مجلة الرسالة/العدد 492/الشباب والكهولة

مجلة الرسالة/العدد 492/الشباب والكهولة

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 12 - 1942



بين توديع وترحيب

لصاحب العزة الأستاذ محمد كامل سليم بك

سكرتير عام مجلس النواب

إذا بلغ الإنسان الأربعين من عمره، وزحف منحدراً إلى الخمسين، شعر بتطور حاسم في مجرى حياته: هي فترة من العمر ظاهرة المعالم واضحة الحدود. قد يتجاهلها أناس فيمرون بها سراعاً ومن غير مبالاة. وقد يضطرب لها أناس فيحزنون أشد الحزن على شباب ولّى وأدبر بنضرته وروعته، وكهولة حلت بآثارها وأثقالها. وآخرون مثلي يقفون هنيهة، ويفكرون ثم يفكرون، ويودعون عهداً أدبر، ويستقبلون عهداً أقبل، ثم يبتسمون ويسيرون في الطريق المنحدر الذي يقاس بالأعوام، أو يقاس بالشهور والأيام. . . علم ذلك عند علام الغيوب

هي على كل حال فترة فاصلة حاسمة، تنطق بعبارة واضحة حازمة، لا لبس فيها ولا إبهام؛ إذ تقول: (أيها الرجل. قد انتهى شبابك. قد تضحك ساخراً؛ وقد تتحدى وتنكر، وتزعم أن رأسك لم يشتعل بعد شيباً، أو أن أسنانك سليمة، وقوتك عظيمة، وأنك في صحة الشباب وعافية الشباب. . . وإني لمصدقك؛ ولكن صدقني أنت كذلك: إنك لست الآن شاباً بل أنت كهل، فما رأيك؟)

والرأي هنا يتوقف على عوامل شتى أخص بالذكر منها اثنين أو ثلاثة:

(الأول) نظرة الإنسان إلى الحياة عامة

(الثاني) الحالة الباطنية أو الصحية

(الثالث) الحالة الظاهرة أو الشكلية

وما يعنيني الآن في هذا المقام أن أشرح هذه العوامل وأبين أثرها ومبلغ خطرها في تكوين الرأي؛ وإنما يعنيني (ونحن في زمن الحرب) أن أهجم على الموضوع هجوماً خاطفاً، فأقول: إني أحب الكهولة لأسباب أوجزها فيما يلي:

- لأني أصبحت بعد التجارب أعرف ما أريد وما لا أريد - ولأني أصبحت أعرف نفسي وأعيش عيشة تتفق ومزاجها الخاص

- ولأني ما زلت والحمد سليم الصحة معافى البدن

- ولأني تعلمت ضبط النفس

- ولأني أقدر مما كنت على احتمال الآلام وصدمات الحياة

- ولأني أقدر على خدمة وطني وإسعاد من حولي

- ولأني أحمل كنوزاً من الأسرار والذكريات

- ولأني أصبحت أنعم بالهدوء والاستقرار والسلام

ذكرت رأيي هذا ذات يوم لصديق حميم فقال: هذا حسن. ولكن هل نسيت أن للشباب هزاته ولذاته، خفقاته وغزواته، أحلامه ومطامعه، قوته ونضرته؟ وهل الشباب إلا الحياة الحافلة؟ وهل الكهولة إلا الحياة الفاترة؟

فقلت له: مهلا. لم أنس شيئاً وإني بما ذكرته عليم خبير. بل من أعلم به مني وأخبر؟ ولكن مالك أنت قد ذكرت حسناته ونسيت سيئاته؟ فللشباب كما تعلم نقائصه وهفواته، كبواته وانفعالاته، حماقاته وجهالاته. فليس الشباب حلاوة صرفاً كما تزعم. ولقد عرفت أناساً كان شبابهم عذاباً وجحيماً، فجاءتهم الكهولة راحة ونعيما. وعرفت العكس مع أناس آخرين

أن السعادة ميسورة في الشباب وميسورة في الكهولة إذا عرف الإنسان كيف يعيش وفق طبائع العهدين ومميزات العمرين

