مجلة الرسالة/العدد 492/مرسلات مع الريح

مجلة الرسالة/العدد 492/مرسلات مع الريح

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 12 - 1942



نعش وباب

للأستاذ إسماعيل مظهر

نحو الشمال. . . وسرنا في ليل معتم، والمطر ينهمر كأن السماء تحاول أن تدك بمائها الغمر ذلك الأديم الذي تنزلق من فوقه حوافر الجياد

مال ميزان النهار، واكتهل اليوم الخامس عشر من شهر يناير سنة 1931، قبل أن ندلف بجيادنا في قفر سبسبٍ في شمال الدقهلية وقصدنا بلدة يقال لها (غرور). وكان ثلاثتنا في صمت محزن، فلا ينبس أحدنا ببنت شفة. وكنا في حالة ترقب بعد أن انحدرت الشمس نحو المغيب، وأرسلت من خلال فجوة في السحب الدهم، غلالة حمراء من غلائلها التي تتيه بها في أشهر الشتاء

وهبّ ريح لافح تضرب وجوهنا بألسنة من الزمهرير، وتعصف بشجيرات من الطرفاء هنالك، فتسمع لها نواحاً أشبه بأنين البوم يتداعى ويتجاوب

وقد تراكب في السماء سحاب من فوقه سحاب، وانحدرت نحونا سحابة كأنها المداد، فخيل إليّ أنها قضاء الله في الظالمين، ينحدر إلينا متثاقلاً وفي تمهل العالم بأنه لابد من أن يصيب حيث يرمي. ولم تلبث أن رمتنا بذلك السيل المنهمر

مدت الجياد أعناقها نحو الأرض لتتقي بذلك انهمار المطر، وراحت تمشي حذرة متلكئة. فالأرض سبخة والطريق وعر، وقد استحال آلافاً من البرك الصغيرة، في كل منها منزلق، وفي كل منها مهواة؛ حتى لقد تذكرت في تلك الآونة جنة ذلك الرجل الذي كفر بربه، فأصبحت صعيداً زلقاً

وأين نحن من (غرور)؟ إنا منها على عشرة فراسخ، في ليل ممطر شديد السواد، قارس البرد، قر الرياح. وقد ابتلت ثيابنا وأخذ الماء يسري فيها، كما تسري الخمر في أعصاب المنتشين، حتى إذا بلغ جلودنا مضينا ننتفض ملتزمين ذلك الصمت الرهيب

ذلك القفر السبسب ملك لحكومتنا. وقد تبلغ مساحته آلافاً وآلافاً من الأفدنة، لا يؤنسه غير نبات البردي بنيت حيث تجتمع المياه، ونبات الطرفاء يحتل نبكاته المرتفعة، متشبثاً بها وكأن كل نبتة منه غريق في لج مائج وكنت أعرف أن في جوف ذلك القفر مقاماً لولي من أولياء الله، شاده هنالك جماعة من مريديه، وأقاموا إلى جانبه مسجداً، فأخذت تتناثر من حوله القبور: قبور أولئك الذين يوصون بأن يدفنوا بمقربة من ولي الله زلفى إلى الآخرة. وكنت أعلم أن لذلك المسجد حارساً يضيء فيه، إذا جن الليل، مصباحاً يهتدي به في ذلك القفر من تدهمهم مثل تلك الليلة الليلاء

رميت بصري في جوانب ذلك القفر، وقد ضللنا طريقنا، وأخذت الجياد تضرب بنا في نواحيه ضرب المتخبط المذهول، أتطلع لعلي أقع على شعاع ذلك الولي الكريم. وأنّا للبصر أن يهتدي في تلك الظلمات الهابطة علينا كسفاً؟

ولكن الصمت الذي لزمناه قد انتهى أجله؛ فقد تحرك لسان كبيرنا بكلمات وسمعته يقول إنه يرى ومض مصباح إلى الشمال منا. إذن فألي الشمال

وانتحينا بجيادنا نحو الشمال، وحثثناها على المسير. ولكن أين الوميض؟ لقد أخفناه الليل أو عصف به عاصف من الريح. وخيل إلي أن ذلك الوميض الذي لاح لكبيرنا ليس إلا سراب الليل، أو إنه الوهم ضخمه الأمل في النجاة من الليل والماء والرياح. وثبت نظري نحو الشمال وحدقت تحديقاً تراءت معه لناظري أشباح غريبة، وطيوف تبدو وتخبو كأنها في صراع، وشعرت أني أميل وأترنح من فوق جوادي، وأن يداً خفية تأخذ بأطراف معطفي وتجذبني إلى الوراء، فأعتدل في سرجي وأتثبت من ركابي لأستوثق من محلي، وأني على ظهر الجواد، وما زلت مالكا حواسي. غير أن كل هذه الخيالات قد تبددت فجأة لما أن وقع بصري على لمع ذلك القبس الخافت المريض الذي تراءى لصاحبي من قبل، ثم اختفى في جوف ذلك البحر اللجي من الليل ومن الماء ومن الرياح. وكنا كلما ضربت بنا الجياد في جوف ذلك القفر الأملس المجرود، توالت ومضات ذلك القبس الذي علقنا عليه الأمل، وربطنا حياتنا بتراوحه بين الظهور والخفاء. حتى إذا كنا بمقربة منه عرفنا إنه مصباح وليّ الله يتلاعب به الريح العاصف فيتنوح رواحاً وجيئة، وقد علا جوانبه سواد كاد يخفي عن الأبصار ومضاته الضئيلة.

