مجلة الرسالة/العدد 573/رسائل التعليقات للرصافي

مجلة الرسالة/العدد 573/رسائل التعليقات للرصافي

مجلة الرسالة - العدد 573
رسائل التعليقات للرصافي
ملاحظات: بتاريخ: 26 - 06 - 1944


4 - رسائل التعليقات للرصافي

(كلمة أخيرة)

للأستاذ دريني خشبة

وبعد، فقد عرضنا على القراء في كلمتنا الأولى عن هذه الرسائل آراء الأستاذ الرصافي التي يلحد بها في الله وفي الإسلام والتي نقلتها الرسالة عن الأستاذ أمين الريحاني، عن الرصافي سنة 1935؛ ثم عرضنا في كلمتنا الثانية طائفة من آرائه تلك، أوردها في كتابه الجديد الذي علق به على كتابي الدكتور زكي مبارك: التصوف الإسلامي والنثر الفني، ومن بين هذه الآراء إيمانه المطلق بوحدة الوجود وما ينبني على هذه الوحدة من آثار أخلاقية هدامة، ثم رأيه في تأليف القرآن، والأدعية (ومنها الصلاة)، والبعث، والجبر، وتساوي المتضادات من خير وشر، وتقي وفجور، وترهب وخلاعة. ثم إنكاره للثواب والعقاب على النحو الذي جاء به الإسلام. ثم دعوته المسلمين إلى الأخذ بآرائه إن أرادوا أن يكون لهم مجد، أو أرادوا بين الأمم مقاماً محموداً. ثم أثبتنا في كلمتنا الثالثة فساد ما ذهب إليه الأستاذ من أن نظرية وحدة الوجود هي شئ من صنع الرسول الكريم، لم يعرفها العالم إلا حينما جاء بها محمد. ثم ما كان من اهتداء متصوفة المسلمين إليها بعد محمد بقرن أو قرنين من الزمان. أثبتنا في كلمتنا الثالثة فساد هذا الزعم لأن نظرية وحدة الوجود فكرة ترددت في الفلسفة اليونانية، فقد قال بها إجزنوفنس الذي كان يؤمن بالحلول، وأشرنا إلى ما كان يزعمه هرقليطس من التقاء المتضادات وتساوي الخير والشر وجميع المتناقضات بناء على ذلك، لأن التناقض في زعمه، هو في نظرنا فقط! وذلك وما قبله هو لباب نظرية وحدة الوجود! وأشرنا كذلك إلى ما ذهب إليه أناجزاجوراس من تعدد العناصر ووجود قوة عاقلة - ال ? حالة في الكون متحدة به، تتولى تحريكه وتنظيمه - ثم أتينا على ما انقسم إليه تلاميذ سقراط من بعده من حيث نظرة كل منهم إلى الفضيلة أو السعادة. ونشدانها. . . فالكلبيون ينشدونها في الجهل والزهد والتقشف والقورينيون ينشدونها في اللذة، واللذة الحسية بنوع خاص - وهو ما يذهب إليه معظم متصوفة المشرق - هداهم الله - والميجاريون ينشدونها في التأمل الفلسفي، ثم وقفنا من أفلاطون أمام ثالوثه العجيب: المادة، والمثل. والله، وما كان من اضطراب أرسطو في تصور ذات الله، هل له وجود مشخ مستقل، أو هو صورة مجردة معنوية؟

استعرضنا هذه الآراء اليونانية لنثبت أن نظرية وحدة الوجود ليست شيئاً جاء به محمد أو تضمنه الإسلام، لأنها إفك لم ينته الفلاسفة من شأنه إلى شئ يطمئن إليه قلب أو يؤمن به عقل، ولأن الإسلام دين الفطرة ودين الاستقرار يأبى أن يسلم الناس لفوضى لا ضابط لها ولا خير للأنام فيها، وأن محمداً حين نهى الناس عن التفكير في ذات الله، وأمرهم بإدمان التفكير في مخلوقاته، كان الحكيم الأعظم الذي يهدي للرشد ويجنب الأمة مهاوي الضلالات، وإن أخذنا أخذ رسول الله ليس دعوة إلى الجمود والحجر على حرية الفكر، ولكنها دعوة ضد الباطل الذي ندعي إليه ولا خير لنا فيه. . . بل هي تصرفنا عن الجد الذي تأخذ به أمم العالم نفسها إلى هذا العبث الذي يضحك الدنيا بأسرها علينا، ويجعلنا موضع سخريتها وازدرائها. . . لقد أمرنا نبينا بالتفكير في مخلوقات الله لنستثمر تفكيرنا في مخلوقاته في صنع مدنيتنا وتوفير سعادتنا، ولو قد عرف رسول الله خيراً في التفكير في ذات الله لما ضن به علينا، ولكنه أشفق على هذا العقل البشري الذي لم يطلع من أسرار الوجود إلا على أتفه مقدار لا يعتد به. . . أشفق عليه من مثل هذا الضلال الذي انتهى إليه الفلاسفة من بحثهم في ذات الله. . . أليس حسبنا أن نعقل أن هذا الوجود الغائي الجميل لا يمكن أن يكون موجوداً بنفسه! ألم ندرس علم طبقات الأرض وعلم الفلك وعلم الحياة وعلم النفس؟ أي مقدار عجيب من المعرفة هدتنا إليه هذه العلوم؟ أكل هذا السحر العلمي المعجز شئ لم يهبنا إياه إله حكيم قادر؟ ثم هذه الوحدة الوجودية التي يهرف بها عقل المخرفون: هل لها عقل؟ وهل ترى وتسمع، وهل هي مادة صرفة أو روح صرف، أو مادة وروح؟ ثم ما قيمة نظرية خائبة لا تفرق بين الخير والشر، وبين الأبيض والأسود، وبين التقوى والدعارة، وبين الزهد والجشع، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين السجود بين يدي الله، وإكباب المرء على حيلته؟! ما هذا البلاء الذي يدعونا المأفونون إليه، ويزعمون أن عدم أخذنا به ووقوعنا فيه هو سبب تخلفنا وعلة تأخرنا؟ ماذا يريد هؤلاء؟ أيريدون أن تكون الدنيا داراً واسعة شاسعة يعمرها قوم من المجاذيب؟! هل فرغنا من استكناه أسرار خلق الله، فلم يعد إلا التفكير في ذات الله؟! هل انتصرنا على أمراضنا فشفيناها، وعلى مشكلات الفقر والجوع والجهل فمحقناها، وعلى استئصال الشر من النفس الإنسانية فمنعنا الحروب وعالجنا الآفات؟! هل عرفنا سر الكهرباء؟ هل اهتدينا إلى (ذات!) المغناطيس و (ذات!) الضوء و (ذات!) أنفسنا فلم يعد إلا أن نهتدي إلى ذات الله! وهل يعقل أن ندرس الهندسة الفراغية ونحن لا ندري شيئاً عن الهندسة النظرية، أو حساب المثلثات ونحن نخطئ الجمع والطرح!