فالشباب عواطف أولاً وعقل ثانياً، فهو حماسة وتدفق وإقدام

والكهولة عقل أولاً وعواطف ثانياً؛ فهي اتزان وحساب وسير إلى الأمام

والشباب طائرة في السماء، ودبابة في الأرض، وغواصة في البحار

والكهولة سيارة فخمة تطوي الأرض أو باخرة ضخمة تمخر البحار

والشباب فراشة هائمة على وجهها طلباً للنور الوهاج، أو نملة سابحة فوق أطباق العسل المصفى

والكهولة فراشة هدأت وسكنت بعد طول المطاف واحتراق الجناح، أو نملة شبعت وارتوت وما هي بحاجة إلى التكرار

دعني يا صديقي أنعم بالكهولة نعيماً هادئاً معتدلا لا أشعر فيه بالاكتئاب والضجر، ولا بالتعب والملل، لأنه نعيم النفس والروح الخالدة، لا يتطرق إليها الاكتظاظ والسأم الكريه.

إن الشباب كلباس الحمام، ينفع للسباحة العنيفة في البحار. والكهولة كالمعطف ينفع للتدفئة عند مقدم الشتاء

فعلي بهذا المعطف المريح ألبسه في بر السلام، وقد أخذت نصيبي وأكثر من نصيبي في السباحة والتعرض لأخطار البحار

الآن أصبحت أعرف نفسي وما تريد. وكنت في الشباب أجهل نفسي وأسعى وراء ما لا أريد أو ما لا خير فيه. والآن أعرف ضبط النفس وجمال التسامح، وهما سر السعادة والإسعاد. وكنت في الشباب على النقيض: ثورة مشبوبة حينا أو سيارة من غير فرامل أحياناً أخرى

ولكن ما هذا؟ هل الكهولة خير كل الخير، لا عيب فيها، ولا غبار عليها؟ كلا فقد أراد الله أن يمزج الخير بالشر، والشر بالخير، ليخرج من المزيج مزاجاً معقولا، ونظاماً مقبولا. ففي الشباب كفة الجسم وجماله ترجح كفة العقل. وفي الكهولة كفة العقل وكماله ترجح كفة الجسم. فكل شيء بميزان وقدر

أن الرجل إذا جاوز الأربعين واقترب من الخمسين لا محالة شاعر بنوع من الحرمان ونوع من الإذلال. فهذه بعض أسنان تتزعزع فتتخلع؛ وهذا شعر يبيض أو يتساقط؛ وهذه عيون كانت قوية نافذة، أصبحت ضعيفة حاسرة: في حاجة إلى منظار للقراءة ومنظار للمسير. وهنا وهناك خطوط تنذر بتجاعيد وأخاديد. ثم هضم يضعف، وغذاء ينتقي وشراب يدرس وكل شيء وإلا وقع العقاب، فإذا مرضت يا صاحبي جاءك الطبيب المعالج، ولا يتركك إلا وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة جمة المعاني. إذ يقول لك: (يا عزيزي خفف من نشاطك وجهودك. واكثر من أسباب الراحة. ولا تنس أنك لست اليوم شاباً)