بلغنا عتبة المسجد القائم هنالك في فجوة من فجوات ذلك القضاء المترامي وحيداً كأنه الأمل الباسم العريض في وحشة الفراق. وكنت أول الواثبين إلى الباب أعالج اقتحامه إلى الصحن فإذا بالباب مغلق، ومن دونه دريئة هي نعش من خشب يحمل الموتى إلى أول السفر وآخر المعاد.

جمدت هنالك ذا هلاً عن جوادي وعن صاحبي أتأمل النعش ومن ورائه الباب. فكل من يحمل في ذلك النعش، لابد له من إنه يجتاز ذلك الباب. فإذا جاوزه، فإلى سفر الأبد المديد.

الباب والنعش. ثم صلاة تقام تكفيراً واستغفاراً، فإذا دلف به الدالفون نحو الحفرة العميقة، فقد دلفوا به ليسلموه إلى الآخرة، ثم فلسفة في شعر:

تطوِّف ما نُطوِّف ثم نأوي ... ذوو الأموال منَّا والعديم

إلى حفر أَسافلُهنَّ جرف ... وأعلاهن سفاح مُقيم

ثم تأملات رهين المحبسين:

سأفعل خيراً ما استطعت فلا تقم ... عليَّ صلاة يوم أصبح هالكاً

فما فيكم من خَيِّر يُدّعى به ... يُفرِّج عني بالمضيق المسالكا

ومن ذا الذي أستنجد به هنالك ليفرح عني في ذلك المسلك الرهيب: النعش ومن ورائه الباب. ليس ثمة من شيء غير عزيمتي. وأنا حي بيني وبين النعش والباب شقة، بعدها بعد الشرق من الغرب:

والشرق نحو الغرب أقرب شقة ... من بُعد تلك الخمسة الأشبار

فأزحت النعش جانباً، واقتحمت الباب، فإذا الظلام مخيم على صحن المسجد والرياح حيرى في جوانبه، تنهد منحدرة من منافذه العليا، فتدور متلوية، ثم تندفع نحو الباب، كأنها أسير أفلت من قيود الحديد:

تمشي الرياح به حْيرى مدلَّهة ... حسرَى تلوذ بأكناف الجلاميد

خلعت معطفي وألقيت به جانباً، وجلست مسنداً ظهري إلى الجدار البارد المقرور، وما لبث كبيرنا أن انتحى موضعاً آخر، ثم التفت إليَّ وقال:

(إذا بزغت الشمس يممنا نحو (غرور)، فقابلنا عمدتها ووجهاءها، واستوثقنا من أنهم سوف يعضدوننا، ثم انحدرنا نحو (زفر) فنأخذ على أهلها المواثيق ونقيدهم بالعهود ثم. . .)

غير إنه لزم الصمت إذ بادرته بسؤال لم يكن يتوقعه من فتى ينتمي إليه بروابط الرحم: فصرخ مهتاجاً: (ألم تر كيف صار فلان عضواً بمجلس النواب، وفلان عضواً بمجلس الشيوخ، وفلان وكيل وزارة، وليس منهم من يدانينا جاهاً وثروة. إنك ما تزال جاهلاً بأمور دنياك فاسكت وأطع)

قلت نعم إني أصغر منك سناً، وربما كنت أقل تجربة، ولكني سأصارحك برأيي فيمن ينبغي أن تكون لهم هذه المراكز العليا: هي يا سيدي لمن يقال له هي لك، لا لمن يقول هي لي. هذه هي الحقيقة برغم القوانين، وبرغم الشرائع. . .

ثم لزمت الصمت ولزمه. حتى إذا تنفس الصبح وبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، عمدت إلى معطفي المبلل فوضعته فوق كتفي، وهممت بالخروج من المسجد، فنظر إلي صاحبي نظرة تساؤل فلم آبه به، ولم أحفل بما نمت عنه نظراته، بل ألقيت على الباب نظرة وعلى النعش أخرى، وكأنما يحدثهما قلبي هاجساً: عندكما يقف كل مغرور بدنياه

وامتطيت جوادي. وأدرت وجهه نحو الجنوب، ومضيت أضرب في ذلك القفر، ولكن إلى عشي، إلى زوجي وأولادي؛ إلى موضع حبي وحنيني. إلى من هم لعيني النور، ولقلبي الرجاء، ولحياتي الأمل، ولنفسي الطمأنينة. إلى وكري الصغير الذي أصبح لي في جنبات هذه الدنيا الصماء الغرور، بمثابة البيضة والعش، والسكن والوطن والكون

إسماعيل مظهر