مجلة الرسالة/العدد 630/طلائع المجد الطريف في أفريقيا الشمالية

مجلة الرسالة/العدد 630/طلائع المجد الطريف في أفريقيا الشمالية

مجلة الرسالة - العدد 630
طلائع المجد الطريف في أفريقيا الشمالية
ملاحظات: بتاريخ: 30 - 07 - 1945



ماذا فعلنا من أجلهم؟

للأستاذ توفيق محمد الشاوي

دعك من حديث ماضينا المجيد الخالد، فإن التاريخ الأمين لن ينسى هذه القرون الطويلة التي حملنا فيها لواء الحضارة، ورفعنا راية الإنسانية السامية، وانتقل معي إلى حديث طريف، لا تذكره للتاريخ فحسب، ولكن ليسمع كل عربي يؤمن بقوميته وعروبته، وكل مسلم ثابت على عقيدته ورسالته، فينفض عن نفسه غبار الذلة، ويلحق بركب المجاهدين في سبيل دينهم وقوميتهم، قبل أن يسجل التاريخ علينا معرة التفريط والعجز.

هذه صورة مجيدة من صور الجهاد العربي، في شمال أفريقية، ثغر العروبة وحصنها الغربي؛ على سفوح جبال الجزائر الشماء، حركة دائبة، تجمع فيها أسود العروبة وأبطال الكفاح يرقبون مطلع نجم جديد، يسمونه نجم أفريقيا الشمالية، اتخذوه شارة لوحدتهم، وعلامة لاستقلالهم؛ وقد علموا إنه لا يشرق إلا مخضباً بالدماء، ولا يسبح إلا في مجرة من نور التضحية والاستشهاد. من حولهم مدن الجزائر المحبوبة لا يكدر صفوها إلا عبث هؤلاء المستعمرين مستكلبين على شهواتهم، مغرورين بسلطانهم، يحتفلون بما يسمونه يوم (النصر)، النصر الذي لم يستحقوه بجهادهم، ولم ينالوه بتضحياتهم، ثم أبوا إلا أن يحتفلوا به أسبوعاً كاملاً أرادت فرنسا أن تبيح لشعبها فيه ما شاءت من طعام وشراب لا تملك منه شيئا، فبعثت وكلاءها وأذنابها يغتصبون طعام العرب في شمال أفريقية مستعملين في ذلك أساليبهم الرجعية؛ كما انهم عادوا إلى سياستهم العتيقة لمحو القومية العربية ومحاربة عناصرها من دين ولغة وآداب وتقاليد ووحدة، حتى نفد صبر العرب المجاهدين. وهاهم أولاء يبدأون كفاحهم في يوم (النصر) حاملين سلاحهم العزيز، كما حمله أسلافهم من قبل أمثال عبد القادر وابن عبد الكريم. وهذا سبيلهم ينساب على مراكز المستعمرين ومراتع لهوهم وعبثهم، فألقوا عليهم درساً جديداً في بطولة العرب وإبائهم، وشجاعتهم وثباتهم، وذكروهم بأن حرية العربي أغلى من أن تختلس في غفلة، وأن دمه العزيز لا يهمل إلا في ميادين القتال فداء الوطن والدين. . .

ولا يزال صدى هذه المعارك يرهب الفرنسيين ويقض مضاجعهم، وقد جعلهم يفكرون مرتين قبل أن يقدموا على ما أرادوه من استئناف سياسة الاستعمار الوحشية البالية، وزاد غيظهم أنهم لم ينالوا من المجاهدين نيلاً يروي حقدهم، فسلطوا فلولهم - التي فرت من ميدان الكفاح الشريف أمام الألمان - على المدن الآمنة والسكان المسالمين فضربوهم بمدافعهم وطائراتهم وقتلوا آلاف المدنيين الذين لا ذنب لهم، وانجلت الثورة عن هالة حمراء من دماء العروبة الزكية أطل منها النجم المرتقب، نجم المجد العربي الطريف. نجم وحدة أفريقيا الشمالية واستقلالها يرقب من بعيد هلال الوحدة العربية في الشرق، لعله يستجيب فتجمعها جامعة العروبة وروح الإسلام في سماء العزة والسيادة.

ونحن في المشرق، ماذا فعلنا من أجل هذا النجم العزيز وهذا الأمل المشترك؟ هل مددنا أيدينا إلى هؤلاء العرب المجاهدين في المغرب لنربط جهادنا بجهادهم، ونشد أزرهم في كفاحهم؟ ستجيب (الجامعة العربية) عن ذلك؛ ولكني أسائل المصريين الكرماء الذين ساعدوا منكوبي الإنسانية من كل جنس ولون: من الحبشة إلى اليونان إلى اليوغسلاف والهولنديين والبلجيكيين بل والروسيين في ستالنجراد، ألم يعلموا أن هذه الثورة العظيمة في الجزائر قد أسفرت عن منكوبين لا يقلون عن خمسة آلاف وأسرهم، بين قتيل وجريح وسجين باعتراف الحكومة الفرنسية نفسها، وإن كانوا لا يقلون عن ثلاثين ألفاً في تقدير المصادر المحايدة؟ فأين ذهبت النجدة والكرم، وأين حكومتنا التي تدفع الملايين من الجنيهات لتعمير بلاد أوربا (المحررة) أليس من الأولى أن نفكر في تحرير أوطان العروبة المستعمرة، أو إنقاذ إخواننا المنكوبين في تلك البلاد الشقيقة؟

توفيق محمد الشاوي

مدرس بكلية الحقوق - بجامعة فؤاد