مجلة الرسالة/العدد 576/على هامش النقد

مجلة الرسالة/العدد 576/على هامش النقد

ملاحظات: بتاريخ: 17 - 07 - 1944



الشعر العربي والشعر العالمي

في عرائس وشياطين

للأستاذ سيد قطب

في كلمتي الماضية عن هذا الموضوع قلت: (بمقدار الغنى في الأفكار والمعاني الذي تضمنه الشعر العربي، كان الفقر في الرؤى والأحلام، وفي الصور والظلال. وفي الحالات النفسية والملامح الإنسانية. وهذا هو مفرق الطريق بين الشعر العربي وكثير من الشعر العالمي في مجموعة (العرائس والشياطين) وضربت لذلك مثلاً قطعة: (إلى السوق أول مرة) للشاعر الإنجليزي الحديث (هوسمان)

فاليوم أضرب أمثلة أخرى تشرح هذه الفوارق وتوضحها.

في المجموعة قطعتان متقاربتا الموضوع، فاستعراضهما معاً قد يكون أقرب إلى توضيح الفروق

فأما القطعة الأولى، فهي لابن زهر الأندلسي بعنوان:

(في المرآة)

إني نظرت إلى المرآة أسألها ... فأنكرت مقلتاي كل مارأتا

رأيت فيها شيخاً لست أعرفه ... وكنت أعهد فيها قبل ذاك فتى

فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل من هذا المكان متى؟

فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت ... قد كان ذاك، وهذا بعد ذاك أتى

وهي أبيات جيدة في موضوعها، ولفتة لها قيمتها، ووقفة بين صورتين من صور الحياة أجمل ما فيها أن إحدى الصورتين تنكر الأخرى وهي تكملتها. وذلك أقصى ما نستطيع أن نسنده إليها من المزايا مع الاعتراف بأننا نضيف إليها من أنفسنا بعض ما قد تقصر عنه ألفاظها!

ولكنها - مع هذا - وقفت عند الحس لا تتعداه إلى أغوار النفس. فهذا شاعر لا يدرك الفرق بين الفتى الذي كانه والشيخ الذي صاره، إلا حين يقف على المرآة، فيرى تغير الملامح وتنكر السمات - وهذه أمور مردها إلى الحس - فإذا علم بهذا الانقلاب الظاهري لم يتجاوزه إلى التفتيش في أحناء النفس عما هنالك من انقلابات. ولم تثر في نفسه أشتات الذكر، وألوان الخواطر التي تعتلج في نفس (الإنسان)، وترد على الخاطر ولو لم ينظر في المرآة!

ولا أحب أن أنكر جمال اللهفة في قوله: (متى ترحل من هذا المكان متى؟) فإنه نبضة (إنسانية) لها قيمتها، ولكنها نبضة واحدة، تكاد تلتقي بومضات الذهن، ولفتات الفكر للصور المتناقضة، وأياً ما كانت فهي تنبض مرة واحدة، ثم تجمد بلا حراك

على مقربة من هذه القطعة في الكتاب قطعة أخرى للشاعرة الإنجليزية (أليس مينل) تحت عنوان: (خطاب فتاة إلى العجوز التي ستكونها بعد سنين) وهي مقطوعة طويلة، ولكنا سننقلها كاملة لأن الاجتزاء ببعض منها دون بعض لا يجدي.

فهنا (إنسانة) تطل بشطر منها على شطر، وتنظر بعين الفتاة الناضرة العابثة إلى العجوز المستكينة الفانية، فلا تستطيع أن تتماسك أمام الصورة التي تستحضرها بعين الخيال، فترثي لنفسها بنفسها. وتشتبك الأحاسيس والمشاعر، وتظل رائحة جائية بين المستقبل الأعجف المظلم والحاضر المنضر المنير وتعرض أمام خاطرها شريطاً حافلاً بالخواطر والأحاسيس. وهي بين ذلك كله (الإنسانة) و (المرأة) في مخلوقة واحدة، وهذه هي المقطوعة:

