مجلة الرسالة/العدد 488/المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم

مجلة الرسالة/العدد 488/المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم

مجلة الرسالة - العدد 488
المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم
ملاحظات: بتاريخ: 09 - 11 - 1942


43 - المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم

في النصف الأول من القرن التاسع عشر

تأليف المستشرق الإنجليزي أدورد وليم لين

للأستاذ عدلي طاهر نور

تابع الفصل الثالث عشر - الأخلاق

يشتهر المصريون بفضيلة الحب البنوي. وقد سبق أن ذكرت الاحترام الظاهر الذي يؤديه الولد إلى والديه. ويظهر المصريون أيضاَ احتراماَ زائداَ للمسنين وبخاصة المشهورين بالتقي والعلم. ويعتبر حب المصرين لوطنهم وعلى الأخص مسكنهم صفة بارزة أخرى في طباعهم. ويخشى المصريون على العموم هجر مسقط رأسهم. وقد سمعت الكثيرين يقررون السفر إلى الخارج بغية كسب عظيم ولكن عزمهم يفتر عند ما يقترب موعد السفر. وقد خخف أخيرا من حدة هذا الشعور ما يعانيه البعض من شدة الظلم. ولا شك أن هذا الشعور نشأ إلى درجة عظيمة من جهل الناس لحالة البلاد الأجنبية وسكانها. وقد سمعت البعض يدلل على حب المصريين العجيب لمسقط رأسهم بأنه يندر أن ترضى امرأة أو فتاة، أو يسمح والدها، بالاقتران بمن لا يعد بالبقاء في مدينتها أو بلدتها. ولكني أظن أن الأحجام عن ترك المواطن في هذه الحالة ينتج من خوف المرأة أن تفتقر إلى حماية أهلها. ويتعلق البدو بصحراواتهم ويحتقرون الحضريين والفلاحين ولكن الكثيرين منهم يميلون إلى الاستقرار على شواطئ النيل الخصبة أيضاَ. ومع أن المصريين من نسل البدو إلى حد كبير فهم لا يشابهونهم في حب الصحراء وأن شابهوهم في حب الوطن. وتزود الرحلة إلى الصحراء من يقوم بها من المصريين بقصص مطنبة في المتاعب والمجازفات والعجائب التي يعرفون بروايتها إلى مواطنيهم ذوي الخبرة القليلة

يعم الكسل جميع طبقات المصريين ما عدا الذين يضطرون إلى كسب حياتهم بالأشغال اليدوية الشاقة. وهذا الكسل نتيجة المناخ وخصوبة الأرض. ويبذل العامل بالآلات أيضاَ بالرغم من شدة طمعه في الربح يومين في عمل يستطيع بسهولة إنجازه في يوم، ويهمل اكثر الأعمال ربحاَ ليصرف وقته في التدخين. غير أن البواب والسائس الذي يجري أ جواد سيده والنوتية الذين يستخدمون في جر المراكب صاعدين في النهر وقت سكون الجو واشتداد حرارته يقاسون، مثل الكثير من الفعلة الآخرين، تعبا شديداَ.

يعرف المصريون أيضاَ بصلابة الرأي إلى حد الإفراط. وقد ذكرت في فصل سابق أن المصريين اشتهروا منذ عصر الرومان، بامتناعهم عن دفع الضرائب حتى يضربوا ضرباَ موجعاَ. وبأنهم كثيراَ ما يفتخرون بمقدار الجلدات التي ينالونها قبل أن يتخلوا عن نقودهم. وهم لا يرون غرابة في مثل هذا التصرف. وقد حكي لي مرة فلاحاَ فرض عليه الحاكم ما قيمته خمسة شلنات تقريباَ ففضل أن يقاسى الجلد على أن يدفع هذا المبلغ الزهيد، وقرر أنه لا يملكه. فأمره الحاكم بالانصراف وقبل أن ينصرف لطمه على وجهه فسقطت من فمه قطعة ذهبية بقدر المبلغ المطلوب تماماَ، فكان الضرب مع قسوته عجز عن حمله عن الدفع. وتبدو هذه الحال غريبة في طباع المصريين ولكن يسهل تبريرها بأن المصريين يعلمون تماماَ أنه كلما دفعوا عن طيب خاطر طمع الحاكم في أموالهم. على أن المصريين بوجه آخر يمتازون بشدة العناد وصعوبة المقادة بالرغم من امتثالهم الشديد في طباعهم ومهنهم. ويندر أن يحمل المرء الصانع المصري على أن يصنع شيئاَ حسب الطلب تماماَ. فلا بد أن يفضل رأيه على رأي مستخدمه، ويصعب أبداَ أن ينجز عمله في الميعاد المضروب. ولا يعوز فلاحي مصر، مع خضوعهم الشديد لحكامهم، الشجاعة عند ما ينهضون لخصومة بينهم. وهم يبرعون في الجندية ولا شك أن المصريين مثل شعوب الأقاليم الحارة يفوقون الشعوب الشمالية في الاستسلام للشهوات. على أن هذا الإفراط لا ينسب إلى المناخ فقط، ولكن ينسب على الأخص إلى نظام تعدد الزوجات وسهولة الطلاق كلما اشتهى الرجل زوجه جديدة، وإلى عادة التسري. ويقال أيضاَ كما أعتقد حقا أن المصريين، فيما يختص ذلك، يسبقون الشعوب المجاورة التي تماثلهم في الدين والنظم الدينية، وان بلدهم لا يزال يستحق تسمية (دار الفاسقين) التي أطلقها القرآن على مصر القديمة طبقاَ لرأي خير المفسرين، وقد أشاع المماليك الفاحشة في مصر فاصبح الفسق هنا أكثر انتشاراَ منه في البلدان الشرقية، ولكنه على حد القول قل كثيراَ في السنوات الأخيرة

