مجلة الرسالة/العدد 61/الأخلاق والتشريع

مجلة الرسالة/العدد 61/الأخلاق والتشريع

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 09 - 1934


إذا كان الصيف موسم التنزه والاستحمام وجوب الشواطئ، فهو أيضاً موسم التحدث عن الأخلاق. ففي كل صيف يتجدد لدينا حديث الأخلاق وانحلالها، وما تجنيه عليها مناظر الاستحمام والعري المثيرة؛ وقد بلغت هذه المناظر على شواطئ الإسكندرية فيما يظهر حداً مزعجاً من التبذل والتهتك، وأثارت عاصفة شديدة من الاحتجاج والسخط، وارتفعت الصيحة بوجوب وضع حد لهذه الإباحة الخطرة؛ فاهتمت الحكومة وتدخلت إدارة الأمن العام، ووضعت قيوداً جديدة على الاستحمام والنزه البحرية والركوب أو الجلوس بملابس البحر، تحقق في نظرها مستوى معيناً من الحشمة والحياء والصون

وثار أيضاً حديث الأفلام والمناظر السينمائية المنافية للحياء، وانتهى إلينا صدى تلك الحملات القوية التي تنظم في أمريكا، وتنظمها الكنيسة بالأخص لمحاربة هذه الأفلام والمناظر المثيرة المفسدة لأخلاق النشىء والشباب؛ وقيل بحق إننا في مصر أشد حاجة إلى مقاومة هذا الخطر الأخلاقي؛ فاهتمت لذلك لجنة الرقابة الأدبية، واقترحت على وزارة الداخلية أن تشدد الرقابة على الأفلام المصورة الواردة من الخارج، فأقرت الاقتراح وستعمل لتنفيذه.

وهكذا كلما ارتفعت الشكوى من خطر على الدين أو الأخلاق، اتجهت الأنظار إلى الحكومة، وطلب إليها العمل لمقاومة هذا الخطر. والحكومة في مصر هي حامية الدين والأخلاق. والحكومة في جميع الأمم المتمدنة تضطلع بمثل هذه المهمة وتحمل مثل هذه التبعة؛ ولكنها لا تنفرد بتأدية هذا الواجب، وإنما تقوم به إلى جانب القوى المعنوية والاجتماعية الأخرى، وتمد إليها يد العون متى احتاجت. أما في مصر فالمفروض أن الحكومة تقوم في هذا السبيل بكل شيء، وتحمل كل تبعة، وعليها وحدها يقع عبء التقويم والإصلاح

وليس هنا مقام التحدث عن أسباب هذه الظاهرة، وإن كان وجودها طبيعياً في بلد تقبض حكومته على جميع السلطات، وتسيطر على جميع الحريات والقوى المادية والاجتماعية؛ ولكنا نتساءل فقط: هل يكفي تدخل الحكومة لدرء الشر، أو بعبارة أخرى هل يعتبر التشريع وسيلة ناجمة لتقويم الأخلاق؟ لقد اعترض بعض النقدة حينما فرضت الحكومة تلك القيود الجديدة على ملابس البحر والنزه البحرية، وقالوا إن الأخلاق لا تقوم بالتشريع، وإن تيار الفساد أقوى من أن تحده مثل هذه القيود. وربما كان ذلك حقاً في ذاته؛ فالتشريع وحده لا يكفي لقمع الفساد وتقويم الأخلاق، بل يجب أن تتضافر معه جميع القوى والعناصر التهذيبية الأخرى، في البيت والأسرة والمدرسة والمجتمع، ولكن التشريع لابد منه في بلد تسيطر الحكومة فيه على كل شيء: على التعليم والتربية، وتكوين التفكير والأخلاق؛ وتنظيم المجتمع، والتشريع أول وأهم خطوة في بلد لم يستكمل نضجه في التهذيب والثقافة، وفي بلد تغزوه أسفل عناصر المدنية الغربية؛ وفي مجتمع لا يفهم التمدن إلا بأنه اقتباس للخلال والأزياء الغربية الخليعة، والانحدار إلى مهاوي التهتك، وإهدار قواعد الحياء والحشمة، والانغماس في شر ما تنغمس فيه العناصر الأجنبية الوضيعة.

وحيثما يسري الفساد إلى مجتمع ضاع فيه وازع التربية والحياء والأخلاق، وجب أن يمثل وازع التشريع والإكراه، ونريد هنا التشريع الحكيم النزيه المبني على دراسة عميقة وتمحيص مستنير. نعم إن التشريع لا يحدث أثره سراعاً، ولكنه يذلل الطريق دائماً للغاية المثلى، وفي جميع الأمم الغربية يتخذ التشريع وسيلة لحماية الأخلاق وتقويمها؛ ففي إنكلترا قوانين لحماية الأحداث من خطر ارتياد المقاهي والملاهي منفردين ولحماية أخلاقهم في المصنع؛ وقد لجأت الفاشية في إيطاليا إلى التشريع لمعالجة الفساد الأخلاقي الذي بثته فوضى ما بعد الحرب إلى كل طبقات المجتمع، فأصدرت قوانين عديدة لمحاربة الخلاعة والتهتك ومطاردة الملاهي المبتذلة، وتناول التشريع أزياء المرأة فحتم أن تكون ذات طول معين؛ ورُدت المرأة الإيطالية بقوة التشريع إلى الأسرة والمنزل، وحملت على تقديس الزواج والأمومة، واحتقار الإمعان في التبرج واللهو الخليع؛ وحذت الوطنية الاشتراكية في ألمانيا حذو الفاشية في ذلك، فلجأت إلى التشريع في مطاردة الفساد الأخلاقي والملاهي المبتذلة، وأُغلقت مئات الحانات والمنتديات المريبة في برلين وغيرها، ورُدت المرأة الألمانية إلى حظيرة الأسرة، وبوعد بينها وبين العمل الخارجي جهد الاستطاعة، إلى غير ذلك من الوسائل والإجراءات التي أريد منها صون الأخلاق بعد ما وصلت إلى أبعد حدود الانحلال، ورفع مستوى الحياء والحشمة بعد أن هبط إلى الدرك الأسفل.

وفي تركيا الكمالية، كان التشريع وسيلة التحرير والتمدن، فلما طغى سيل الفساد الأخلاقي في مجتمع لم ينضج بعد لمثل هذا الإغراق والتطرف، عادت حكومة أنقرة فلجأت إلى التشريع أيضاً لكبح جماح ما أطلقت عنانه بادئ بدء، وحماية النشء والشباب من الاندفاع في حريات لم يألفوها، وكانت وبالاً على أخلاقهم ونفوسهم.

والخلاصة أننا لا نعترض على التشريع في ذاته كوسيلة لحماية الأخلاق والآداب؛ فلنا في ذلك أسوة بكثير من الأمم الغربية ذات الأخلاق والمدنية؛ وما دمنا نخضع لمثل هذه الظروف والنظم، فلا مناص من الالتجاء في الإصلاح إلى وسائل الإكراه؛ ولكن الذي نعترض عليه حقاً هو أن هذه القوانين التي توضع لمعالجة هذه الشئون ليست دائماً على جانب كبير من الحكمة والاتزان، ولا تقوم دائماً على نزاهة القصد والغاية؛ وإنما توضع في الغالب لتهدئة بعض الحملات المزعجة، ومعالجة بعض الحالات المؤقتة، والتماس شيء من المديح والرضى.

(ع)