أليس يكفي أن تكون هذه النظرية قائمة على ذلك الخيال الأخلاقي ليثبت أنها فاسدة، وأنها لابد أن تكون تعلة يتعلل بها المؤمنون لستر نواحي الضعف في أدبهم المنهار، وسلوكهم المريض، وخلقهم المعتل؟ إنهم مثل القورينيين من تلامذة سقراط، ينشدون اللذة، واللذة الحسية الخسيسة على وجه الخصوص، وانغماسهم هذا الذميم في الملذات هو الذي جعل أذهانهم تتبلد، وأرواحهم تصدأ، وتفكيرهم يسف، فراحوا يوهمون هواهم أن الخير والشر سواء، وأن التقى والدعارة صنوان، وأن المصير واحد، وأن سبب تأخر الأمم الإسلامية وتخلفها هو هذا التعفف الذي لا موجب له، وهذا الفهم السيئ لما جاء به محمد من شريعة أخذناها بحرفيتها ولم نعبث بها فحورناها وأولناها، وفهمنا ثلاثة أرباع هذا القرآن الكريم على أنه آيات تمثيلية يخوف بها الله، فهو - سبحانه وتعالى عن هذا البهتان - يقصد بظاهرها الأميين، ثم جعل لها باطناً لا يعرفه إلا الراسخون في علم وحدة الوجود من الزنادقة الذين اتصلت نفوسهم بنفس إبليس الأكبر، ولم تندمج في الله. . . أو في الوجود الكلي كما يكذبون ويبهرجون ويلفقون

وبعد أيضاً. . .

فحسبنا أن نأتي على نظرية وحدة الوجود من جهتها الأخلاقية هذه لنراها تنهار من أساسها، فنريح أنفسنا من تكرار ما قاله ابن حزم والشهرستاني، وابن تيمية، وابن القيم، وأبو منصور عبد القاهر البغدادي في توقينها ثم تكذبها وتبيان زيفها، مما هو مذكور مشهور، ومما يسهل على كل قارئ أن يرجع إليه ليرى كيف حارب علماؤنا الأعلام تلك الفئة الباغية. . . ثم نريح أنفسنا من الرد على المكذبين بالوحي وبالقرآن، المتحللين من شريعة الله السمحاء التي يتخذونها هزواً، ويملؤهم الغرور فيأبون أن يؤمنوا كما آمن السفهاء، إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يفهمون

وحسبنا أيضاً أن ننبه إلى ما يقع فيه هؤلاء الأنجاس من أخس ألوان الحب الحسي والانحراف الشديد القذر في هذا الحب مما نقرأ أخباره عن أئمتهم وأقطابهم، مما أورد بعضه أبو عبد الله الزنجاني في أطروحته، وما نجد أخباره في الكشكول وروضة المحبين وديوان الصبابة وتزيين الأسواق وتلبيس إبليس ويتيمة الدهر وكتاب الكنايات. . . ودفاع الصديق الأعز الدكتور زكي عن الصوفية في هذا الميدان - وهو من البقع التي ذكرت في حديثي الأول - لن يغنيهم شيئاً - فقد شوى جلودهم فيما يتعلق باستنتاجاتهم الخبيثة في التقاء المتناقضات وتساويها في نظرية وحدة الوجود، وقد هاجمهم غير مرة، ولا سيما في باب التجريد

وحسبنا أن ننبه مرة ثانية إلى أن وقوعهم في الموبقات الحسية هو الذي جعلهم يلتمسون تبريراً لها بقولهم إن الشريعة للعوام والحقيقة للخواص أي لهم، ورحم الله ابن القيم فقد نكل بهم من أجل هذا، ورحم الله الشافعي حيث قال:

(لو أن رجلاً تصوف أول النهار، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق) وحيث قال: (ما لزم أحد الصوفية أربعين يوماً فعاد إليه عقله أبداً)

وصدق الله العظيم القائل:

(ومن الناس من يجادل الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ ثاني عِطْفِه ليُضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه في الآخرة عذاب الحريق)

وحسبنا الآن أن نترك الكلمة للصديق الأعز الدكتور زكي، ليناقش آراء الأستاذ الرصافي، وليرى إن كان يدعونا الأستاذ إلى دين جديد

دريني خشبة