مجلة الرسالة/العدد 567/كتاب الوعي القومي

مجلة الرسالة/العدد 567/كتاب الوعي القومي

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 05 - 1944



تأليف الدكتور قسطنطين زريق

للأستاذ محمد عبد الغني حسن

البلاد العربية الآن في سبيلها إلى التنبه والوعي الذي يسبق النهضات ويدلها على المهيع الواضع، ويأخذ بيدها إلى الطريق الواجب أن يسلك. فإن المسالك متشعبة دائماً في إبان هذه الأوقات، ولابد من إدلاء ماهرين من رجال الفكر الناضج والثقافة الصحيحة يقفون بجانب رجال السياسة والحكم في البلاد العربية الصاحية من سباتها الطويل ليوجهوا البلاد وجهة صحيحة خشية أن تطغى عليها تيارات مختلفة فتصرفها عن سواء القصد واعتدال الجادة

هؤلاء الأحرار (الوعاة) من رجال الفكر هم الذين نحتاج إليهم اليوم فيما نحن بسبيله من يقظة قومية. وإذا كان عددهم قليلاً لا يتناسب مع خطورة القضية التي تواجهها البلاد العربية، فقد ظهرت من قلائلهم (آثار واعية) تبشر بأن الوطن العربي بدأت فيه طلائع التفكير المنظم والدرس المتسق، وتبشر كذلك بأن ضآلة العدد ليست بمانعة من جودة النوع. وتبشر كذلك بأن البلاد العربية ظهر فيها قوم لا يؤمنون بقيمة الأمشاج المختلطة من الأدب والشعر إيمانهم بالقيم العالية للعلم الصحيح الذي يعبر عنه الغربيون بكلمة لا العلم الذي كان يجعل من الفقيه عالماً ومن النحوي عالماً ومن العروضي عالماً

ولقد ظهر في المكتبة العربية ثلاثة كتب قيمة تتصل بموضوع الثقافة والتربية القومية وما إليها: الأول كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) للدكتور طه حسين. الثاني كتاب (آراء وأحاديث في التربية والتعليم) للأستاذ ساطع الحصري مستشار المعارف في الجارة العربية الشقيقة سورية، والثالث كتاب (الوعي القومي) للدكتور قسطنطين زريق أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية ببيروت

أما الكتاب الأول فموضعي يختص بموضوع الثقافة في مصر، وقد لقي في حينه ما يستحقه من النقد ومكن الله لمؤلفه من الأمر ما يعينه على تحقيق برامجه الطويلة

أما الكتاب الثاني فيتناول مسائل في التربية والتعليم والقومية، وكان من حظي أن أقدمه لقراء (الرسالة) من عهد قريب. أما الكتاب الثالث - الوعي القومي - فكان من حظه أن يقدمه إلى قراء الرسالة تقديماً موجزاً بليغاً أستاذنا وصديقنا توحيد بك السلحدار الذي كان له الفضل في إذاعة بعض نسخ منه بين أصدقائه الذين يحبهم ويحبونه ويجب أن يناقشهم كثيراً في مسائل تتعلق باليقظة القومية والنهضة الحقيقية لبلادنا

وليست (الرسالة) بباخلة على مثل هذا الكتاب أن يطول الكلام فيه، فإننا نعرف من أهداف صاحبها النبيلة؛ واضطلاعه بحمل رسالة الفكر الصحيح في الوطن العربي ما يطمعنا في إطالة الكلام، فإن قيمة مثل هذا الكتاب (التوجيهي) لا تعرف ما دام مطموراً في رفوف المكاتب، أو منحى في زوايا الخزائن؛ وإنما تظهر قيمته ويعرف قدره متى ما نبه إليه منبه أو ذكر به مذكر. والذكرى تنفع المؤمنين

يشترط الدكتور زريق لاستكمال النهضة القومية العربية ثلاث خطى رئيسية: الأولى: بناء الأساس الفكري الذي تقوم عليه النهضة بدراسة الغايات والوسائل دراسة بعيدة عن الارتجال

والثانية: تحويل هذه الدراسة المنظمة إلى عقيدة قومية تتجه بالأفراد إلى الأهداف الصحيحة

والثالثة: تنظيم: الأمة العربية وضبط نوازعها وإخضاع إرادتها لإرادة وحيدة منبعثة من عقيدة واحدة، وتعنى هذه الخطوة العمل المنظم الصادر عن فكر منظم يدرب عليه الرجال والنساء على السواء

والدكتور زريق حين يدعونا إلى البحث في غايات نهضتنا لا يحرم علينا دراسة نهضات الأمم الأخرى ودرس غاياتها؛ فإن مثل هذه الدراسات تكون كالقبس على شرط أن نكيفها لحياتنا الخاصة

والعربي الواعي قومياً هو الذي يعرف من أي المنابع يفيض هذا الوعي، وإلى أي الأهداف يتجه. أما التشدق بألفاظ اللغة والجنس وجلال التاريخ القديم من غير فهم حقيقي لمعانيها فذلك نوع من الشعور الذي لم يرتفع إلى قمة الفكر؛ ولم يكتسب مع الفكر نعمة الحياة