هذا وقد تشتهي نفسك أمراً فيه رياضة أو متاع أو غذاء، فلا يسعفك جسمك في همة ونشاط كما كان العهد في الشباب، وإنما يتباطأ أو يتخاذل بالإعياء. هذه هي الكهولة في أخف أعبائها. وقد تثقل وتقسو وتشتد حين تجعل من نفسها باباً تدخل منه العلل والأوصاب إلى الجسم، والحسرة والاكتئاب إلى النفس. على أني والحمد لله أسعد حالا من هذه الصورة، فما زلت كامل الصحة، معافى البدن، جم الحيوية والنشاط، ولهذا تراني أحب الكهولة لأني أحب النضج، وأحب النضج لأني أصبحت أفضل حكم العقل على تحكم الغرائز، وأوثر الروحانيات على الماديات. والشباب في نظري حرب قائمة، والكهولة سلام مقيم. قد تقول ساخراً إن هذا السلام ركود، والركود من مظاهر الموت. وإني لا أقر هذا القول ولا أوافق عليه. فأنا لا أقول بالسلام العقيم ولا بالاستسلام وانعدام النشاط؛ إنما أقصد سلاماً كسلام الدولة القوية الغنية، لا تحب الحرب ولا تسرع إليها مختارة، بل تعمل في شتى مرافق الحياة بنشاط أي نشاط. أقصد السلام الذي يشعر به المجاهد الذي ناضل طويلا، وأدرك ما أراد، ثم هدأ واستقر ليستريح وينعم بمزايا السلام. هو سلام لا يعرفه الشاب بحال من الأحوال، لأن الشباب يسبح في غمرات متلاحقات. فهو يطمح ويطمع. وينهك نفسه ليكون في الحياة شيئاً مذكوراً، وليحصل على المال والمجد والشهرة. يطالع ويدرس في نهم شديد ليعرف كل شيء. ويظل ريشة في مهب العواطف العواصف: من حب وكره، ورضا وسخط، وأمل وألم. فيظل على الدوام مشرد القلب في فرح يمازجه اضطراب، أو في حزن يلازمه اكتئاب، إن أخطأ أو أصاب. ضع هذا كله في كفة الخسائر للشباب، وانظر ما يقابلها في كفة المكاسب للكهولة. ترى الكهل ينعم بمزية التحرر والخلاص: التحرر من قيود كانت في الشباب ثقيلة، والخلاص من جهود كانت مضنية. لأنه أدرك ما أراد، ويئس في الغالب من إدراك البعض الآخر. واليأس إحدى الراحتين. . .

لهذا أراني أشد ما أكون اغتباطاً بالكهولة. لأنها خلصتني من مطالب كانت على نفسي ثقيلة الوطأة شديدة الإلحاح. ولأنها منحتني القدرة على خدمة بلادي على وجه معين ظاهر الأثر معروف الدائرة. كما منحتني القدرة على إسعاد من حولي على وجه أدق وأشمل. وفي هذا كله أنس للروح وغبطة للنفس، ليس إلى وصفهما من سبيل.

وأخيراً ما هذا الهدوء النفسي الفريد الذي يملأ صدري في الكهولة؟ أهو وليد الثقة بالنفس بعد طول التجارب على مر الأعوام؟ قد تحدث الآن أمور مروعة فأتألم لها من غير هلع أو جزع. وأراني أتحمل الألم في جلد وصبر وإيمان. لماذا؟ لست أدري. وإنما أدري أن هذا سلاح للروح معدوم النظير، لا يعرفه الشباب الذي تراه من هول كل صدمة يطير.

هو هدوء أشبه بالهدوء الذي يلي العاصفة: هدوء يطلق النفس من عقالها، ويفتح أمام العقل آفاقاً لم يكن يراها. ويا له من هدوء مريح حين أخلو إلى نفسي في مقعدي الوثير، أطالع ما أشاء كما أشاء، أو أفكر فيما أشاء عندما أشاء، أو أرجع إلى ذخائر الذاكرة أستثير منها ذكريات الماضي البعيد أو القريب، وأنها لمفعمة الأسرار، بعضها خاص لا يذاع، وبعضها عام سوف ينشر يوماً من الأيام. حينذاك يستقر رجل الأسرار مبتسماً هادئاً في مكانه المختار، ثم يتنفس في عمق واسترخاء وسكون. يا له من شعور لذيذ كامل الصفاء. هيهات هيهات للشباب أن يدرك مداه أو يفهم معناه؛ لأن الشباب كما قلت دائب الحركة، يعدو ويلهث وراء متع ليس فيها ري ولا شبع، ووراء فرص الحياة يطاردها في حماسة الصبا، وخلابة المطامع وسراب الغايات.

هذا هو الشباب. وهذه هي الكهولة.

فوداعاً يا شبابي فقد كانت سعادتي بك أضعاف أضعاف ألمي منك

ومرحباً بالكهولة فقد سعدت بمقدمها، واستبشرت بطلائع ثمارها، وأصبحت لا أقوى على فراقها الآن. ورحم الله المتنبي الذي قال:

خُلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

محمد كامل سليم