مجلة الرسالة/العدد 483/أيبيقوس

مجلة الرسالة/العدد 483/أيبيقوس

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 10 - 1942



للأب أنستاس ماري الكرملي

1 - توطئة

طالعنا في الرسالة (10: 812) النبذة التي قلّد بها جيد هذه المجلة، الأستاذ محمد مندور، أحد المدرسين في كلية الآداب في مصر القاهرة الزاهرة، وحالما وقع طائر بصرنا عليها، وعلى اسم كاتبها، استبشرنا وقلنا في نفسنا:

إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر

ولما استهل الكاتب نبذته بقوله: (أصحح للأب الفاضل أنستاس ماري الكرملي خطأ وقع فيه) - قلنا في نفسنا: وما هذا التصحيح؟ - فإذا هو يبيع لنا بضاعة عرضناها نحن على القراء بكل تحرز وتوق، إذ لم يسبقنا أحد إلى عرضها. إذن لم يأتنا بشيء جديد؛ وإذن لم نفهم كيف ساغ له أن يقول: (أصحح). . .

ومن الغريب، أنه ألح على أن الشاعر المبحوث عنه في (الامتناع والمؤانسة) هو (أتيقوس) أي الأتيكي، وهو يوناني صميم. . . إلى آخر ما قال وجال وصال!

ولم يشر أبداً إلى أننا كنا أول من أشار إلى هذا الرجل إشارة خفيفة، من غير أن نلح على أنه هو المطلوب في هذا المبحث. وقد ذهبنا إلى ذلك لمقاربة بين لفظة (أتيقوس) و (إيقوس)، ولم يكن ذلك من باب التأكيد؛ فإذا الأستاذ مندور المدرس بكلية الآداب، يتمسك بهذا (الخاطر الضعيف)، ويعده (رأياً) ويأخذ به، ويدافع عنه مدافعة الأبطال، كأنه من وضعه، أو من فكره

ولكن من بعد أن تنصر لهذا الرأي، ونافح عنه أبدع منافحة، قذفه فجأة من يده في مهاوي الرذل، كأنه عقرب حاولت لسعه، فأراد التخلص منها على هذا الوجه المبارك النتيجة، إذ قال: (وإذا ذكرنا أن (كومودوس) هو. . . وإذا كان من الممكن أن يكون (قومودس) إمبراطور روما. . . فأي غرابة في أن يكونوا. . .

فيا سيدي الأستاذ، المدرس بكلية الآداب في القاهرة، لقد هدمت بإذا. . . وبإذا (مكررة) وبمن الممكن أن يكون. . . ما بنيته، أي صرحك الممرد، فوقع عليك وسحقك سحقاً، وأنت تُري للناس أنك لم تشعر به وهم قد شعروا به كل الشعور. أما أنك تري للناس أنك لم تشعر به، فذلك لأنك قلت في الختام: (وهكذا يتضح أن القراءة التي (نضنها) أقرب ما تكون إلى الصحة، هي قومودوس وأتيقوس؛ اللهم إلا أن تكون عند الأستاذ كراوس معرفة خاصة بأبقوس الشاعر اليوناني، وذلك ما ننتظره منه، إن تفضل فجاد بعلمه (الغزير)

فلو كنت، يا سيدي المدرس بكلية الآداب، واثقاً بما تقول لما قلت هذا القول، ولما التجأت إلى غيرك، لأنك بهذه المحاولة نسفت صرحك نسفاً حتى أُسسه

يا سيدي الأستاذ، المدرس بكلية الآداب، إن التاريخ لا يبني على (إذا)، ولا على (إذا كان من الممكن أن يكون كذا وكذا) ـ إن التاريخ، يا سيدي الأستاذ المدرس بكلية الآداب، رواية وقائع، ونقل أحداث تنقل إلى السلف على ما رووه، ولا دخل فيه لـ (إذا) و (من المكن) فمثل هذا الكلام يرد في المنطق والفلسفة والصرف والنحو واللغة والحديث وأمثالها، التي يصح فيها التخريج؛ أما التاريخ فبعيد عن التأويل والتفسير. فالظاهر أن حضرتك مهرت في التخريج حتى رسخ في نفسك كل الرسوخ، فصرت تستعمله في كل ناد وواد، في ما يجوز استعماله، وفي ما لا يجوز، فآذيت نفسك من حيث تدري ولا تدري