يستبيح المصريين من الجنسين وفي كل طبقة، البذاءة المفرطة في الحديث، حتى أعف النساء وأوقرهن عدا القليل منهن يستعملن الكلام الغليظ، ولكن دون بذاءة. وكثيراَ ما ينطق المثقفون عبارات فاحشة لا تلائم غير أحط المواخير. ويذكر ارق النساء في حضرة الرجال أشياء وأحاديث. وقد تعف العاهرات بلادنا عن ذكرها دون أن يدركن مخالفة ذلك للآداب توصف نساء مصر بأنهن، في أهوائهن، أفسد النساء اللاتي ينتمين إلى أمة متحضرة. ويخلع مواطنيهن من الرجال هذه الصفة عليهن بسخاء حتى في أحاديثهم مع الأجانب. ولا شك أن في المصريات كثيرات يشذذن عن ذلك. ويسرني أن أسوق هنا تعليقاَ لصديقي الشيخ محمد عياد الطنطاوي على عبارة في ألف ليلة وليلة، قال: (يعد الكثيرون الزواج مرة ثانية من الأعمال الشائنة ويسود هذا لرأى مدن الريف وقراه. ويمتاز أخوالي بهذا، حتى أن المرأة عندهم إذا توفي زوجها أو طلقها في شبابها تترمل ما بقيت فلا تتزوج مرة أخرى أبداَ. ولكني أخشى انه ينبغي التسليم، نظراَ إلى غالبية المصريات بأنهن جد فاجرات. وقد اشتط أكثرهن كما يقال في استعمال الحرية. ولا يعتبر أغلبهن مصونات إلا إذا أغلقت عليهن الدار. وقل منهن من يخضعن لهذا القصر. ومن المعتقد أن المصريات يملكن شيئاَ من الدهاء في تدبير الحيل التي يعجز الزوج عن تجنبها مهما كانت فطنته وحرسه، وانه قلما تخيب لذلك حيلهم مهما عظم الخطر الظاهر لما يباشرنه. وقد يكون الزوج نفسه أحياناَ وسيلة لإشباع ميول زوجه الإجرامية بدون علمه. وتعرض لنا بعض قصص ألف ليلة وليلة في مكائد النساء صوراَ صادقة عن حوادث لا يندر وقوعها في عاصمة مصر الحديثة. ويرى كثيرون في القاهرة أن جميع النساء تقريباَ على استعداد أن يدبرون الدسائس متى استطعن ذلك بدون خطر، وأن الكثيرات يباشرن ذلك فعلا. ويؤلمني أن يكون الرأي السابق صحيحاَ، وأكاد أكون مقتنعاَ أن الحكم الأخير شديد القسوة، إذ يبدو من التقاليد السائدة المتعلقة بالمرأة أنه لا بد مكذوب. ويصعب على من لا يعرف العادات والطباع الشرقية معرفة كافية أن يدرك مشتقة الاختلاط بالمرأة في هذا البلد. فلا يصعب على المرأة من الطبقة الوسطى أو العليا إدخال عشيقها في مسكنها فحسب، بل يستحيل عليها تقريباَ أن تلقى رجلا ذا حريم على انفراد في منزله الخاص، أو تدخل منزل رجل أعزب دون أن تثير ملاحظات الجيران وتدخلهم المباشر. وإذا لم يكن بد من التسليم بأقدم الكثيرات من المصريات على المكائد مع وجود مثل هذه المخاطر، فقد يكون صحيحاَ أن الصعوبات التي تعترضهن هي العائق الرئيسي لكثير من المكائد. أما عند نساء الطبقة السفلى، فالمكائد أكثر وقوعاَ وأسهل إنجاز.

(يتبع)

عدلي طاهر نور