مجلة الرسالة/العدد 551/أعوذ برب الفلق

مجلة الرسالة/العدد 551/أعوذ برب الفلق

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 01 - 1944



من شر ما خلق

للكاتب المجهول

صحوت مع الفجر بعد ليلة حمراء، وهي الليلة التي ولد فيها هذا العام الجديد، صحوت ظمآن، ولكني لم أستسغ الماء، فقد شعرت أنه ذوب من ثلوج الشمال، وعند ذلك هتفت:

(أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق)!

ولكن ما هو الفلق؟

أهو الصبح؟

وكيف وما كان ليلي إلا صبحاً في صبح؟

هو إذن (واد في جهنم)، كما قال بعض المفسرين، وبالله أعوذ، فما يدافع شر غير من خلق جهنم

وجهنم التي أخاف هي الجنية التي أرادت أن تأسرني إلى آخر الزمان، بالعقد الذي لا ينقضه الأحرار وهو عقد الزواج

في عصرية الأمس قال خالها الفرنسي وهو يراني أضحك معها وألعب:

? ' 42

وقد اعتصر الحزن قلبي في تلك اللحظة، لأني كنت اعتزمت فسخ الخطبة، بعد أن رأيت خطيبتي تنقلني إلى وطن غير وطني، وبعد أن رأيت أهلها صاروا أعز علي من أهلي

ومن حالي معها أدركت السر في أن تحرم الدولة المصرية علي سفرائها أن يتزوجوا من أجنبيات

وهل أنسى أني رفضت المشاركة في الاحتجاج على ما صنع الفرنسيون في لبنان؟

من أجل حبها أبيت أن أكتب حرفاً واحداً في تقبيح ذلك الصنيع، فقد بدا لي غير قبيح، لأنه صدر عن أهل سوزان، وصدق شاعرنا العربي حين قال:

ومن بينات الحب أنْ كان أهلها ... أحبَّ إلى قلبي وعينيَّ من أهلي

إن الدرس الذي تلقيته عنها يفوق جميع الدروس، فقد بدأت أومن بتعلم لغة أجنبية يهاجر عن وطنه بطريقة خفية، وبدأت أفهم كيف صارت الوطنية شريعة عند الفرنسيس والإنجليز والألمان واليابان

أولئك أقوام لا يعرفون غير لغاتهم، فهم في أمان من احتلال الأفكار والآراء

وهل كان من العبث أن يقول جماهير المشرعين من المسلمين بعدم جواز الصلاة بغير اللغة العربية؟

من المؤكد أنهم كانوا يعرفون أن الله يقبل الصلاة بأية لغة وبأي صوت، ومن المؤكد أنهم كانوا يعرفون أن الله يسمع دبيب النمال كما يسمع قعقعة الرعود

فكيف أوجبوا أن بكون الصلاة باللغة العربية؟

إنهم أرادوا إنشاء قومية لها لغة واحدة، ودين واحد، لتأمن احتلال الأفكار والآراء

ذلك درس تلقيته عن خطيبتي، الخطيبة التي ودعتها عند انتصاف هذا الليل، وإن لم تتلق مني أي جزاء

قالت ونحن نفترق: لن تراني بعد هذا الليل!

فقلت: سنلتقي بأقرب مما تظنين، فلابد للجمر من وقود، وأنت الوقود

وماذا تريد أن تأخذ مني؟

ألا يكفي أنها صيرتني أشهر الدعاة لوطنها الغالي. الغالي على وحدي من أجل حبها. فما تألم روحها يوم سقوط باريس كما تألم روحي. ولا هفا قلبها على فرنسا الجريحة كما هفا قلبي

وأنا برغم بخلها مثن على روحها اللطيف؛ فقد علمتني كيف أدرك قيمة الصورة التي ساقها شاعرنا العربي حين قال:

تعطيك شيئاً قليلاً وهي خائفة ... كما يمس بظهر الحية الفَرِقُ

لن ينقضي عجبي من الفروق بين الأرض والناس

أرض فرنسا هادئة من قديم الزمان، وهي قليلة التعرض للزلازل والبراكين، وقد رأيت بعيني كيف جلدوا عِرقاً نبض من نهر السين وهم يمرون من تحته قطار المتروبوليتان، فكيف يكون أبناء تلك الأرض الهادئة الثابتة ثواراً ومتقلبين في أكثر الأزمان؟

وأرض اليابان معرضة في كل وقت للزلازل والبراكين، ومع هذا عرف اليابانيون بالقرار والاطمئنان، على اختلاف الأحداث والأزمان فما هذا الذي نرى من الفروق بين الأرض والناس؟

ولكن كيف عرفت أن اليابانيين أهل قرار واطمئنان؟

كيف فرفت ذلك ولم أزر اليابان، لم أعرف من أوصاف أهلها غير أشياء لا تتصل بأعماق النفوس؟

لو كان لي حظ التعرف بصديقة يابانية لأدركت شيئاً من السريرة اليابانية، على شرط أن أتكلم لغتها الأصلية

اللغات أنفاس، فلا تصدقوا من يزعم أنه صافح روح شاعر وهو يقرأ شعره مترجماً إلى إحدى اللغات، ولا تصدقوا من يتحدث عن بلاد زارها وهو يجهل لغتها كل الجهل أو بعض الجهل، وإنما نصصت على (بعض الجهل) ليفهم ناس من خلق الله أن الذي لا يتعمق في لغة من اللغات لا يجوز له أن يقول إنه يعرف تلك اللغة، فالمعرفة الناقصة أخطر من الجهل لأن الجاهل يقف عند حده فلا يتزيد ولا يستطيل، أما ناقص المعرفة فقد يوهمه الغرور أنه أعلم العلماء، فيؤذي نفسه قبل أن يؤذي الناس