2 - كيف وجدنا ضالتنا

جرت لنا عادة أن نرحب بأصدقائنا، وأحبائنا، وأدبائنا في كل صباح جمعة من الأسبوع، وذلك منذ سنة 1911، فيجتمع في نادينا الكتّاب والصحفيون والشعراء والمؤرخون، ووصاف البلدان، ويختلف عددهم بين العشرين والثلاثين، فتلقى الأسئلة، وتجري المحاورات والمطارحات على أحسن وجه، وأسلم طريقة، بشرط ألا يلقى سؤال في الدين ولا في السياسة. وإن وقع شيء من هذا القبيل، ينبه صاحبه على أن مثل هذا الأمر ممنوع، فيسكت بكل حشمة ووقار وأدب من غير أدنى امتعاض

ويوضع بين أيدي الأدباء جميع جرائد المدينة، وما يأتي إلينا من الصحف والمجلات والكتب الجديدة الواردة من العراق وخارج العراق، فيطالعها المنتمون إلى هذا الديوان المتواضع. ويتفق لنا أن نخط خطاً أزرق تحت كل غلط نقع عليه فيما نقرأه فيأتي بعدنا من يقف عليه فيعرف ما فيه من الزلل والخلل. ولما طالعنا نبذة الأستاذ (مندور) المدرس بكلية الآداب خططنا خطوطاً زرقاً تحت بعض الألفاظ، وأشرنا بعض الأحيان بالنص إلى ما فيها من الأغلاط بكلمات وجيزات، ولا سيما أشرنا إلى قوله: (إن هيرودس أتيقوس) روماني، لا يوناني، فهذا أبعد في الخطأ من استنكاره أن يعتبر (ثيودوسيوس) يونانيا. . .) استحسنها الجميع واستصوبها الكثيرون

بقي علينا أن نعرف الاسم الحقيقي للشاعر اليوناني (إبقوس) أو (إتقوس) أو (إنقوس) أو (إيقوس)؛ إذ كل هذه الروايات وردت مصحفة للاسم الحقيقي المصحف، فتذكرنا أننا لما كنا ندرس اليونانية في جامعة بيروت اليسوعية، إن أحد معلمينا ذكر استطراداً اسم شاعر يوناني مشهور سماه (إيبيقوس)، وكان قد ذكره من باب العرض، من غير أن يتصدى له تصدياً مقصوداً، فبقي اسمه هذا مطبوعاً في ذاكرتنا، وكان عمرنا يومئذ 21 سنة: (أي كان ذلك في سنة 1887م)

فسألنا أحد الحاضرين في الجمعة التي وقعت في 28 أغسطس (آب) من هذه السنة المستشرق الإيطالي سيريني والأستاذ مير بصري منشئ مجلة (غرفة تجارة بغداد): أتعرفان شيئاً عن (إيبيقوس)؟ فقالا: وكيف يكتب هذا الاسم بالحرف الروماني؟ فقلنا: لعله فقال الأستاذ سيريني: سأنظر غداً السبت في المعلمة البريطانية وأفيدك عنه الإفادة الصادقة، وكذلك قال الأستاذ مير بصري

وفي اليوم الثاني - بعد أن مضت أربع وعشرون ساعة على سؤالنا - هتف الأستاذ بصري قائلاً: وجدتُ ضالتكم في المعلمة البريطانية، ويكتب العلم هكذا لا كما كتبتموه ثم قال: وهأنذا أنقل إليكم بالعربية ما ورد في المعلمة المذكورة، وأبعث به إليكم في هذه الساعة. وبعد عشر دقائق، ورد إلينا تعريب الموضوع، وهو ما ننقله إلى القراء بحروفه عن المعلمة البريطانية بقلم الأستاذ مير بصري:

3 - ايبيقوس هو اسم الشاعر اليوناني على التحقيق

(إيبيقوس من أبناء ريجيوم من أعمال إيطالية، شاعر غنائي، يوناني، معاصر لأناكريون وقد طوي بساط أيامه في المائة السادسة (ق. م.) وقضى حياته متنقلاً، ولازم زمناً بلاط يولقراطس طاغية ساموس وقد قص بلوطرخس أسطورة وفاته قال: هاجمه لصوص، فناشد سرباً من الكراكي أن يأخذ بثأره. وحدث بعد ذلك أن أحد اللصوص شاهد كركياً في مسرح كورنتس فصاح: انظروا إلى أصحاب ثار إيبيقوس؛ فنم بذلك على نفسه؛ فذهبت كراكي إيبيقوس مثلاً

وقد نظم إيبيقوس سبعة كتب في الشعر الغنائي، منه في التصوف، ومنه في الغزل) انتهى نقله تعريباً.

