مجلة الرسالة/العدد 490/حديث عيسى بن هشام

مجلة الرسالة/العدد 490/حديث عيسى بن هشام

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 11 - 1942



للأستاذ أحمد أبو بكر إبراهيم

كتب الدكتور (زكي مبارك) بحثاً قيماً في حديث عيسى بن هشام شرح فيه كثيراً من الحقائق التي تهم كل مطلع على هذا الكتاب، وكشف عن كثير من النواحي التي تهدي الطلاب إلى الصواب، وتأخذهم بأيديهم إلى طرق البحث المجدي والاطلاع المفيد؛ ولكن الدكتور لم يرد ببحثه الاستيعاب والاستقصاء وذلك ليترك للطالب مجالا للتفكير والتنقيب

هذا ما رآه الدكتور وهو رأي فيه صواب وفيه حكمة؛ ولكن الطالب في كثير من الأحيان يحتاج إلى شيء من البسط والإيضاح؛ ولهذا رأيت أن أكتب هذه الكلمة الموجزة تتميماً للفائدة في أسلوب الكتاب ومنزلته القصصية

1 - المنزلة القصصية للكتاب

حديث عيسى بن هشام تصوير رائع للمجتمع المصري في فترة من الزمن، وعرض شائق للحياة المصرية وما فيها من أخلاق وعادات وأنظمة في أسلوب قصصي جميل

ولا يشك أحد في أن هذا الكتاب يعتبر بداية طيبة للقصة المصرية وفتحاً جديداً للون جديد من الأدب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ذلك لأن القصة المصرية منذ بداية العصر الحديث كانت مقصورة على المقامة والقصص العامية، وما خرج منها عن هذه الدائرة كان منقولا عن اللغات الأجنبية لا يمثل الحياة المصرية في قليل ولا كثير - ولقد كان إخواننا السوريون أسبق إلى النقل والتأليف في هذا الفن؛ فاهتموا به منذ منتصف القرن التاسع عشر ونقلوا كثيراً من القصص التي لا تمثل الحياة الشرقية، ثم ألفوا بعضاً منها يمثل الحياة العربية (كالمروءة والوفاء) للشيخ خليل اليازجي

ونحن حين نقول إن حديث عيسى بن هشام كان بداية طيبة للقصة لا ندعي أنه استوفى شروطها وأنه سلم من الأخطاء الفنية التي تخرج الكتاب عن الروح القصصي، فالقارئ يلحظ التقصير في كثير من المواقف التي عالجها الكتاب، ويحس أن المويلحي كان سارداً لمظاهر الحياة المصرية لا كاتباً قصصياً. ويكفي للبرهان على هذا الرأي أن يرجع القارئ إلى المجالس التي شهدها عيسى بن هشام مع الباشا، فهما يحضران مجلس التاجر وغيره بعد الاستئذان ويسمعان كل ما يقال، ثم يخرجان دون أن يشعر بهما أحد ودون أن يشترك في الحديث مع الجالسين، وهذا مناف للعادات المألوفة؛ فالزائر الغريب دائماً يكون موضع السؤال والاهتمام والعناية؛ وكثيراً ما يكون قدومه سبباً في تغيير سياق الحديث

ثم إن الكاتب بالغ إلى حد كبير في الاستقصاء وتتبع نواحي المجتمع وكان يتلمس المناسبات في كثير من الأبواب ليشرح موضوعاً من الموضوعات، وكان الاتصال بين الأفكار أحياناً لا يجري على المألوف المستساغ. والمعروف أن القصص لا تحتمل هذا التكلف، ويكفي أن يلم الكاتب في قصته ببعض هذه الموضوعات.

ولكنا مع هذا لا نغض من قدر الكتاب فهو توجيه جديد إلى لون من الأدب ولا يسلم مثل هذا الانتقال من المآخذ والنقص

2 - أسلوب الكتاب

لقد كتب الدكتور في هذا الموضوع كلمة قيمة وضح فيها أن أسلوب الكتاب نوعان: أسلوب فني أريد به الإمتاع، وأسلوب علمي توخيت فيه السهولة والبساطة.