وخطيبتي التي فارقتها بالأمس هي إحدى بنيات لطيفات من اللواتي عرفت في القاهرة أو في باريس، وحالي معها كان عجباً من العجب، فقد رضيت عنها ورضيت عني، مع أن حياتنا سلمت من جميع الأسواء الروحية والوجدانية، في زمان لا تأنس فيه روح إلى روح بمعاقرة الأهواء

كان الزواج هو الغاية التي نريد، وقد كان يجب أن نسارع قبل أن تفضحنا الأقاويل، فما الذي وقع في تلك الليلة الحمراء، وقد سبقته تماهيد؟

بدا لي أن لجاجة العاطفة وصلت إلى أبعد حدود العنف، فرأيت أن أستعير خيالاً من العقل الذي عشت به سنين. وهل بقى لي من العقل إلا طيف من خيال؟

فكرت فيما تمناه لنا خالها العزيز، وقد عاش اثنين وأربعين عاماً وهو سعيد بالزواج. ثم افترضت أن سعادته الزوجية دامت لأنها بنيت على الهدوء، والعاطفة الهادئة تبنى برفق؛ فمالي أتعرض لعاطفة مجنونة الجموح؟ وكيف أسمح لهذه الجنية بأن تزلزل الخيال الباقي من عقلي!

لقد راعني بكاؤها فبكيت قالت بصيغة الاستفهام لا التقرير:

?

فأجبت بالصمت

ومن قال إني سأرجع؟ ومن قال إني سأراجع؟

ذلك فراق، ليس بعده تلاق

لن يؤذيني أن تخرجي من سمائي، فإني واثق بأني سأجد هواي حين أشاء، وإنما يؤذيني أن أتصور أنك يئست من وفائي، وأنك صرت يتيمة بعد أن خمدت نيران أشواقي، ولن تخمد نيران أشواقي

لن يصلح ما بيننا إلا إن سمعت شكواي: هذا الصدر يسير عارياً في كل يوم، كسائر صدور النساء في هذا الجيل، فكيف يهادن جميع الرجال، ويحاربني وحدي؟ وهذه العيون توجه نظرات وغمزات، ولا تأسر أحداً، مع أنها تخاطب جميع الخلائق، فكيف تأسرني وحدي؟

قلبي هو القلب، وجمالك هو الجمال، والناس ما عدانا خيال في خيال

لا تسأليني عن حالي، فأنت حالي وأحوالي، وأنت ماضي وحاضري ومستقبلي، وأنت ضميري المركوز في ضمير الوجود

لن أيأس منك، ولن تيأسي مني، ولن يقول قائل إني فارقت هواي في لحظة من لحظات الغضب أو العناد أو العتاب

أنا حاربت فرنسا وهي صحيحة، وسالمتها وهي جريحة، وأنت الخيال الزائر من ذلك البلد المحبوب

لن أشمت بفرنسا مع الشامتين، ولن أذكرها بغير الجميل، وإن جانبت الجميل

قال الجنرال دي جول: لبنان وديعة في يدي وسأسلمه لفرنسا

يقول هذا القول وهو مغلوب، وتلك غاية الغايات في صدق الوطنية، وأنا أمجد هذه الوطنية، وأتمنى مثلها لنفسي

إن الاستعمار من أنصبة الأمم القوية، فمتى نكون من المستعمرين، كما كان الآباء والأجداد؟ آفة الاستعمار هي التسلط الغاشم، تسلط الحاكم الجاهل الذي يقول كما قال بعض حكام فرنسا في الهند الصينية:

ولا بد لنا من استعمار نجرب فيه أخلاقنا السياسية، وفي السياسة أخلاق، إذا تولاها عظماء الرجال

والاستعمار لم يعد صعباً كما كان قبل أعوام قصار لا طوال، كان الاستعمار يحتاج إلى جيوش برية وبحرية، وهو بعد اليوم سيكون في ميدانين اثنين: ميدان الأدب وميدان الاقتصاد، وسلاح الأدب هو الصدق، وسلاح الاقتصاد هو الأمانة، فلنحرص على أن نكون الصادقين الأمناء

أما بعد، فأنا لا أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، وإنما أعوذ برب الفلق من خير ما خلق، وهو الجمال

ومعنى هذا أني سأراجع خطيبتي الغالية، وهي الفتاة الملثوغة الراء

إنها تحاول أن تنقلني إلى وطنها، وأنا أحاول أن أنقلها إلى وطني، وسنرى بعد قليل من الغالب ومن المغلوب

للشعر في وأسها بريق سرقت شعاعه من نيران قلبي والتموج في خدودها مسروق من نموج أشعاري

وسحر عينيها الزرقاوين منهوب من سحر عيني الخضراوين وتبارك الذي تفضل فجعل لون عيوني مما يهيج الحيات السود سنفترق؟ سنفترق؟

هو ذلك إن جاز أن تزهد العيون في الضياء

يا بنت فرنسا الغالية، تذكري ليالي وأيامي، وارحمي من يصعب عليه أن تجرحيه، وهو الصديق الأوحد لوطنك الجريح

لن نفترق، لن نفترق، وهل نستطيع أن نفترق؟

وإذا أرادت الطبيعة أن نكون خائنين، فلنكن خائنين، لتتحرر من مواثيق الجهلاء، وما هي الطبيعة التي يتحدثون عنها جاهلين؟

الطبيعة هي الصدق في تلوين ما خلق الله من حقائق الوجود وسيكون هوانا تعبيراً أبديا عن ضمير الوجود. . . ومقالتي هذه تصوير لمحنة روحية لن تخمد قبل أن تخمد النيران الصواريخ في ضمائر الجبال.

(الكاتب المجهول)