعكس الكو ... ن عليها ما عنده من مَراء

واقفاً ناظراً محيّاه فيها ... في غرورٍ كوقفة الحسناء!

ما هو الكون غير ذاك الضعيف ال ... حَوْل يسطو به على الأقوياء؟

ما هو الكون غير ذاك الذي يش ... فى به الداء، وهو عين الداء؟

غير ذاك الذي عليه تَلاقى ... ضربات السرَّاء والضرَّاء

غير ذاك الذي به تعثر الدُّن ... يا على مرطها من الخيلاء

غير ذاك الذي به الحب والبغ ... ضاء بين الأحباب والأعداء

غير ذاك الذي امتحن اللُّ ... هـ قلوب العصاة والأتقياء

غير ذاك الذي يلوذ به النس ... ل ويُغرَى الآباء بالأبناء

غير ذاك الذي يصير به الكو ... ن نعيما على بساط اللقاء

وهو ذاك الذي يصير به الكو ... ن جحيما إذا طواه التنائي

غير ذاك الذي تجمَّع فيه ... ما وعى حسنه من الأسماء

غير ذلك الذي إليه ومنه ... كل ما في الوجود من أشياء

ما هو الكون غير فتنة حوا ... ء وما في حواء من إغراء؟

ليت شعري أكان للكون معنى ... لو أتى آدم بلا حواء؟!

يا نهوداً كأنهن حِقاقٌ ... من بقايا صناعة القدماء!

تعبت جاذبية الأرض فيها! ... وأنيطت بها نجوم السماء!

وحلال العيون ليس بأشهى ... من حرام النّهود تحت الكساء

وهما خير ما تكشف عنه ال ... حسنُ من فتنة ومن إغواء

غير أن العيون أمضى قِسيَّا ... في شغاف القلوب والأحشاء

غير أن العيون أذكى حريقا ... في الشراسيف والصدور الدواء

غير أن العيون أعصف بالقلب ... وأهدى في مظلم الأهواء

غير أن العيون ألعب بالسّح ... ر وأقوى في البعث والإيحاء غير أن النهود أبهج في العين ... وأندى على القلوب الظِّماء!

مُتعة الطَّرف ما يُمثِله النه ... د من الهمس أو من الإيماء!

رافع الرأس دأبه يتحدّى السِّم ... ثر في عزَّة وفي كبرياء!

شيمة الحر لا يطيق احتمال الضِّي ... م من ظالم من الرؤساء

يكرع الطرفُ جُهده منه في ما ... ء شهى لكن بلا إرواء

سرق الروض من نَدَاه فأخفى ... بعض تفَّاحة من استحياء

هو سر الأسرار يستره الكو ... ن ويبديه في تقى وحياء!

حُلُم في عيون من أسعد الل ... هُ ونار في أنفس الأشقياء!

في فم العاشق المدلَّه شهد ... حضرمي، أو بابليُّ طِلاء

وحياة تمصها شفة الطف ... ل غذاء يفوق كل غذاء

نَغَم كلّه وسحر وشِعر ... ومزيج من الندى والضياء!

عظمت دولة الجمال وعزَّت ... وتعالى ما فيه من أسماء

بعض أسمائه يضيع به الده ... ر فَناءً وماله من فناء

نفذت من أعماقه حكمة البا ... ري وضاعت وساوس الحكماء!

والسعيد السعيد من شمٌ منه ... أرجا من حديقة غناء

والسعيد السعيد من شهد الل ... هـ على لوح نوره الوضاء

رب غاوٍ يلومني في نشيدي ... وهو لا ينتهي عن الفحشاء

خاشع الطرف مطرق الرأس يمشي ... بين خلين سمعةٍ ورياء

يظهر الفكر وهو في السر يغشى ... ما تندَّى له جبين الحياء

وأنا الطاهر السراويل والبُرْ ... د نقيُّ القميص عف الرداء

ليس مني الفسوق، تأباه في جس ... مي دماء الجدود والآباء!

ينهل الحسن من غرامي ولكن ... هو صديان يلتظى من إبائي!

كل حبيّ طهْرٌ وقدْس وتسبي ... ح لرّبي وصيِغةٌ من دعاء

أنا عبد الجمال حرَّرْتُ في مع ... بده مهجتي بلا استثناء

مهرقا في محرابه ذوب قلبي ... ما تراه مضرجاً بدمائي؟! أعبد الله فيه: اقرأ فيه ... آية الاقتدار والإنشاء

إن يكن في الحدود جسمي فروحي ... تتهادى في العالم اللانهائي!

نزيل القاهرة

علي احمد باكثير