وهنا يتساءل بعض القارئين: لم اختلف الأسلوب في كتاب واحد لمؤلف واحد؟

والمعهود أن لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يمتاز به ويحمل طابعه في كل كتابة له، ولم نعرف لكبار الكتاب الأقدمين والحديثين نوعين من الأساليب؛ فأسلوب الجاحظ له طابعه ولأسلوب الزيات مميزاته الخاصة.

وأقول في الإجابة عن هذا: إن السر في اختلاف الأسلوب في حديث عيسى بن هشام راجع إلى أن الكتاب وضع في عهد انتقال للأدب؛ فقد اضطرب الأدب والأدباء في نهاية القرن التاسع عشر، وكان الأدباء بين عاملين: عامل الحنين إلى القديم المملوء بالجمال الفني والمحسنات البديعية، وعامل النزوع إلى الطريقة الجديدة التي تعني بالمعنى والسهولة والوضوح قبل كل شيء. وقد جاء حديث عيسى بن هشام معبراً عن هاتين النزعتين أصدق تعبير؛ فهو حين يجد مجالا للجمال والإمتاع يستعير قلم من يعنون بالديباجة والصياغة اللفظية؛ وحينما يقف أمام موضوع علمي يتناوله بقلم المجددين الذين يعنون بالمعاني والبساطة في الأسلوب. وقد كان هذا التردد بين الأسلوبين ظاهراً في أسلوب كثير من الأدباء الذين ظهروا في هذه الفترة من الزمن ومنهم الشيخ محمد عبده وعبد الله فكري. وما زال الأدباء على هذا النحو من التردد حتى ظهر الأدب في ثوبه الجديد واستقر في اتجاهه الذي نشهده الآن فصار لكل أديب أسلوبه الخاص الذي يعرف به.

ويلحظ القارئ في حديث عيسى بن هشام أن المويلحي لا يلجأ إلى تنميق العبارة والعناية بالأسلوب إلا إذا كان الحديث على لسان عيسى بن هشام أو الباشا؛ أما غيرهما من أشخاص الكتاب فيجري الحديث على ألسنتهم سهلاً لا أثر فيه للتنميق والتجميل. ولم يشذ عن هذه الطريقة إلا في الحوار، فهو يتوخى فيه السهولة ولو كان بين عيسى والباشا.

ونستطيع أن نلخص مميزات الأسلوب الفني في حديث عيسى بن هشام فيما يلي:

(أ) السجع ولم يظهر فيه التكلف إلا قليلاً لاقتدار المويلحي على تخير الألفاظ الملائمة

(ب) الاستشهاد بالشعر والتضمين في كثير من المناسبات، وقد أكثر من ذلك المويلحي وكان اختياره يدل على سعة اطلاعه وصفاء ذوقه

(جـ) الاقتباس من القرآن الكريم

(د) ومن المحسنات الكثيرة التي حسن بها كلامه الجناس وفي بعض ما أتي به مغالاة وإكثار ومن ذلك قوله: (وغيرها ترضع طفلين في حذاء وزوجها يضرب رأسها بالحذاء. وأخرى آخذة بضفيرة ضرتها ورضيعها يتلهف على ضرتها)

(هـ) وهو يأتي بالتورية في موضعها، ويعزب في بعض التعبيرات فتأتي عالية الأسلوب بين التعبيرات الأخرى السهلة

(و) يستعير خيال الشاعر في كثير من الأبواب وبخاصة في الوصف

وبعد فإن للكتاب نواحي كثيرة لا يتسع المقام لشرحها، ومن بينها النقد الأدبي في الكتاب والاتجاهات الأدبية التي يرمي إليها المؤلف، والإصلاح الاجتماعي الذي يبغيه. . . وهكذا. وعلى الطالب أن يستوعب كل هذا ويلم بأطرافه والله الموفق الهادي.

(الفيوم)

أحمد أبو بكر إبراهيم