اسمعي! أيتها المرأة التي أبلتها السنون

إذا طويت يدك الناحلة على هذا القرطاس

فاذكري تلك التي باركته بلمساتها وقبلاتها

أناديك: يا أماه؛ فإن أثقال السنين كسرتك

بل أناديك: يا بنتاه؛ فإن ذكرى الزمن أيقظتك

ومن أطوار قلبي. يخلق الزمن كل ما فيك

آه أيتها السائمة المكدودة. إن الصبيحة في السماء لشمطاء

أفلا تذكرين السحب كيف تساق؟

أترينها كانت تهدأ عند المغيب؟ تمهلي هنيئة في ختام مطافك الطويل

فإن في هذه الساعة الموحشة

لألفة لساعة التدبر والتذكار

يؤلمك أيتها الصامتة الخافقة تذكيري وإياك

بتلك الهضاب - هضاب الشباب - التي عصفت عليها السماء

وتلك الأعاصير الأوابد من القوة والعافية، التي خلفتها وراءك

اعلمي أن البطحاء الموحشة التي تدرجين فيها الآن

إنما هي دنيا مساء صموت

وتأملي في تلك القمم المغشاة. إنها تسفر عن صباح

اسمعي. . . هاتيك رياح الجبل تهب بالغيوث

وهاتيك القمم على حين غرة تتألق بالشعاع

حاشاى أن أدعك تذهبين - ناسية - إلى الموت

ليتني أعلم أي جانب من قلبي هذا المضطرم سيتبعك

إلى حيث الرياح لا تعصف ولا تتهزْم

وحيث أزهار الجبال الصبية لا تعيش ولا تجود

ولكن دعي خطابي وفيه ما فيه من خواطرك المفقودة

ينبئك كيف كانت الطريق في بداية الطريق

ويصحبك إلى الغاية، حين إلى الغاية تنتهين

آه. رب ساعة من ساعاتك تقودك فيها خواطري

فما تشعرين إلا والرياح من وطنك القديم تحوم حواليك

وإن أخفاك عنها الزمن والظلام والسكوت

تقول لك: كم جاشت بالفتاة هذه الذكريات

وكم رانت على الصباح ظلمات هذه الظلال

وكم خّيم عليها هذا الحزن الذي تفارقينه بقلب حزين

وبعد. فمالي أقفوك بخواطري هذه ليت شعري؟ إن الحياة تتبدل، وإنك مع الأيام تتبدلين

فيأيتها الطبيعة التي لا تتبدل. ليتك تردين إليها فؤادي الضلَّيل

ستعود إلينا نسماتها بقبلاتها

وستسري إلينا في المساء كأنها قبلة قي الصباح

وسينفث الصيف نعمته التي لا يغيرها الزمان

ونحن وقد تبدلت لنا لمحة بعد لمحة، ونسمات بعد نسمات

تتعقب إحدانا الأخرى في شتى المسارب والدروب

علىِ نفحات الطفولة الخالدة التي تتأرج بها الرياحين أطفال الخلود

وما أكتب إليك هذا الخطاب المستطلع الناظر إلى الغيوب

لأموهّ لك الذيول بإكليل من المجد والفخار

وأحف هذا الذّواء بشارات النصر والنجاح

كلا! إنما هو شباب واحد وينطوي من الحياة الضياء

إنما هو صباح واحد ويُغشى النهارَ السحابُ

إنما هي شيخوخة واحدة تتلاقى فيها الأشجان والهموم، جموعاً وراء جموع

صه يا لساني، إن كلماتي أسالت عبرات عينيك

صه صه. فما أغزر ينبوع الدموع

يا للجفون البائسات. ما أسرع ما تبكي وهي قريبة إلى الرقاد!

عذراً للفتاة! لقد وسوست لها نزوة من غرائب نزوات الشباب

أيتها المرأة البائسة! ألق من يدك هذا الخطاب

إنه حطم قلبك فانسي أنني كتبته إليك

إن التي كانت تنظر منك إلى ذلك المحيّا

هي الآن تلمس براحة البنوة شعرك المشتعل

وتبارك هذا الشفق الحزين بدموع الصباح

هذه هي المسارب النفسية التي سارت فيها خطرات تلك الفتاة، وتلك هي المسالك والدروب المتعرجة الطويلة. وهي (إنسانة وامرأة) حين تحس بخطوات الزمن هذا الإحساس، وحين تزج بخيالها إلى المرهوب من شيخوختها - وهي في حمى منها بفورة الشباب الحاضر - ومع ذلك تفزع وتضطرب فتلجأ إلى خيال الذكريات التي ستعتادها في الشيخوخة المرتقبة ذكريات الشباب التي (ستسري إلينا في المساء كأنها قبلة الصباح) فإذا هدأ روعها وتماسكت عادت تواجه (العجوز التي ستكونها) بالحقيقة الأليمة (إنما هو شباب واحد ونطوي من الحياة الضياء). شباب واحد والمرأة أحس ما تكون بوحدانية هذا الشباب!

وإننا لنمضي في تتبع هذه الخطرات النفسية في نفس هذه (الإنسانة) فلا نبلغ مداها , بأيسر ولا أوضح مما بلغته بألفاظها، فلا ضرورة إذن للشرح والبيان

هنا فيض إنساني من الخوالج والخواطر والأحاسيس، قلما تعثر فيها على (معنى) بارز، أو فكرة مبلورة، أو حكمة سائرة. ولكنك لا تخطئ فيها وجه الإنسان وانفعالاته وخطراته، تتماوج وتتداخل، وتضطرب وتختلج وتسمع فيها حركة الحياة وتلمح فيها ظلالها من وراء الألفاظ والتعبيرات

ذلك شعر. وشعر كله. وشعر يحسن أن نتأثره لا مقلدين ولكن مستفيدين. ففي نفوس الكثيرين من ينابيع طليقة، تحبسها الطرائق التقليدية للشعر العربي في التعبير. وإن كانت المسألة في صميمها أكبر من الألفاظ وأوسع من التعبير.

سيد قطب