ثم بحثنا عن إيبيقوس في سائر المعاجم التاريخية، من فرنسية وإنجليزية، وإيطالية وغيرها، فرأيناها جميعاً تذكر هذا الشاعر اليوناني، وعصره، والكراكي التي استشهدها على قتله. ولاروس الكبير - وهو معجم ضخم في أكثر من عشرين مجلداً - تكلم عليه أكثر من جميع المعاجم. ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فعليه به؛ فإنه في غاية الإفادة التاريخية، ونحب بنوع خاص أن يطالعه حضرة الأستاذ (محمد مندور) المدرس بكلية الآداب في مصر المحمية، من كل شر وبلية

4 - الكراكي المندورية

قال جناب الأستاذ المكرم: (وأما قصة الكراكي، فقصة لا أثر لها فيما عثرت به من كتب اليونان، فهي خرافة لا نعلم عن نسبتها إلى قومودس وأتيقوس شيئاً؛ وإن يكن هناك احتمال في أن تكون من بين الأساطير الكثيرة التي راجت عن وفاة الشاعر اليوناني الكبير لوسيان المعاصر لقومودوس وأتيقوس) انتهى

يا سيدي الأستاذ، لا يقول كلامك ولا مثله أرسخ المؤرخين قدماً في أخبار اليونان، من أقدمين ومحدثين. فقولك. (فقصة لا أثر لها فيما عثرت به من كتب اليونان). فهذا كلام يدل على أنك وقفت على جميع مؤلفات أصحابنا اليونان. فهذا ادعاء لا يسلم لك به تلاميذك؛ ولو كان صادراً عن حسن نية! بل لا أظن أن تلاميذك وكلهم ـأذكياء نجباءـ يقبلون منك هذا الإنكار العام العظيم، فكيف يقبله قراء مجلة (الرسالة)، وفيهم كبار المؤرخين، وأساتذة التعليم وأعاظم جهابذة الأخبار وأرسخ العلماء قدماً في النقد وتزييف الأقوال والآراء

وصاحب الإمتاع لم ينسب هذه الكراكي إلى لقيانس، ولا إلى أتيقوس، بل قال، وهذا كلامه بحروفه منقولاً عن 153: 2 من الإمتاع: (حكى لنا أبو سليمان أن تيودسيوس ملك يونان، كتب إلى كنتس الشاعر أن يزوده بما عنده من (كتب) فلسفية. . .)

فالكراكي منسوبة هنا إلى (كنتس) الشاعر والذي أثبتنا أنه إيبيقوس فما ذكرته يا سيدي لم يذكره أحد فمن أين تأتينا بالوحي؟

وزدت الطين بلة، إنك ذكرت اسم شاعر آخر وهو لسيان (أي لقيانس). هذه كلها أمور تزيد في المعضلات ارتباكاً، وفي العقد عجزاً.

ثم يا سيدي، أن لقيانس وقومودوس وأتيقوس كانوا من أبناء المائة الثانية بعد المسيح، ونحن رأينا أن إيبيقوس كان من أبناء المائة السادسة قبل المسيح، فكيف نقلتنا فجأة من عصر إلى عصر، كأنك تسير في جو التاريخ سير الطيارات العصرية في أجواز السماء، في عهدنا هذا؟ أتجهل يا سيدي أن الطيارات لم تكن يومئذ معروفة عند مختلف الأمم؟ أفتأذن يا حضرة الأستاذ أن تطير هذا الطيران السريع في تلك العصور القديمة؟ كل هذا يدهشنا لأنه صادر من مدرس بكلية الآداب

إذن الكراكي (المندورية) غير كراكي الشاعر اليوناني إيبيقوس، وهذه الكراكي ذكرها جميع من تكلم على هذا الشاعر الكبير، من إنجليز وفرنسيين وإيطاليين وألمان وروس وإسبانيين وأمريكيين وغيرهم، أفيكذبهم جميعاً كذلك كراكيك ولا نعلم إلى من ننسبها إلى لقيانس أم قومودوس، أم أتيقوس؟

(البقية في العدد القادم)

الأب أنستاس ماري الكرملي

من أعضاء مجمع فؤاد الأول للغة العربية