والعربي الواعي يحس إحساس فهم وإدراك بعوامل الضعف في الشخصية العربية الحاضرة ويواجه مشكلاتها مواجهة واقعية صريحة لا عوج فيها ولا التواء ولما كان الغرب بوصفه الحاضر عاملاً فعالاً مع شخصيتنا العربية الحاضرة، ولا مناص لنا من تفاعل هذين العاملين، فقد وجب علينا أن نفهم الغرب حق فهمه وندرك كنهه حتى نحسن مواجهته ونأخذ له أهبته ويكون اتصالنا به على ضوء وبصر وعلم لا عن صدف طارئة. ومن الخطر أن تأخذ البلاد العربية روعة وتعروها هزة بمظاهر الغرب الخلابة حتى ولو كان ذلك في سرعة السيارات وعجيب صنع الأدوات. . . فإن وراء ذلك نظاماً اقتصادياً لا شك سيبقى في جوهره النظام السائد في المستقبل. والدكتور زريق يدعونا إلى إدراك هذا النظام الذي يمتاز بالتنظيم الدقيق الذي يؤلف بين أجزائه، وأخذنا من محاسنه وتجنبنا عيوبه التي كانت تحت اختبار الغربيين

والحق أن الدكتور زريق متأثر بهذا (التنظيم) حتى في طريقة تأليفه. . . فكتابه - كما يقول أحد المعجبين به - لا يعدو أن يكون مسائل متفرقة يعرفها الرجل الواعي منا، وتخطر على باله حين يغشى مجتمعاً أو يركب سيارة أو يقرأ كتاباً أو يشاهد أحوالاً. . . ولكن الدكتور زريق جمع هذا المسائل (ونظمها) تنظيماً جعل منها وحدة متماسكة الأطراف، وأخرج منها كتاباً لا تحس فيه تفككاً أو تصيداً لفكرة أو اجتلاباً لمعنى ولكنك تراه مترابطاً محكما متسلسلاً

وليس مثل هذا التنظيم في الدرس سهل المأتاة على كل من حاوله. فكثيرون منا تضطرب الأفكار في خواطرهم وتزدحم على نفوسهم، ولكنهم يستطيعون أن يؤلفوا بينها ويصنفوها في كتاب يفضي كل سطر منه إلى تاليه، ويؤدي كل فصل منه إلى تابعه، كما في كتاب (الوعي القومي)

ولم يجعل المؤلف مهمة الإيقاظ للوعي القومي حبساً على رجال السياسة وأصحاب الحكم. بل كل فرد من أفراد الأمة يستطيع أن يساهم في الألفاظ مهما كان عمله، ومهما كان مركزه، وذلك جميل من المؤلف، فإذا كان الأفراد جميعاً يحملون ألم سوء الأحوال، ويشتركون في التنبيه على ما يعود عليهم بأحسن الفوائد وأجزل العوائد؟

فاشتراك أفراد الأمة في الإيقاظ جائز بل واجب على شرط أن تنعدم الأثرة كما يردد الأستاذ ساطع الحصري، وينعدم التمرد والعصيان على رأي البروفيسور كامبانياك

وللدكتور زريق على أستاذيته الجليلة في جامعة بيروت هو معلم من الطراز الأول؛ فهو لا يحاول في كتابه أن يكون مبدع ألفاظ أو منشئ عبارات أو مخاطب عواطف. . . ولكنه رجل اختمرت عنده فكرة نبيلة فقام يدعو إليها في عبارة تتفق مع جلال فكرته. فلا ترى عنده مبالغة أو سرفاً في القول أو حشداً للألفاظ، ولكنه مع ذلك قد عرض الفكرة عرضاً بليغاً، لا يتزيد في لفظة ولا يهول في عبارة ولكنه يلقى الكلام على ضوء من صدق الأحكام. وبعد النظر واتساع الثقافة وإدراك لحقائق التاريخ مع وزن لقيم الألفاظ التي يستعملها وقدر حقيقي لها

إلا أن أغلاطاً قليلة وقعت في الكتاب نرجو من الكاتب الفاضل أن يتدارك أمثالها في المرجو المنتظر من تأليفه. ومن هذه الأخطاء: ص 11 (يبقى الأستاذ شيبوب وأمثاله محقون) والصواب محقين، والواو التي بعد النفي والاستثناء في قوله (وما من أحد يلمس الحياة العربية الحاضرة ألا ويشعر) لا لزوم لها والفصيح تركها؛ وقد كرر هذا الخطأ في ص 48 وص 79، والفعل عاقه بتعدي بغير همزة فلا يقال أعاقه ويعيقه ص 49

والآية التي أوردها المؤلف في آخر مقدمة الطبعة الثانية ص 16 محرفة وصحتها: (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) والمؤلف لم يشر إلى أنها آية، إلا أن وضعها على تلك الصورة قاطع على أنها اقتباس من القرآن الكريم

وعلى الأستاذ سلام الله ورحمته.

محمد عبد الغني حسن