مجلة الرسالة/العدد 624/قصة كتاب:

مجلة الرسالة/العدد 624/قصة كتاب:

ملاحظات: بتاريخ: 18 - 06 - 1945



يتيمة الدهر

للوزير السيد أبي الحسين بن أحمد بن الحسن بن علي

للأستاذ برهان الدين الداغستاني

كنت أظن أن اسم (يتيمة الدهر) وقف على كتاب أبي منصور الثعالبي المعروف، حتى عثرت منذ سنوات في خزانة المرحوم أحمد تيمور باشا - على رسالة صغيرة الحجم مسماة يتيمة الدهر للوزير السيد أبي الحسين بن أحمد بن الحسن بن علي رضي الله عنه.

وهذه الرسالة في 61 ورقة مكتوبة بخط نسخي جميل مشكول وكل صفحة في أحد عشر سطراً، وعلى الرغم من شدة عناية المرحوم تيمور باشا بمخطوطات خزانته، وحرصه الزائد على ذكر مؤلفيها وبيان عصورهم وطرف من تراجمهم - لم أجد في فهارس الخزانة ما يكشف الغطاء عن شخصية مؤلف هذه الرسالة، وأخذت أقلب الكتاب لعلي أجد في ثناياه ما ينم عن هوية مؤلفه فلم أجد إلا تلك العبارة المسطرة في رأس الصفحة الأولى منه وهي: (كتاب يتيمة الدهر. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الوزير السيد أبو الحسين بن أحمد بن الحسن بن علي رضي الله عنه: الحمد لله العلي الكبير، القوي القدير، العليم الخبير، السميع البصير. . . إلى أن يقول: أما بعد، فإن أحق ما نطق به لسان، وأعرب عنه بيان، وانطوى عليه كتاب، وانتهى إليه خطاب، ما زاد في قوة البصيرة، وعاد بصحة السريرة، وطرق طرائق العدل، وبين حقائق الفضل، فصار تذكرة للأخيار، ومزجرة للأشرار، وقوة لأولي الألباب والأبصار، وإماماً للعمال، وقواماً للأعمال، يرجع إليه الساسة، وتبنى عليه السياسة، وتنظم به الأسباب، وتتجمع فيه الآداب

وإن الأدب أدبان: أدب شريعة، وأدب سياسة؛ فأدب الشريعة ما قضى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان، وصلاح الرعية، وكمال المزية، لأن من ترك الفرض ظلم نفسه، ومن خرب الأرض ظلم غيره). في مقدمة طويلة على هذا النسق من سجع قصير غير متكلف استغرق ثماني صفحات من الأصل إلى أن يقول في آخر المقدمة: (وقد جمعنا من إنشائنا في كتابن هذا ألفاظاً وجيزة، وأجريناها مجرى الأمثال، وفصولا قصيرة قد جعلناها عمدة للولاء والعمال، وعدة للعقلاء وذوي الأعمال، وقصدنا فيما ألفناه من ذلك وجه الاختصار ليقل لفظه، ويسهل حفظه، وجعلناه ألف فصل ومثل في ثمانية أبواب

الباب الأول: في الاستعانة على حسن السياسة

الباب الثاني: في الاستعانة على فضيلة العلم والعمل

الباب الثالث: فيما يستعان به على الزهد والعبادة

الباب الرابع: فيما يستعان به على أدب اللسان

الباب الخامس: في الاستعانة على أدب النفس

الباب السادس: في الاستعانة على مكارم الأخلاق

الباب السابع في الاستعانة على حسن السيرة

الباب الثامن: في الاستعانة على حسن البلاغة

واستعنا فيما وضعناه من ذلك بالله الجليل، وهو حسبنا ونعم الوكيل)

ثم قام أحد الناشرين بطبع هذا الكتاب، وكتب له أحد كبار القضاء الشرعي مقدمة نفيسة، وصرح كاتب المقدمة بأنه لم يعثر على ترجمة المؤلف، ولم يشر إلى أن هذه الرسالة طبعت قبل هذه المرة

والواقع أن هذه الرسالة قد طبعت في القاهرة من نحو خمسين سنة، وإذا أردنا التحديد قلنا: إنها طبعت سنة 1317هـ مسماة بغير أسمها، منسوبة إلى غير مؤلفها، فقد طبعت على هامش كتاب (نثر النظم وحل العقد) لأبي منصور الثعالبي أيضاً، وذلك بالطبعة الأدبية بسوق الخضار القديم بمصر سنة 1317هـ، ثم طبعت هذه الرسالة مرة أخرى بعنوان (كتاب الأمثال المسمى بالفرائد والقلائد، ويسمى أيضاً بالعقد النفيس ونزهة الجليس)، ونسب في هذه المرة أيضاً إلى أبي منصور الثعالبي. وهذه الطبعة مطبوعة في مطبعة التقدم التجارية بحارة العنبة رقم 10 بشارع محمد علي بمصر وليس عليها تاريخ الطبع

وهكذا فقد طبع هذا الكتاب مرتين - ولعله طبع مرات أخرى لا نعرفها - مسمى بغير اسمه الحقيقي - ونسب إلى غير مؤلفه في كلتا المرتين؛ حتى عثر على نسخة الخزانة التيمورية، فعرف أن اسمه الحقيقي هو (يتيمة الدهر)، وأن المؤلف هو الوزير السيد أبو الحسين بن أحمد بن الحسن بن علي رضي الله عنه

بقي أن نعرف من هو السيد أبو الحسين صاحب كتاب (يتيمة الدهر)؛ وفي أي عصر عاش، وما هي مكانته الأدبية؟

لقد أطلت البحث عن ترجمة للسيد أبي الحسين، وبذلت كثيراً من الجهد والوقت، ولكن حياة هذا السيد الكريم ما زالت غامضة خفية. لم أستطع كشف القناع عنها، فإني مع كثرة ما بحثت وراجعت من المراجع لم أجد للسيد أبي الحسين ذكراً إلا ما ورد في رسائل بديع الزمان الهمذاني في سياق تلك المناظرة التاريخية التي وقعت بين البديع والخوارزمي في نيسابور سنة 383هـ، فقد كرر البديع الهمذاني اسم السيد أبي الحسين أكثر من مرة واحدة في أثناء حكايته لتفصيلات تلك المناظرة، وذكر أن السيد أبا الحسين كان أحد شهود المناظرة المحكمين، وأنه كان يناصر الخوارزمي، وأن الخوارزمي كان يلجأ إليه ويخصه بالحديث والالتفات في الجلسة الأولى للمناظرة، فلما كان المجلس الثاني احتال البديع على السيد أبي الحسين، واستماله إلى جانبه بقصيدة أنشده إياها في مدح أهل البيت والتشيع لهم، وأستمع إلى البديع حيث يقول: (. . . ثم حضر السيد أبو الحسين وهو ابن الرسالة والإمامة، وعامر أرض الوحي، والمحتبي بفناء النبوة، والضارب في الأدب بعرقه، وفي المنطق بحذقه، وفي الإنصاف بحسن خلقه، فجشم إلى المجلس قد سيفه، وجعل يضرب عن هذا الفاضل - أبي بكر الخوازمي - بسيفين لأمر كان قدموه عليه، وحديث كان قد شبه لديه، وفطنت لذلك فقلت: أيها السيد! أنا إذا سار غيري في التشييع برجلين، طرت بجناحين، وإذا مت سواي في موالاة أهل البيت بلمحة دالة توسلت بغرة لائحة، فإن كنت أبلغت غير الواجب فلا يحملنك على ترك الواجب، ثم إن لي في آل الرسول قصائد قد نظمت حاشيتي البر والبحر، وركبت الأفواه، ووردت المياه، وسارت في البلاد، ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تسر على ساق، ولكني لا أتسوق بها لديكم، ولا أتنفق بها عليكم. وللآخرة قلتها لا للحاضرة، وللدين ادخرتها لا للدنيا

فقال: أنشدني بعضها فقلت:

يا لمة ضرب الزما ... ن على معرسها خيامه

لله درك من خزا ... مى روضة عادت ثغامه لرزية قامت بها ... للدين أشراط القيامه

لمضرج بدم النبو ... ة ضارب بيد الأمامه

متقسم بظبا السيو ... ف مجرع منها حمامه

منع الورود وماؤه ... منه على طرف الثمامه

نصب ابن هند رأسه ... فوق الورى نصب العلامه

إلى آخرها، وهي قصيدة في نحو خمسة وعشرين بيتاً كلها على هذا الطراز

قال البديع: (فلما أنشدت ما أنشدت، وسردت ما سردت، وكشفت له الحال فيما اعتقدت، انحلت له العقدة، وصار سلماً، يوسعنا حلماً)

هذا كل ما وجدته عن السيد أبي الحسين، ومنه يظهر مكانه في العلم والأدب، كما يعلم أنه من معاصري البديع والخوارزمي ومقارعيهما، وأنه كان موجوداً في أواخر القرن الرابع الهجري

بقي أن نعرف: هل هذا السيد الذي قص البديع الهمذاني خبره - هو الوزير السيد أبو الحسين بن أحمد بن الحسن بن علي رضي الله عنه صاحب كتاب يتيمة الدهر؟

ذلك ما لا سبيل إلى الجزم به الآن، ولعل في قراء (الرسالة) الغراء من يعرف عن كتاب (يتيمة الدهر) ومؤلفه السيد أبي الحسين أكثر مما نعرف. فإلى ذلك أوجه الرجاء أن يتفضلوا بنشر ما لديهم من المعلومات مشكورين.

برهان الدين الداغستاني